جاءت الرياح الباردة ، تعبث باوراق الشجر الذابلة .

الاشجار اهتزت ، تصدر اصواتا خفيفة دغدغت آذان ايثان .

هذا الأخير كان يمشي بصمت ، يتبع لونا هارت التي قادته نحو كوخ الساحرة حيث تنتظره العجوزة ڤانيسا .

من بعد ما حدث بينهما سابقا ، إيثان حافظ على مسافته من لونا .. يخشى ان تفعل له شيئا لا يحمد عقباه .

لكن المسافة التي تركها قد كانت كبيرة جدا ، لدرجة ان لونا استدارت ناحيته بعد بضع دقائق و الانزعاج بادٍ عليها .

"توقف عن التراخي بالخلف و اقترب مني ، و الا ستضيع عني . فهذه الغابة مسحورة كما تعلم ."

السحرة وضعوا دفاعات قوية حول مكانهم ، ما يضمن ابعاد أي دخلاء .

الامر كان مبالغا به لدرجة ان إيثان شك بأنهم يخفون شيئا ما بالداخل .

لكنه لم يتعب نفسه بمحاولة التفكير بالامر ، فسرعانما لحق بلونا .. لكنه ظل خلفها رافضا المشي بجانبها .

"الا بأس بهذه المسافة ؟"

برؤية حذره منها ، تنهدت لونا .

"صدقني ، أنا الأخرى لا اود البقاء بالقرب منك .. لكننا لا نملك الخيار ."

بحركة من يدها ، شعر ايثان بقوة عجيبة تدفعه من الخلف ، جاعلةً اياه بجانب لونا تماما .

لقد كان سحر الجاذبية مرة أخرى .

"تحمل الامر الى ان نصل وجهتنا ."

بعدما وصل الامر لهذا الحد ، قرر ايثان التخلي عن حذره و لو مؤقتا ، فلم يكن يبدو انها ستهاجمه .

بينما سار الاثنان للامام جنبا الى جنب .

كان إيثان ينظر اليها من حين لآخر ..

'كانت تبدو كالشيطان سابقا بتلك الاعين المخيفة خاصتها .. لكن الآن ، هي تبدو مجرد فتاة عادية .'

'لربما أسأت فهمها ..'

عند امعان النظر بملامحها ، هي بدت جميلةً حقا .

ملامحها هادئة و واضحة ، بشرتها فاتحة و اشد بياضا من بقية الفتيات اللواتي صادفهن بين الهارت .. وجهها نحيف قليلا ، و اعينها كبيرة حقا ما جعلها تبدو مخيفة سابقا عندما حدقت به بتلك الطريقة .

و كأنها تريد انتزاع احشائه من مكانها .

لكن إذا ما كان هنالك من شيء مميز حيالها ، فهو شعرها الاسد الطويل .

بعدما لم يصادف سوى اصحاب الشعر الاحمر الناري منذ جاء الى هذا العالم .. رؤية هذا اللون المألوف مرة أخرى قد كانت منعشة لايثان .

على ما يبدو ، هو اطال التحديق لان لونا ادارت رأسها ناحيته ترمقه بنظرة الشك .

"إيثان هارت .. هل جعلتني هدفك الآن بدلا من اختي ؟"

برؤية كيف كانت لونا على وشك ان تتحول مرة أخرى ، سرعانما انكر ايثان مبعدا اعينه عنها :

"لا ، كل ما في الامر ان هذه هي المرة الاولى التي ارى بها احد الهارت بشعر غير الاحمر .. لا داعي لمحاولة قتلي ."

لونا تنهدت ردا ، بعدما ذكر إيثان شعرها الاسود مرة أخرى .

"إنه ليس نادرا ، فهنالك العديد مثلي داخل العشيرة ... ولا تقلق ، فحتى لو حاولت قتلك فلا اظنك ستموت بسهولة ."

اشارت لونا لما حدث سابقاً .

"انت فقدت مستواك ، لكنك استطعت تحمل هجومي .. لديك جسد صلب حقا ، أصلب من البشر العاديين ."

ملاحظتها كانت دقيقة ، و ايثان كان يعلم سبب تحمله لهجوم الجاذبية السابق .

فذلك يعود على الارجح للجسد الشيطاني .

'بفضل هذه القدرة ، لدي جسد أقوى بكثير من البشر ..'

مد إيثان يده امام وجهه ، بينما شكل قبضة .

