21 - دعوة الى الغابة المحرمة

إنقضى الليل ، و سرعانما إختفى ضوء القمر بالكامل .. بعدما إنقلب لكسوف داكن كئيب .

هنا بأورديل ، لم يكن هنالك من أشعة شمس دافئة توقظ الناس من احلامهم .

فحتى و لو انقلبت السماء الى لونها البرتقالي الفريد ذاك ، الا أنه لم يختلف كثيرا عن الليل الموحش .

بالواقع ، الليل بدا أرحم .. فالقمر يعطي بعض الضوء على الاقل على عكس الكسوف الموحش نهارا .

نائما بداخل غرفته ، مستمتعا بلحظات الهدوء النادرة .

كان إيثان ينام بعمق بعد ليلة حافلة .

رغم ارقه ، الا انه استطاع النوم كالطفل بسبب الارهاق المتراكم الذي ترك ظلاله عليه .

لكن لحظات السلام هذه لم تدم طويلا ، فأضواء الغرفة قد اشتعلت بشكل تلقائي .. مسلطةً نورا ساطعا على وجهه .

إيثان فتح اعينه ببطء ، منزعجا من انبعاث الضوء المفاجئ هذا .

رؤيته كانت ضبابيةً في البداية ، لكنه سرعانما ادرك ان الضوء صادر من المصباح الذي تدلى من السقف فوق رأسه .

كانت هذه الطريقة المعهودة لايقاظ الصيادين ، و اعطائهم شعاع الضوء الاول بيومهم بدل الشمس التي افتقدوا دفأها .

جميع الصيادين معتادون على ذلك ، لكن ليس إيثان .

فهذا الاخير عبس بشدة ، و الانزعاج بادي عليه .

هو مد يده ممسكا باحد الكتب السميكة المركونة فوق مكتبه .

ثم برمية دقيقة ، القى إيثان الكتاب على المصباح بقوة كافية لدرجة ان المصباح انفجر فورا ، و زال ذلك الضوء المزعج .

شظايا الزجاج سقطت فوق وجهه مباشرةً ، لكنه رفع غطاءه مغطيا اياه تاركا الزجاج ينجرف فوقه .

راقدا وسط الشظايا المتناثرة من حوله ، عاد إيثان للنوم بسلام بعدما تخلص من مصدر الازعاج .

لقد كان مدمن العاب سابقاً ينام اليوم بأكمله ببعض الاحيان ، و عاداته هذه طاردته الى عالمه الجديد ايضا على ما يبدو .

هو نام بسلام لبضع دقائق إضافية ، و ابتسامة مرسومة على وجهه معانقا وسادته .

لكن راحته هذه لم تستمر طويلا ، و سرعانما جاء ما يعكر مزاجه مرة أخرى .

لم يكن ضوءا هذه المرة ، بل صوت .

صوت وقع الاقدام ، و مشي الأشخاص خارج بابه .. اشخاص تحدثوا بصوت عالي و كأنهم معه داخل الغرفة ذاتها .

الامر لم يقتصر على الاصوات من خارج الباب ، بل عبر نافذته المفتوحة أيضا.

بدقائق معدودة ، تحول مسكن الصيادين الهادئ الى ما يشبه المقاهي المكتضة بأوقات المباريات .

"من أين يأتون بهذه الطاقة منذ الصباح ؟!" تذمر إيثان ، واضعا وسادته فوق رأسه محاولا ابعاد الضجيج ، لكن دون جدوى .

حاول تجاهلهم قدر المستطاع ، آملا بأن يهدأوا بما يكفي ليعود الى النوم .

هو لم يملك ساعة ليعرف بها الوقت ، لكنه توقع انها لا تزال السادسة صباحا بأقصى تقدير .

و هو وقت لم يسبق له ان استيقظ به بحياته كلها .

بالاحرى .. دوما ما كان يسهر يلعب الالعاب بهذا الوقت ..

ساعته البيولوجية كانت منكوحة بالكامل ، مثل عدة أمور أخرى بحياته .

رغم محاولاته اليائسة للنوم مرة أخرى ، الا ان الفشل بدا حتميا .

فهذه المرة ، جاء ازعاج ثالث اقوى من كل ما سبقه .

و كان ذلك عندما سمع صوت طرق قوي على بابه ..

الطارق طرق مرتين بشكل عادي بالبداية .

