"آااااااه ، رأسي " تحدث إيثان بنبرة ثقيلة و بطيئة .. باعين نصف مفتوحة و جسد فقد اتزانه بالكامل .

هو كان راقدا حاليا فوق طاولة حديدية فرش فوقها غطاء ابيض بسيط .

غطاء تحول للاحمر سريعا من بعد اتساخه بدمائه .

مون كانت هناك بجانبه ، تحدق به بعبوس .

اما بجانبها ، فقد جاء عدد من الأشخاص .. بعضهم ارتدى جلبابا طويلا دل على البساطة .

و البعض الآخر ارتدوا ملابس قريبة من العادية التي يستخدمها الصيادون .

بدون استثناء ، الحاضرون كانوا كهنة .. و قد تواجد بداخل القاعة 5 منهم .

3 من الهارت ، و اثنان اجانب عنهم .

كلهم كانوا بالمستوى المتقدم و اعلى ، ما جعلهم قادرين على استخدام معجزات من المستوى المتوسط على الاقل .

المعجزة تختلف عن السحر .

فهي تحتاج الايمان ليتم القاؤها لا الذكاء . كلما يزيد الإيمان تزيد قوة المعجزة .

من بين المعجزات العديدة ، تم القاء الكثير من الخاصة بالشفاء على ايثان املا بعلاجه من حالته الصعبة .

مون كانت قلقة ، لدرجة انها استخدمت اسم جدها ، آستيريون هارت و مكانته داخل العشيرة لجلب هذا العدد منهم في سبيل علاج إيثان .

بالعادة ، يفترض بهذا العدد ان يكون كافيا لعلاجه بسرعة و فعالية شديدة .

لكن اليوم ، حدث مالم يكن بالحسبان .

بعد القاء معجزات الشفاء الواحدة تلوا الأخرى عليه .. اظهر الكهنة جميعا عبوسا شديدا ..

هم حدقوا ببعضهم البعض متوترين ، قبل ان يوجهوا نظرهم ناحيته مرة أخرى .

برؤية هذا المشهد المثير للقلق ، تدخلت مون مستفسرةً عن سبب عبوسهم هذا ، و لماذا لا يزال إيثان بدون علاج .

فجاءت الصاعقة من احدهم الذي تولى على عاتقه مسؤولية الشرح ..

"آنستي الصيادة .. رفيقك ، انا لم ارى حالةً كهذه من قبل .." قال كاهن عجوز من الهارت كان الاكبر من بين الحاضرين . ما اثار استغراب مون .

"مالذي تعنيه ؟ فالتوضح كلامك رجاءا " هي ردت .

العجوز تنهد بقلق معيدا بصره ناحية إيثان .

"لقد خدمت ككاهن ، و عالجت الصيادين لعشرات السنين .. رغم انني بالكاد اعتبر لائقا ، الا انني واثق من قدرة معجزاتي على شفاء اصابات كهذه .. لكن .."

هو توقف لوهلة مبتلعا ريقه .

"رفيقك .. المعجزات لا تعمل عليه ، لا تأثير لها على الإطلاق .. و كأنه .. يرفضها ."هو قال بنبرة ثقيلة ما زاد من عبوس مون .

"مالذي تتحدث عنه بحق الجحيم ؟! يستحيل ان تعجز المعجزات عن علاج اصابات كهذه .."

"هذا ما اقوله لك يا آنستي الصيادة ، المعجزات تستطيع علاجه بسهولة .. لكنها لا تعمل عليه .. جسده لا يقبلها ، انا لم ارى بحياتي شيئا كهذا قط .. فالمعجزات تعمل على كل البشر ، و فقط الوحوش من يرفضونها ."

كلام الكاهن العجوز لم يزد سوى من قلق مون .. فما تم ذكره للتو خطير جدا ..

"آنستي ، اخشى إبلاغك بان جسد رفيقك ليس بعادي .."

"اهذا بسبب اللعنة ؟" هي سألت ، تعوز سبب ما يحدث حاليا للعنة الكسوف الدموي .