هو تساءل حول الإمكانيات الكاملة لهذا الجسد و ما يستطيع فعله ، و حول الثمن الغريب الذي اضطر لدفعه .

'فقدان البشرية .. انا لا افهم ، مالذي سأخسره بالضبط الى ما فقدت بشريتي ؟'

كان الامر يشغل باله منذ بعض الوقت ، لكنه ايقن بأنه لن يعرف الإجابة مالم يستخدمه بكثرة و يرى الامر بعينيه مع الوقت .

بينما كان إيثان يتفحص جسده ، كانت لونا تحدق به لبعض الوقت .. و سرعانما اعادت انتباهها لما امامها .

"توقف عن الانبهار بجسدك ، قد تكون صلبا قليلا لكنني بالمقابل لا احمل عصاي السحرية ما جعل قوة تعويذيتي تنخفض كثيرا ."

"لست بحاجة لاخباري بذلك ." رد ايثان ، مظهرا معرفته التامة بطريقة عمل السحر .

"العصي السحرية تحمل احجارا تزيد من اخراج المانا بشكل كبير لدى الساحر ، ما يضاعف قوة التعويذة عدة مرات مقارنةً بالتعاويذ المباشرة من دونها ."

العصا السحرية اشبه بأداة تضخيم ، دورها هو توجيه المانا و زيادتها بما يسمح للساحر بزيادة قوته و دقته كثيرا .

"هذا مفاجئ .. رغم فقدانك لذاكرتك ، الا انني ارى انك لا تزال تحافظ على معرفتك بهذه الامور .."

"نوعا ما ." اجاب ايثان بلا مبالاة ، بينما اضافت لونا .

"لكن لا فائدة من معرفتك هذه ، فأنت فارس لا ساحر ."

"حتى و لو لم اكن ساحرا ، فسأستفيد من هذه المعرفة اذا ما واجهت واحدا ."

"انت على حق .."

اخفضت لونا رأسها بخجل ، بعدما اغفلت شيئا بديهيا كهذا .

برؤية ردة فعلها ، ضحك ايثان بخفة . ما جعلها تحدق به بعبوس .

"مالذي يضحكك ؟"

"لاشيء ، لاشيء .. انا فقط متفاجئ قليلا ." هو قال قبل ان يضيف :

"إذا ما لم يتعلق الامر بأختك ، انت تصبحين مجرد فتاة عادية ."

ساذجة قليلا فوق ذلك .

"مالذي يفترض بهذا ان يعنيه بالضبط ؟" هي سألت بعبوس .

"اعتبريه اطراءا ، فأنا لم اقصد سوءا ."

بسماع هذا .. عم الصمت لبعض الوقت ، قبل أن تفتح لونا فمها قائلة شيئا فاجأ إيثان .

"انت .. تبدو مختلفاً ، و كأنك شخص آخر ."

هذا جاء من العدم ، و باغث إيثان على حين غرة .

"مختلف ؟ كيف بالضبط ؟" هو سأل مستغربا من ملاحظة لونا الاخيرة .

فرغم انه امضى بعض الوقت مع اعضاء فرقته القريبين منه ، الا انهم لم يروا إختلافا بينه و بين صاحب الجسد السابق .

على عكس لونا التي باغثته بضربها كبد الحقيقة .

أراد ان يعرف كيف لاحظت بالضبط ، لكنها سرعانما هزت رأسها .

"لا .. انسى ما قلته لك للتو ، فلابد أن هذا تأثير فقدانك للذاكرة ." قالت لونا ، قبل ان تشير للامام .

"الاهم من ذلك .. لقد وصلنا بالفعل ."

متبعا قيادتها ، حدق إيثان بما تواجد امامه .

الغابة بدت نفسها تماما .

اشجار و حشائش لا تنتهي ابدا ، لكن الفرق هو ان ستارا شفافا قد ظهر امامهم الآن .

اشبه بحجاب غير مرئي ، لكن تموجاته قد كانت واضحة تماما .

من الجانب الآخر للستار ، بدا و كأن الغابة هي نفسها .. لكن ايثان ايقن ان هذا لم يكن صحيحا .

"حاجز سحري .. "

أومأت لونا ، مشيرة له ان يتبعها .

"لنعبر الى الجانب الآخر ."

تقدم الاثنان جنبا الى جنب ، قبل ان تمد لونا يدها له .