ثم عندما رأى ان إيثان لم يستجب له ، هو بدأ يضرب الباب بعنف اكبر و قوة أعلى الى أن كاد يكسره .

الطرق العنيف لوحده اعطى فكرة لايثان عن الرجل الواقف بالجانب الآخر من الباب .. فليتسبب بهذا الضجيج ، لابد و أنه ضخم البنية مفتول العضلات .

بعد دقائق طويلة من الطرق العنيف .. فتح إيثان الباب أخيرا ليجد شخصا مألوفا بالخارج .

طويل اسمر ، بشعر احمر قصير .. و اطار عريض .

كان يرتدي ملابسه بالفعل .. رداء ازرق قاتم طويل ، زوج من القفازات السوداء و احذية طويلة تصل ركبتيه تقريبا ..

لقد كان رايدن هارت ، الذي عقد حواجبه عندما رأى إيثان .

هذا الأخير فتح له الباب و لا يزال يرتدي ملابس النوم ، بينما يلف نفسه بغطاء النوم الذي سحبه معه حتى الباب .

إيثان حدق به بعين واحدة مفتوحة ، بينما كانت الاخرى مغلقةً باحكام .

ثم هنالك تلك اليد الآلية التي لم تتناسب قط مع هذا المشهد الفوضوي .

"لا أصدق ما اراه .. إيثان هارت يتأخر بالنوم !" ضرب رايدن رأسه ، و كأنه رأى شيئا لن يتكرر أبدا .

ملقيا بنظرة على الغرفة المظلمة ، هو اكتشف ما حدث سريعا .

"هل حطمت مصباحك ؟!" هو قال بينما لمح أخيرا شظايا الزجاج فوق الغطاء.

من جهة أخرى ، تنهد إيثان منزعجا بعدما نال منه الصداع .

"هل يمكنك أن تخفض صوتك رجاءاً ؟ كل كلمة تقولها تتسبب بطنين داخل رأسي ."

"مالذي تقوله يارجل ؟ لقد تجاوزت السادسة بالفعل .. كل الصيادين الآخرين بالخارج ما عدانا !" دخل رايدن بسرعة ، ساحبا إيثان معه ملحاً عليه ان يسرع و يجهز نفسه .

"الا أستطيع النوم لبضع ساعات اضافية ؟ ليس و كأننا سنخرج بحملة في اي وقت قريب .." قال إيثان و النعاس لا يزال يسيطر عليه .

بالمقابل ، جره رايدن بالقوة .

"مستحيل ! انت آخر صياد يمكنه النوم لساعات إضافة هنا !"

ممسكا به ، قذف رايدن نظيره إيثان داخل الحمام مغلقا عليه الباب ..

"لديك مبارزة مصيرية بعد شهر واحد ، فكيف تستطيع التراخي هكذا ؟!" صرخ رايدن بصوت عالي ، بينما رد عليه إيثان من الجانب الآخر .

"النوم ضروري ، فإذا لم انم جيدا لن أستطيع التفكير بشكل صحيح ." هو قال ، بينما تغوط باعين نصف مفتوحة .

"إذا كنت تريد النوم لهذه الدرجة ، فكان عليك التخلي عن لقب الصياد فحسب ، و الاكتفاء بوظيفة عادية داخل آشفارن!"

بدا رايدن منزعجا من لا مبالاة إيثان.

"انت محظوظ أنني انا من أيقظك ، لو جاءت مون و رأت حالتك المزرية هذه لركلتك من النافذة !"

كان رايدن يتحدث بشكل عفوي ، لكنه قال دون قصد اسم شخص جعل إيثان يستيقظ بشكل صحيح أخيرا .

"اللعنة .. لقد نسيت امرها بالكامل .." هو قال ، بينما رد رايدن .

"مالذي تتحدث عنه ؟"

"لا شيء .. اخرج و انتظرني بالخارج ، سأكون جاهزا بعد 5 دقائق ."

قال إيثان ، بينما نظف نفسه و غسل وجهه سريعا محدقا بنفسه في المرآة .

"كيف أتعامل معها من بعد ما حدث البارحة ؟"

تنهد إيثان ، متذكرا لقاءه العجيب بمون ، و كيف قام برفضها .