لكن العجوز الكاهن هز رأسه نافيا .

"لا .. المشكلة بالجسد نفسه لا اللعنة ، الطريقة التي يرفض بها معجزاتنا .. هي الطريقة ذاتها التي ترفضنا بها الوحوش ، اخشى اننا سنزيد من حالته سوءا لو واصلنا المحاولة ."

مون تراجعت بضع خطوات للخلف من بعد سماع ما قاله الكاهن ، اما إيثان ..

فقد كان مستلقيا بالكاد واعيا ، يشاهد و يستمع من بعيد ..

على عكسهم هم الذين لم يفهموا شيئا .. كان إيثان قد ادرك ما يحدث بالفعل .

'فهمت .. لقد بدأ ثمن صفقة الجسد الشيطاني بالظهور ..'

'فقداني لبشريتي ..'

هو فكر ، بالكاد قادرا على استخدام عقله بشكل صحيح .

احد الصفقات اعطت إيثان جسدا شيطانيا قويا بقدرة تحمل تفوق البشر بكثير .

و كان هو سبب صموده سابقاً اثناء التدريب ، فمهما بلغ الالم الذي يتعرض له .. الا ان جسده الشيطاني يبقيه واعيا و يحافظ عليه حيا لاطول وقت .

هذا جاء بثمن ، و كان خسارته لبشريته تدريجيا .

اول الاعراض بدأت بالظهور ، فالمعجزات اتضح انها لا تعمل عليه .

لطالما كانت هذه هي طريقة العلاج الابرز لببشر ، فالمستوى الاعلى من معجزات الشفاء يستطيع اعادة الاطراف المبتورة حتى ..

لكن إيثان لن يستطيع الاستفادة من ذلك مطلقا .. لانه لم يعد يعتبر بشرا .

بل و ستعطي المعجزات تأثيرا سلبيا عليه يزيد من حالته سوءا .

"آه .. أشعر و كأن عقلي يطفو بعيدا .."

هو قال منهكا ، و كأنه ثمل حتى النخاع ..

جسده لم يعد يؤلمه ، فهو بات لا يشعر باطرافه مطلقا .

برؤيته يتخبط هكذا .. اسرعت مون حاملةً اياه بعيدا بعدما ادركت انها لن تستطيع علاجه هنا .

لكن .. و قبل ان تتمكن من المغادرة ، استوقفها الكاهن العجوز و نظرة خطيرة على وجهه ..

"آنستي الصيادة .." هو قال بنبرة ثقيلة ، ما جعل مون تجيبه مشيرة له ان يسرع ، بما ان حال ايثان كان يسوء مع كل ثانية تمر .

"ما سأقوله لك لمصلحة صديقك .. آنستي الصيادة ، لحسن حظه .. نحن جميعا كهنة مستقلون ، لكن لو تواجد هنا احد اتباع العرش المقدس و رأى حالته .."

اظلمت تعابير الكاهن العجوز .

"ستتم ادانته فورا بتهمة الزندقة .. و انت ادرى بما يحدث من بعد الادانة .."

بذكر مصطلح العرش المقدس ، و الادانة .. مون بدأت أخيرا تدرك مدى خطورة الوضع . بعدما افقدها قلقها على ايثان الكثير من حكمتها .

هي أومأت بتردد ، ما جعل الكاهن يبتعد مفسحا لها الطريق .

"من الآن فصاعدا .. فالتجتنبوا الكهنة و خصوصا الفرسان المقدسين قدر الامكان . هذه نصيحتي لك كاحد افراد عشيرة الهارت التي ننتمي اليها جميعا ."

أومأت مون بامتنان مرة أخرى ، قبل ان تركض بعيدا و ايثان على ظهرها .

الكاهن العجوز حدق بهم لوهلة باعينه القرمزية الضيقة ، قبل ان يلتفت للحاضرين .

عدد الكهنة كانوا 5 ، اثنان منهم ليسوا من الهارت ..

هم كانوا يتهامسون فيما بينهم ، حول ما رأوه اليوم ..