"فالتمسك بيدي ، و الا سيرفضك الحاجز ."

كرد ، حدق بها ايثان لثانية .. ثم اعطاها يده.

يد الفيلق الآلية .

ممسكة بكومة الحديد الصلبة تلك ، تفاجأت لونا لوهلة ، لكنها لم تسأل و تركت فضولها لنفسها نظرا للعلاقة الضحلة بينها و بين ايثان .

بصمت ، هي عبرت الحاجز ساحبةً إياه معها .. و سرعانما دخل الاثنان الى منطقة سحرة الهارت الحقيقية .

بمجرد قيامهما بذلك ، فإذا باعين إيثان تتوسع من المفاجأة .. ازاء ما رآه .

كان بالغابة القاتمة الموحشة قبل ثانية واحدة .

لكن الآن ، قدمه وطأت عالماً آخر .

أمامه ، ظهر سهل واسع اخضر اللون مفعم بالحياة ، تغمره عشرات الاكواخ الخشبية التي بنيت فوق الاشجار . اشجار خضراء مورقة تختلف كلياً عن ما رآه إيثان خارج الحاجز .

اعينه لمحت أيضا عددا كبيرا من السحرة يتجولون في مجموعات ، بعضهم يتأمل .

البعض الآخر يمارس سحره . و البعض لا يفعلون شيئا ، فقط يمضون وقتهم بسعادة .

لكن ما اثار انتباهه أكثر من أي شيء آخر ، كان امرا مختلفا تماما .

شيء تواجد بالاعلى ، لدرجة ان إيثان بقي يحدق بها رافعا رأسه الى ان آلمته رقبته .

"السماء .." هو قال مندهشاً ..

"انها .. زرقاء ؟"

كان هذا هو السبب الاساسي لدهشته .

عالم أورديل غارق بظلام ابدي ، و السماء فقدت زرقتها بالكامل .

لكن هنا داخل حاجز السحرة ، هي بدت تماما كما يتذكرها من حياته السابقة .

برؤية ردة فعله هذه ، ابتسمت لونا بهدوء .

"إنها ليست حقيقية .." هي قالت ، محدقةً بها.

"بل مجرد سماء مزيفة نخدع بها انفسنا كل يوم ."

مشت لونا للامام ، بينما تبعها إيثان .

مستخدماً بصيرة الغراب الحكيم ، هو فهم ما عنته .

فأعينه كشفت له الحقيقة بالكامل .

هم حاليا كانوا متواجدين داخل حاجز بيضاوي الشكل ، و تلك السماء هي سقف الحاجز لا غير .

بالخارج ، العالم لا يزال يعاني من اهوال الكسوف .

"الحاجز السحري اتخذ هذا اللون من شدة تركيز المانا .."

بسماع هذا ، التفتت لونا ناحية إيثان .

"مذهل ، لقد اكتشفت الامر لوحدك ."

هي أطرت عليه بصدق ، بينما اضافت :

"المانا النقية تتجلى بلون قريب من الازرق السماوي ، ما جعلها مثالية لصنع هذا المكان ."

"إنه جنتنا الخاصة بنا ، الجنة التي نحن مستعدون للدفاع عنها بكل ما لدينا من قوة ."

من كلامها لوحده ، بدا أن السحرة متعلقون حقا بهذا المكان ، و حمايته بكل تلك الفخاخ و المتاهات السحرية خير دليل .

"لو علم الآخرون بالخارج عن وجود هذا المكان ، فسيتكالبون عليه بكل تأكيد ." قال إيثان ، مشيرا للحقيقة .

فكم من بشري بالخارج يحلم برؤية هذه السماء الزرقاء مرة أخرى و لو كانت مزيفة .

"أنت محق .. لذا فالتكن شاكرا ، فدعوة معلمتي لك لهذا المكان دليل على انها تقدرك كثيرا ."

إيثان أومأ بتردد ، متسائلا حول مدى صحة هذا الادعاء .

تاليا ، توغل الاثنان بصمت بين السحرة الآخرين الذي رمقوهم بمختلف النظرات .

كثير منها عدائية ، و هدفها هو إيثان نفسه .

'هم على الارجح لم يقفوا بطريقي حتى الان .. بسببها .'

فكر إيثان ، مدركا ان لونا ليست بالساحرة البسيطة .

هذه الاخيرة واصلت المضي قدما غير آبهة بأي منهم ، الى ان بلغوا أعمق نقطة من الحاجز .