"من وجهة نظرها .. الشخص الذي تحبه انهى علاقته معها دون مقدمات ، لكنها ستضطر لرؤيته كل يوم مباشرةً بعد ذلك ."

خرج إيثان من الحمام ، و هو يفكر بالامر .

لكنه سرعانما صفع نفسه ، مجبرا عقله على نسيان الأمر .

"لا وقت لدي للتفكير بمشاعر الآخرين ، فلدي الكثير مما يجب علي فعله ."

مجددا عزيمته و متخذا قراره .

هو فتح خزانته ، باحثا عن ملابس يرتديها .

المالك السابق للجسد امتلك تشكيلة متنوعة من الملابس ، و كانت جميعها من العصر الفيكتوري .. انيقة و عملية لكل المناسبات .

يستطيع القتال بها ، ثم يحضر مناسبة او حفلة ما بنفس الملابس دون مشاكل .

"كم اعشق هذا النوع من الملابس ." قال إيثان بإبتسامة ، منتقيا تشكيلة من القطع التي رآها مناسبة .

إنتهى به الامر مرتديا معطفاً جلديا قرمزي اللون ، طويل يبلغ ركبتيه يتمايل من حوله مثل الظل .

تحت المطعف سترة ضيقة سوداء اللون بازرار لامعة برزت كثيرا ، و حزام جلدي يعبر الصدر .

تتداخل الطبقات فيما بينها ما اعطاه مظهرا ارستقراطيا قاتما مزج بين الفخامة و الوحشية.

ارتدى قفازات طويلة سوداء كالعادة مخفيا ذراعه الآلية بواسطتها ، بالإضافة لزوج من الاحدية الجلدية الطويلة .

كان له ياقة ترتفع بما يكفي لتغطية نصف وجهه كاملا حتى انفه ، ما اعطاه مظهرا غامضا نال على اعجابه .

بعدما شعر بالرضى عن نفسه ، غادر إيثان الغرفة ليجد رايدن ينتظر بالخارج بعدما ضاق صبره .

"اهذه هي الخمس دقائق ايها اللعين ؟ ظننت انني انتظر اميرة لا رجلا !"

تذمر رايدن بعدما استغرق إيثان ما يقارب النصف ساعة يعبث بالداخل بعدما وعده ب 5 دقائق .

"لا داعي لتتذمر حيال ذلك ، أنا بالكاد اعرف شيئا حول نفسي فمن الطبيعي ان استغرق كل هذا الوقت ."

بسماع هذا ، زاد عبوس رايدن .. مشيرا لفم إيثان .

"اراك تحرك فمك ، لكن لا شيء يخرج منه سوى الاعذار . تمالك نفسك و كن جاداً من فضلك . فحياتك على المحك كما تعلم. "

"انا اعلم ، فالنغادر فحسب ." قال إيثان متنهدا ، بينما خرج كلاهما من سكن الصيادين دون تناول أي شيء من بعد تأخرهما . و هذا ما زاد من انزعاج رايدن .

بمجرد خروجهما ، حدق إيثان بالسماء الكئيبة .. قبل أن يستدير ناحية رايدن .

"مالذي يفعله الصيادون صباحا بالعادة ؟"

ردا ، اشار رايدن لجهة معينة من جنة الصيادين .

"بالصباح ، اما يتدرب الصيادون على صقل مهاراتهم هنا ، او يخرجون للصيد و زيادة مستواهم ."

بسماع هذا ، لفت الشق الأخير اهتمام إيثان.

"ظننت ان الصيد مسموح فقط بالحملات التي تقام كل شهر .."

أومأ رايدن.

"اجل ، هذا صحيح .. لكنه لا يعني ان الصيد ممنوع ." هو شرح بصبر .

"الحملات تستهدف الزعماء و اماكن عميقة من المنطقة الاولى ، ما عدا ذلك نحن نخرج للصيد قرب آشفارن .. هنا لا تظهر سوى الوحوش الضعيفة و التي نستخدمها لرفع المستوى ."

تاليا هو اشار ناحية إيثان .

"و هذا ما ستفعله بالايام القادمة لرفع مستواك باقصى سرعة ممكنة ."

"فهمت .. هذا يبدو منطقيا "قال إيثان مفكرا للحظة ، قبل ان يشير لامر مهم .