لكن الكاهن العجوز استوقفهم ، متجها نحوهم بخطوات ثقيلة .

"حسنا ايها السادة .. اثق اننا نملك مسألة ملحة بين ايدينا ."

هو وقف امام الكاهنين الاجانب .. محدقا بهما لبرهة .

"مالامر يا سيدي ؟ لا تخبرني انك تشك بنا .." قال الاول ، بينما تابع الثاني من ورائه .

"لقد عشنا هنا بين الهارت لسنين طويلة ، لقد اصبحنا منكم بالفعل !" هو قال ضاربا صدره ، ما جعل كاهن الهارت العجوز يبتسم له .

"بالطبع ، انت منا الآن .. لا تسيئوا فهمي ، فانا لا اشك بكم ولو قيد انملة .." هو قال بإبتسامة لطيفة ، قبل ان ينقلب وجهه لشيء أكثر خطورة باقل من ثانية .

يده تحركت داخل ردائه بسرعة مرعبة ، ساحبا مخطوطةً قديمة من الداخل .

برؤيتها ، تراجع الاثنان بسرعة .. لكن بقية كهنة الهارت اعترضوا طريقهم على الفور.

محاصرين .. تقدم العجوز الكاهن نحوهم ببطء ممزقا المخطوطة .

"آسف ، لكن ما يحدث للهارت ، يبقى بين الهارت ."

تزامنا مع كلمات الكاهن ، سمع الجميع اصوات تحطم ، ثم سقوط مدوي .

من العدم ، انبثقت اثنان من السيوفة الذهبية .. مصنوعة من المانا الخالصة .

السيوف اخترقت قلوب الكهنة الاجانب بدقة مرعبة ، و بقوة كاسحة لدرجة انها خرجت من ظهورهما .

هما سقطا موتى على الفور و بضربة واحدة امام اقدام الكاهن العجوز .

بينما سالت الدماء .. اقترب باقي كهنة الهارت و القلق بادٍ على وجوههم .

"سيدي غريغور ، مالذي سنفعله الآن ؟" سأل احدهما ، للعجوز الذي كان اسمه غريغور على ما يبدو ..

غريغور هارت ، معالج من رتبة قديس .. ما يوازي المستوى 50 على الاقل.

هذا الأخير حدق بالجثث ، مشيرا اليها .

"فتشوهم ، و اكشفوا عما يخفونه ." هو قال مظهرا استعداده لانتشال الجثث دون تردد .

باقي الكهنة استجابوا له ، و راحوا يفتشون الجثث .. ثم ما هي سوى بضع ثوان ليجدوا ما كانوا يبحثون عنه .

الاول كان بريئا .. مجرد كاهن عادي انتهى به المطاف بين الهارت .

لكن الثاني ..

اخرج كهنة الهارت شيئا من داخل ملابسه اثار عبوس الكاهن غريغور ..

"اللعنة .. " هو لعن ، محدقا بذلك الرمز .

رمز لعرش ، تتوهج من خلفه الشمس بضوء عظيم شديد النقاء ..

"لقد كان تابعا للعرش المقدس .." تذمر غريغور ، ممسكا بالرمز .

"سيكون علينا التفكير بطريقة نبرر بها موته لاولئك الاوغاد المتعصبين شديدي التدين الآن .."

"تبا لك يا آستيريون ، أي فوضى هذه التي جلبتها على رؤوسنا ؟"

غريغور العجوز اشار لكهنة الهارت الآخرين ، لكي يتخلصوا من الجثث و ينظفوا الفوضى .

هو خرج الى الخارج بخطوات ثقيلة ، محدقا بسماء الليل و قمرها العملاق .

ضوءه الخافت انعكس داخل اعينه ، بينما لطم نسيم الليل وجهه .

ثم ببطء ، هو عقد العزم و اتخذ قراره .

"فاليكن ، العرش المقدس او ايا كان .. الهارت لا يتخلون عن ابنائهم ."

عاد العجوز غريغور للداخل ، معولا على حفظ السر باي طريقة ممكنة .

...

...

...