"لقد وصلنا ." هي قالت ، مشيرة لاحد الاكواخ الاكبر من كل ما جاورها .

"معلمتي تنتظرنا بالداخل ."

مستجمعا انفاسه ، دخل إيثان رفقة لونا .. ليجدوا ضالتهم بالداخل تنتظرهم .

كانت هناك تجلس بهدوء فوق كرسي خشبي ، يتأرجح ذهابا و ايابا .

ارتدت جلبابا سحريا هذه المرة ، يختلف عن فستانها من المرة السابقة .

بين يديها ، تواجد كتاب سحري على الارجح .. و امامها مدفأة بسيطة اشتعلت بنار هادئة .

على عكس المدينة بالخارج ، المكان هنا كان ابسط بكثير لدرجة ان السحرة اعتمدوا على النار كمصدر ضوء .

"لقد احضرته كما طلبت ، معلمتي ." قالت لونا باحترام ، بينما ادارت ڤانيسا اعينها ناحيتهم .

"أحسنت صنعا عزيزتي ، مرحبا بعودتك ." تحدثت ڤانيسا مع لونا و كأنها جدة ترحب بعودة حفيدتها العزيزة .

ثم سرعانما وجهت ڤانيسا انتباهها لايثان .

"مرحبا بك يا إيثان هارت ، و أعتذر عما بدر مني ، و من تلميذتي ." قالت ڤانيسا بابتسامة ، بينما ارتبك إيثان .

"لا شيء تعتذرين حياله ، سيدتي .. فأنا بأفضل حال ."

"أعلم ، لقد تخطيت المتاهة و لونا دون اذى رغم انك بالمستوى الاول .. جدير بالثناء حقا ." ضحكت الساحرة العجوز بخبث ، بينما جاء الادراك المتأخر لإيثان أخيرا .

' هذه العجوزة الشمطاء .. هل دبرت كل شيء مسبقاً ؟'

المتاهة السحرية ، و لقاؤه مع لونا الذي بدا كمصادفة .. لكنه لم يكن .

ڤانيسا كانت تعبث معه .

"لهذا السبب إذا أرسلتني للتأكد من الحاجز ." قالت لونا بعدما ادركت هي الأخرى ما حدث .

"سيدتي .." تذمرت لونا ، اما ڤانيسا فابتسامتها لم تتزعزع مطلقا .

"لا تغضبي يا عزيزتي ، فكل هذا جزء من تدريبك " قالت الساحرة العجوزة معطية نظرةً أكثر حدة تجاه إيثان .

"لقد اتيت لكبح لعنتك أليس كذلك ؟"

أومأ إيثان ردا .

"اجل ، سأكون ممتنا لو فعلت ."

ڤانيسا نهضت من مقعدها ، مشيرة لايثان و لونا ان يتبعاها .

"تعاليا معي إذا ."

إتبع الاثنان ڤانيسا ، كلاهما متوتران قليلا .

إيثان لانه شعر بالتوتر من المكان ، و لونا التي لم تفهم سبب احضارها هي أيضا .

الثلاثة وصلوا سريعا لمكان غريب بدا و كأنه بني داخل الشجرة نفسها لا الكوخ .

كانت مساحة فارغة ، بمكان مخصص للجلوس بالاسفل تحيط به البلورات زرقاء اللون من كل مكان .

"هذه .. بلورات تحمل بداخلها الكثير من المانا .." قال إيثان ، بينما أومأت ڤانيسا .

"معرفتك بها تختصر علي الشرح . نحن السحرة نستخدم هذا المكان لزيادة تقاربنا مع المانا .. كما يمكن استخدامه عند القاء تعاويذ عالية المستوى تتطلب مخزونا كبيرا منها ."

عن طريق استعارة المانا المتراكمة بهذا المكان ، يستطيع السحرة اطلاق قوة تفوق مستواهم شرط ان يظلوا بالداخل .

بابتسامة ، اشارت ڤانيسا لإيثان ان ينزل و يجلس بالاسفل .

"سنقوم بكبح لعنتك هنا ."

بسماع هذا ، أومأ إيثان و نزل دون تردد .

هذا هو ما جاء من اجله .. كبح لعنة المحبوب من الظلمات التي اثقلت كاهله و جعلت الصيد مستحيلا عليه .

2026/02/22 · 92 مشاهدة · 2075 كلمة
نادي الروايات - 2026