"لكنني لا أستطيع الصيد الآن ، فلدي موعد مع ساحرة الغابة. "

"انا على دراية بهذا بالفعل ، لماذا برأيك لا يوجد سوانا هنا ؟" رد رايدن ، متنهدا .

"مون و الآخرون قد ذهبوا للصيد أو التدريب ، و بقيت انا فقط لارشدك ."

بعد السير لبعض الوقت ، بلغ الاثنان المنطقة التي تواجدت خلف جنة الصيادين .

كانت عبارةً عن غابة قاتمة مظلمة بعثت شعورا مشؤوما بقلب إيثان.

جنة الصيادين تقع باطراف آشفارن ، و هذه الغابة موجودة خلفها ما يعني انها خرج المدينة . ما جعل إيثان يتوتر لا اراديا عندما علم انها هي وجهته .

"ساحرة الغابة ڤانسيا تقيم باعماق هذه الغابة .. " قال رايدن معطيا اياه فكرة عما ينتظره .

"انها ليست بالغابة العادية ، فغابة الساحرة تعج بالسحرة و هي تحت حمايتهم بالكامل ."

تاليا ، ارشده رايدن ناحية مدخل الغابة .

"إتبع هذا الطريق ، و مهما سمعت او رأيت بالداخل .. واصل المشي و لا تتوقف ابدا ." هو حذره ، ما جعل إيثان يدرك شيئا مهما.

"الن تأتي معي ؟"

ردا على هذا السؤال ، هز رايدن رأسه نافيا .

"أود لو افعل ، لكن الفرسان لا يملكون الحق لدخول غابة السحرة .. انت استثناء لان الساحرة ڤانيسا اعطتك دعوة ، على عكسي .."

"هي لم تعطني أي شيء .." رد إيثان مستنكرا الامر ، ما جعل رايدن يخرجه من جهله .

"بل فعلت ، فقد القت عليك سحرها بالفعل داخل قاعة الحكم . بفضل تعويذتها انت محمي من دفاعات الغابة ."

صافعا ظهر إيثان ، اشار له ليذهب بالفعل .

"أنت وحدك هذه المرة ، لكنك ستكون بخير .. تعالى الي بمجرد انتهائك فسأكون بانتظارك أمام بوابة آشفارن ."

كل شيء حدث بسرعة ، و إيثان وجد نفسه مجبرا على دخول غابة السحرة بمفرده بعدما ذهب رايدن و تركه .

محدقا بظهر ذلك الدبابة العريض ، استجمع إيثان انفاسه قبل ان يدخل الغابة .

"لدي الكثير مما يجب علي تعلمه إذا ما اردت النجاة هنا بين الصيادين .."

بهذه الكلمات ، هو توغل بالداخل ..

متبعا نصيحة رايدن ، تحرك إيثان بسرعة ثابتة و لم يتوقف قط .

بمجرد دخوله ، هو ادار رأسه ناحية المدخل .. فإذا به يتفاجأ بأنه قد اختفى بالفعل.

مبتلعا ريقه ، تشكلت نصف ابتسامة على وجهه .

"كما هو متوقع من أرض السحرة ، لا شيء منطقي حيالهم ."

مواصلا السير ، اغلق إيثان اعينه لثانية قبل ان يفتحهما مرة أخرى .

لكن هذه المرة ، اعينه القرمزية توهجت بضوء قاتم عجيب .

"بصيرة الغراب الحكيم ."

مفعلا قدرته البصرية ، ترك إيثان بصيرة الغراب تقوده و تريه ما تعجز اعين البشر العاديين عن رؤيته .

بفضل البصيرة ، ادرك إيثان ان هذه ليست بالغابة العادية مطلقا .

بل اشبه بمتاهة صممت لتربك عقول من يدخلها .

"إذا ما واصلت السير بشكل عشوائي ، فلن اجد طريقي ابدا .."

ضحك إيثان بخفة ، عندما ادرك انه لو اتبع نصيحة رايدن لظل هنا للابد .

"تلك الساحرة بدت من النوع اللعوب ، لربما هذا اختبار منها .."

متتبعا مسارات الهالات العشوائية التي غمرت الاجواء داخل الغابة المظلمة .

بدأ ايثان يفك لغز المكان بفضل بصيرته المتفوقة .

كان عليه تجاوز هذا القدر على الاقل إذا ما اراد منها كبح لعنته .