تحت ضوء القمر .. و جناح الليل ..

الوقت الوحيد الذي يختفي به ذلك الكسوف المرير و لو مؤقتا ..

جرت مون بسرعة ، و شاب جريح راقد على ظهرها .

لقد خسر الكثير من الدم ، لدرجة ان جروحه لم تعد تنزف بكثرة كما كانت تفعل سابقاً .

إيثان خسر وعيه ، و بات لا يدرك شيئا مما يحدث حوله .

وعيه انزلق بعيدا ، نحو الظلام .. و السواد البارد الموحش .

بعيدا عن العالم المادي الواقعي ، حيث لا يملك جسدا صلبا يستطيع الاعتماد عليه .. هناك ، هو يتحول للاشيء .

عندما استعاد ادراكه بنفسه ، إيثان وجد نفسه بمكان مألوف كان قد تواجد به منذ وقت ليس ببعيد ..

"مرة أخرى .. انا اغرق ." هو قال بصوت ثقيل ، بينما شعر بالتعب الشديد .

هنا .. لم يكن يتواجد شيء سوى الظلام .

لا ضوء ، ولا دفئ .

في البداية ، هو ظنه انه وحيد بهذا المكان..

لكنه سرعانما ادرك كم ظنه هذا خاطئ .

عندما امعن النظر بحفرة الظلام هذه ، هو رآهم .

من بعيد ، مخلوقات غريبة عجيبة .. بدت مثل الظلال .

"إنهم لا يفعلون شيئا .."

شكلهم لم يكن واضحا له ، فكل ما برز له هو اعينهم التي جعلت شعورا مشؤوما يعتريه ..

بهذا العالم ، هو كان ضعيفا لا يقدر على القدوم بحركة ..

كل ما استطاع فعله ، كان الغرق ببطء بينهم و تحت انظارهم .

يحدقون به ، و يحدق بهم .

كانوا قريبين ، لكن بعيدين بنفس الوقت .

"من أنتم ؟ من تكونون .. و اين انا بحق الجحيم ؟"

طرح إيثان هذا السؤال ، منزعجا من هذا الصمت المطبق ..

صمت لم يدم للابد ..

اعين إيثان توسعت ، عندما سمع صوته ..

صوت خافت ، بدأ يرتفع تدريجيا الى ان سمعه بوضوح تام .

"هذا .. صوت بكاء .."

"بكاء طفل رضيع .."

قال إيثان ، بينما حدق للاسفل .. ناحية الهاوية .

صوت بكاء الرضيع لم يكن بالغريب عليه .. كان مألوفا .

ليس لانه سمعه بالفعل مرة ، بل الامر تعدى ذلك بكثير ..

الرضيع بكى بصوت عالٍ ، و كأنه ولد للتو .. و بات يبحث عن حضن والدته .

إيثان بحث عنه وسط كل ذلك الظلام .. محاولا ايجاده و مد يده اليه .

لكنه ارتكب غلطة كبيرة .

فهو اطال التحديق بالهاوية .. و من يطيل التحديق بها ، تنظر اليه بدورها .

الظلام ابتلعه بالكامل .. قاذفا بوعيه بعيدا ..

إيثان شعر و كأن روحه قد اُخرجت من جسده بقوة اجنبية ..

اما صوت بكاء الرضيع المسكين .. فابتعد تدريجيا الى ان لم يعد قادرا على سماعه .

لكنه ظل بذاكرته ، و شعور غريب بالالفة تجاهه يعتريه .. و كأنه جزء منه يكاد يولد من جديد .

لقد كان ظلاما قاتما لم يفهمه إيثان اطلاقا ..

...

...

*شهقة .*

قفز إيثان من سريره .. يشهق .. و يتنفس بصعوبة شديدة بينما بلل العرق البارد وجهه و جسده ..

هو استيقظ مفجوعا .. يحدق يمينا و يسارا و الدهشة بادية عليه .

اخذ الامر منه دقيقةً كاملة ليستعيد اتزانه ، و يدرك انه عاد للواقع .