بصيرة الغراب الحكيم كانت فريدة حقا ، لا تريه نقاط ضعف خصومه فحسب ، بل و كل ما لا تستطيع اعين المخلوقات الفانية رؤيته .

كان الامر مفيدا جدا بالبداية ، لكن و كلما تعمقت رؤية إيثان .. زاد عبوسه بعدما لمح اشياء فاقت فهمه .

هي بدت له في البداية اشبه باجرام سماوية مضيئة تطفوا بالهواء .

لكنها لم تكن كذلك اطلاقا .. فكلما اقترب منها ، هي كانت تغير هيأتها بالكامل ..

أحيانا تتخذ شكلا مشابها لفراشات مضيئة تحلق باجنحتها الفريدة.

و تارة أخرى تتخذ شكل حيوانات غريبة تركض بكل الاتجاهات هربا منه .

"هذه الاشياء .. انها حية ."

قال إيثان ، مبتلعا لعابه بينما واصل المسير .

للخروج من المتاهة ، كان عليه اتباع الثغرات التي كشفتها له بصيرة الغراب الحكيم .

لكنها قادته دوما لهذه المخلوقات العجيبة ما زاد توتره .

لحسن الحظ ، تلك الاشياء قد كانت مسالمةً تماما و لم تمسه بسوء .

"لربما هذه هي المخلوقات الروحية التي كنت اسمع عنها اثناء اللعب احيانا ."

يقال ان البشر ليسوا السكان الاصليين للارض ، و هناك من جاءوا قبلهم بكثير .

مخلوقات تعيش بالطبيعة تنأى بنفسها عن كل ما يحدث بالعالم .

"بصيرة الغراب الحكيم مذهلة حقا .. لكن علي الحذر عند استخدامها و الا اصبحت اعمى سريعا .."

هو فكر بصوت عالي ، مواصلا سيره .

مشهد الاشجار الطويلة ذات الاوراق المتساقطة ، و المخلوقات الروحية المسالمة قد تكرر كثيرا على طول الطريق .

رحلته استمرت لبعض الوقت ، لكن لحسن الحظ .

إيثان رأى علامات دلت على انه كاد يبلغ وجهته .

فالثغرات التي التقطتها البصيرة باتت اقوى ، و المخرج كان قريبا .

"السحرة يملكون قدرات متنوعة و فريدة حقا ، لهذا السبب أردت أن أبدأ بكلاس الساحر .. فلا شيء افضل من القاء السحر و تدمير خصمك من بعيد ."

تنهد إيثان ، منزعجا كلما تذكر انه اختار السيف كبداية بدلا من السحر .

"ياليتهم اعطوني المزيد من الوقت .. لكنت جمعت ما يكفي لاصبح ساحرا .. لكن شهر واحد لا يكفي أبدا .."

بفضل آستيريون ، و اقامته لنزال مفاجئ .

بات إيثان مجبرا على تغيير كل خططه بناءا على ذلك .

"أتساءل .. هل سيقبل الإمبراطور غير المتوج طلبي يا ترى .."

هو تساءل ، بينما واصل السير رافعا رأسه ناحية السماء بعدما اصابه الملل من منظر الاشجار و النباتات المتكرر .

استمر على هذا الحال بضع دقائق إضافية ، الا ان قُطع حبل افكاره تماما عندما شعر و كأنه اصطدم بشيء ما ، بينما سمع صوت سقوط .

منزلا رأسه للاسفل ، تفاجأ إيثان عندما رأى بشريا آخر ما عداه منذ دخوله الغابة .

لقد كانت انثى .

فتاة بدت قريبةً من عمره ، اصغر قليلا .

ما ميزها أكثر من أي شيء آخر ، هو تلك القبعة الفريدة التي تميز السحرة .

قبعة مدببة اخفت وجهها ..

إيثان ادرك انه اصطدم بها للتو موقعا اياها ارضا ، ما جعله يمد يده اليها معتذرا .

"آسف .. لقد شردت للحظة و لم اراك .." هو قال ، قبل ان يتوقف بعدما لمح شيئا آخر اثار انتباهه .

الفتاة امامه أرته وجهها ، محدقةً به بتلك الاعين القرمزية .

نفس الاعين المميزة للهارت ، لكن و على عكس الاعين .. هي لم تملك الميزة الاخرى .

"شعر أسود .." قال إيثان دون وعي منه .. مرتكباً خطأً جسيما .

"يا ارواح الأرض العظيمة ، إسمعي صوتي و اجيبي ندائي .. من فضلك خلصيني من هذا الدخيل المنحرف الذي اقتحم ارضي ."

من العدم ، بدأت الفتاة تنشد .. ما اثار حيرة ايثان .

لكن حيرته هذه لم تدم طويلا ، فسرعانما وجد جسده يطفوا فوق الأرض بعدما رفعه شيء ما عاليا ..

"هذا .. سحر الجاذبية ؟" هو قال مندهشا ..

لتتحول دهشته الى رعب عندما قذفته القوة نفسها بعيدا بعنف ، جاعلةً اياه يرتطم باحد الاشجار القريبة مصطدما بها بقوة شديدة ..

الاصطدام جعل إيثان يشعر بأن شيئا ما تحطم بظهره ، بينما سعل بشدة متألما .

ساقطا ارضا ، هو لم يقوى على الحراك .

اما الفتاة التي فعلت به هذا ، فقد جاءت تمشي نحوه بعدما نهضت و استعادت اتزانها .

"أنت صلب حقا ، كنت اعتزم أن أسحقك تماما كالحشرة .. لكنك خرجت باقل الاضرار ."

هي وقفت امامه ، تحدق به من الاعلى باعين مرعبة جعلت القشعريرة تنتابه .

"انت .. من تكونين ؟" سأل إيثان ، متكئا على جذع الشجرة المحطمة بصعوبة . غير قادر على الوقوف لان نفس الجاذبية القوية ابقته ارضا.

اراد معرفة هوية هذه الفتاة الغريبة ، خصوصا و أنها بدت مألوفة له بطريقة ما .

هي كانت ساحرة ، و هذا واضح تماما .

ساحرة من الهارت ، بشعر أسود اللون .

إيثان لم يعلم السبب ، لكنها كانت تبدو مخيفة أكثر كلما حدق بشعرها .. لذا هو امتنع عن ذلك محدقا بمكان آخر.

"سمعت أنك فقدت ذاكرتك ، و يبدو أن الإشاعة صحيحة من ردة فعلك معي ، يا إيثان هارت ." هي قالت ، بنبرة باردة حملت بعض العداء.

"هل اعرفك ؟" سأل إيثان مترددا ، بعدما ظهرت امامه فتاة تكرهه ، او بالاحرى تكره صاحب الجسد السابق .

هي انحنت امامه ، جاعلةً نفسها على نفس مستوى نظره . قبل ان تجيبه .

"إسمي هو لونا هارت ، و أجل انت تعرفني جيدا."

قالت لونا بنفس النبرة ، مضيفةً معلومة إضافية فاجأت إيثان .

"انا هي الاخت الصغرى لقائدتك ، مون هارت ."

"هاه ؟" كانت هذه هي ردة فعله الاولى مما سمعه .

و لم يكن له سوى ان ينظر دون وعي لشعرها مرة أخرى كرد فعل .

برؤية ذلك ، تشكلت ابتسامة متكلفة على وجه لونا .

"افكارك واضحة تماما من تصرفاتك ، أنت تعتقد انني اكذب اليس كذلك ؟ بسبب لون شعري ."

"لا .. انا .." حاول ايثان قول شيء ما ، لكن لونا قاطعته فورا .

"لا يهم ما تعتقده ، فانا لا آبه بذلك .. و لكن ."

اظلمت تعابير وجه لونا فجأة.

"اخبرني يا إيثان هارت ، لماذا بحق الجحيم أشتم رائحة اختي مون منك ؟"

هي سألت من العدم ، ما جعل إيثان يحتار أكثر و أكثر ..

"رائحة ؟ مالذي تتحدثين عنه ؟"

اشتم إيثان نفسه ، فإذا بالتوتر يتملكه .

بعد اخذ نفس عميق ، هو اكتشف وجود رائحة خفيفة لعطر انثوي بملابسه . يعود لمون على الارجح التي كانت بغرفته .

لكنها لم تكن بالرائحة التي يمكن التقاطها من بعيد ، ما جعل الفتاة الماثلة امامه غريبة اطوار بالكامل في نظره .

'هل هي كلب أم ماذا ؟'

هو فكر بينه و بين نفسه ، لكنه شك تاليا انه قالها بصوت عالي ، لان الفتاة امامه كانت تزداد رعبا مع كل ثانية تمر ..