"لا اعرف هذا السقف .." هو قال محدقا بالسقف الغير مألوف فوق رأسه ..

سقف خشبي ، أرضية من ألواح .. و جدران من خشب أيضا .

ملقيا بنظرة على جسده ، هو وجد مجموعةً من الضمادات البيضاء النظيفة تلفه .. و من تحتها لم يكن هنالك اثر لجروحه الخطيرة سابقاً ..

"هل تمكنوا من علاجي ؟"

هو تساءل .. بينما وقف ببطء .

ممددا يده البشرية ، ثم الآلية من بعدها .. هو راح يتفقد اطرافه . فاكتشف انه عاد لحالة مثالية بنسبة 100%

"هذا مطمئن .. لقد ظننت انني سأموت لوهلة .."

رافعا شعره بيده .. تذكر إيثان تلك الدقائق القليلة التي قضاها داخل الفضاء المظلم الغريب .. و صوت بكاء الطفل الرضيع العجيب ..

"بالمرة الاولى حسبته حلما ، و هذه المرة الثانية .. فأي حلم ، بل كابوس هو هذا الذي يتكرر بهذه الطريقة ؟"

ابدى إيثان عبوساً طفيفا ، يفكر بملابسات ما وقع له .

فإذا بصوت وقع اقدام بخرجه من افكاره ..

كان ذلك عندما دخلت فتاة شابة مألوفة ، بشعر أسود .. و اعين قرمزية مخيفة .

هو حدق بها بصمت ، كما فعلت هي الاخرى و الدهشة بادية على وجهها .

ثم بعد دقيقة كاملة ، تحدثت أخيرا كاسرةً الصمت .

"مستحيل .. استيقظت بهذه السرعة ؟!" سألت لونا و الارتباك بادٍ على وجهها .

هي اقتربت بسرعة ، تتفحص جسده غير مصدقة لما كانت تراه .

من جهة أخرى ، ابتعد إيثان عنها بدون وعي منه ..

"لونا .. أين انا ؟ مالذي حدث .. و أين مون ؟" هو سأل ، محاولا فهم ما جرى له .

بذكره للامر ، سرعانما إستعادت لونا هدوءها .. و تراجعت هي الأخرى تاركةً مسافةً بينهما .

هي لم تجب فورا ، بل حدقت به بعبوس و نظرة شك تعتليها .

"انت .. مما صنع جسدك بالضبط ؟" هي قالت ، بينما اتجهت نحو النافذة البسيطة الموجودة بجانب الغرفة الايمن .

إيثان تبعها باعينه ، حائرا .

"مالذي تعنينه ؟"

"لا تلعب دور الغبي ، فمن المستحيل ان تتعافى من جروح كتلك بين ليلة و ضحاها ."

فتحت لونا النافذة ، تاركةً سماء النهار الزرقاء المنعشة تنير المكان ..

الضوء ابرز ملامحها الجميلة التي اخفاها الظلام ، و اعمى اعين إيثان .

برؤية تلك السماء الزرقاء المزيفة ، هو ادرك مكانه الحالي على الفور ..

"غابة السحرة .."

أومأت لونا .. هي لم تكن ترتدي نفس ملابس الساحرات مثل آخر مرة .

بل شيء أكثر اريحية ، تنورة حمراء قرمزية تحتها جوارب طويلة سوداء .

من الاعلى بلوزة سوداء اللون دون اكمام ، تركت اذرعها الطويلة مكشوفةً بالكامل .

"مالذي تنظر اليه ايها المنحرف اللعين ؟" قالت لونا بعبوس ، بعدما حدق بها إيثان لازيد من 5 ثوان .

برؤية ردة فعلها هذه ، هو تنهد رافعا يده بوجهها .

"انا لست بمزاج لهذا الآن .. هلا اخبرتني بما حدث رجاءا ؟"

بسماع طلبه ، ترددت لونا لوهلة .. قبل ان تتنهد و تشير له ان يجلس .

"فالتجلس ، سأخبرك بكل شيء بينما اتفقد حالتك ."