"لقد فكرت بشيء مهين للتو أولم تفعل ؟"

"لا علم لي بما تقولين ."

ادار إيثان رأسه ، لكن لونا امسكت به مجبرةً اياه على النظر باعينها المخيفة تلك التي بدت شبيهة بمهووس .

"كما ظننت تماما ، هناك شيء ما يجري بينك و بين اختي ، اعترف ! مالذي تحاول فعله لها ؟"

هي سألت بنبرة مهددة ، ما جعله يجيب فورا محاولا ان ينأى بنفسه بعيدا عنها .

"لا شيء ! لا يوجد شيء بيننا ، نحن مجرد زملاء بفرقة واحدة ! اقسم لك !"

بكل قوته ، حاول ايثان الهرب .

لكن دون جدوى ، فسحر الجاذبية العجيب قد كان قويا جدا .

"شيء ما بداخلي يخبرني انك تكذب ، لكن لا بأس ، سأصدقك ."

لحسن الحظ ، الساحرة الغريبة لم تكن عنيدةً كثيرا .

لانها سرعانما تراجعت مبددة سحرها عن إيثان .

"ابقى بعيدا عن اختي ." هي قالت ، محذرةً اياه .

اما هو ، فقد تنفس الصعداء بينما نهض بصعوبة مبعدا نفسه عنها عدة امتار .

"سأفعلها لذلك فالتبتعدي عني بدورك راجاءا ."

"لماذا انت خائف الى هذا الحد ؟ ليس و كأنني كنت أحاول قتلك "

"بل فعلت ! لقد قلتي بنفسك انك اردت سحقي بالكامل !" تذمر إيثان قائلا .

اما لونا ، فقد التزمت الصمت تفكر لوهلة ، قبل ان تتنهد .

"أعترف انني بالغت قليلا ، اعتذر ما إذا تسببت بأي اذى لك ." اعتذرت الساحرة الغريبة من العدم ، ما جعله غير قادر على معرفة كيف يجب ان يتعامل معها بالضبط .

لكن و من تصرفها هذا ، هو ادرك انها على الأقل ليست بفتاة مختلة بالكامل .. لذلك حاول الاستفادة من الوضع .

"لا بأس ، لا داعي للاعتذار .. بالمقابل هلا ارشدتني لمكان ساحرة الغابة من فضلك ؟"

هو سأل ، جاعلا اياها تتفاجأ قليلا .

"الديك عمل ما مع معلمتي ؟" سألت لونا ، قبل ان تدرك شيئا مهما .

"بالتفكير بالامر ، لا يفترض بفارس ان يكون قادرا على بلوغ هذا المكان .. "

ادراكها هذا جاء متأخرا ، فإيثان تخطى متاهة السحرة .

قبل ان يقول أي منهما كلمة إضافة ، قاطعهما صوت ثالث .

"أنا من دعوته ، عزيزتي لونا .. لذا فالترشديه لكوخ الساحرة رجاءا. "

جاء الصوت من كل مكان ، و قد سمعه كل من إيثان و لونا بوضوح .

لقد كان صوتا تعرف عليه كلاهما .

صوت الساحرة ڤانيسا . التي راقبتهما على ما يبدو من مكان ما ..

"حالاً يا معلمتي !" اجابت لونا ، مشيرة لإيثان ان يتبعها .

"لا اعلم مالذي يفعله فارس مثلك هنا ، لكن بما ان معلمتي تريد رؤيتك فلا يحق لي الاعتراض .. اتبعني رجاءا ."

قادت لونا الطريق ، بينما أومأ إيثان متبعا اياها .

محدقا بتلك الفتاة من الخلف .. هو كان يشك بصحة ما قالته حيال كونها اخت مون .

لكنهما تملكان نفس الاعين بكل تأكيد ، ما جعله غير قادر ان يحسم امرها بالكامل .

هي لم تكن بالفتاة العادية بكل تأكيد . بل مهووسة مستعدة للقتل من أجل أختها المزعومة ..

"دعنا لا نتورط معها مستقبلا .."

وضع ايثان ملاحظة جانبية ، ان يظل بعيدا عن هذه الفتاة ..

2026/02/22 · 79 مشاهدة · 3593 كلمة
نادي الروايات - 2026