ردا ، هو أومأ بينما جلس القرفصاء فوق الأرض .

لونا اقتربت منه بحذر ، ثم ذهبت من خلفه وراحت

تنزع ضماداته ببطء و عناية .

"لا يوجد الكثير مما يجب قوله .. بدأ الامر عندما عادت اختي مون متأخرة للمنزل البارحة ، عندها نهضت لاستقبالها .. فوجدتها تحملك ، و القلق بادٍ عليها" قالت لونا ، متذكرةً ما حدث بوضوح تام .

"حالتك كانت مزرية ، جروح السيف تغطيك بكل مكان .. العدد كان كبيرا لدرجة انني لم استطع عدهم حتى .. حينها طلبت اختي مني ان اعالجك ."

"مون فعلت ذلك ؟"

أومأت لونا ، بينما حدقت به ببعض الشك لوهلة .. قبل ان تقمع مشاعرها.

"أختي لا تستطيع استعمال سحر العلاج .. فكل ما تتقنه هو الخاص بالمعارك .. على عكسي انا التي تدبرت على السحر بكل انواعه ." قال لونا ، بينما بدأت تعبس تدريجيا عندما وجدت جسد ايثان نظيفا بالكامل دون أي خدوش ..

"سحر الشفاء له تأثير اضعف بكثير من المعجزات التي تستخدم للعلاج ، لذلك و رغم القائي له عليك .. يفترض ان لا تستيقظ الآن ، ناهيك عن تعافيك من اصاباتك ."

فجأة ، اظلمت تعابيرها .. بينما مدت يديها تلفهما حول رقبته

ثم و بقوة شديدة ، قامت بخنقه من الخلف حتى خرج لسانه من فمه ..

"مالذي تخفيه بالضبط ؟ و كيف تعافيت بهذه السرعة ؟ مالذي كنت تفعله مع مون البارحة و كيف آل بكم المآل لذلك الوضع ؟!"

من العدم .. تحولت لونا بالكامل عائدة لتلك النسخة العدائية التي قابلها بلقائهما الأول .

هي خنقته بقوة ، و راحت تطرح السؤال الواحد تلوا الأخر مزلزلةً آذانه بصوت صراخها .

"اختي مون هي من تسببت لك بتلك الإصابات اليس كذلك ؟! فتلك اثار سيفها ، اخبرني ! مالذي فعلته لتجعلها تهاجمك بهذا الشكل ؟!"

عقلها ذهب بعيدا .. و تفكيرها كان عجيبا .

إيثان حاول التحرر ، لكن قوتها كانت مهولة بما لا يناسب السحرة.

'انا فارس و هي ساحرة ! .. كيف تستطيع التفوق علي جسديا هكذا ؟!!'

هو فكر داخل عقله غير قادر على الكلام ، اما لونا فقد ابتسمت بشكل مرعب بعدما ادركت ما كان يفكر به .

"تتساءل من أين تأتي هذه القوة ؟ لقد استخدمت تعويذةً تعزز قوتي الجسدية بما يكفي لاسحق امثالك من المستوى المبتدئ ."

نبرتها اصبحت أكثر رعبا .

"انت لن تذهب لاي مكان الى ان تجيب على اسئلتي كلها ."

مع كل ثانية تمر .. كان وجه إيثان يتحول للازرق تدريجيا ، عاجزا عن التنفس .

'هذه العاهرة المجنونة .. كيف يفترض بي ان اجيب بينما تخنقني بهذه القوة ؟!'

هو مد ذراعه الآلية في الهواء و كأنه يطلب النجدة . لكن لم يكن هنالك ما يمكن امساكه .

رغم ذلك ، تغير كل شيء عندما كبس زنادا معينا ، و ظهرت فتحة بمقدمة ذراع الفيلق .

من داخلها ، انبثق خطاف بحبل اسود طار بسرعة مذهلة مخترقا الحائط البعيد امامهم .

ثم بحركة من اصبعه ، و امام اعين لونا المندهشة مما حدث ..

قام إيثان بسحب نفسه جهة الخطاف ، فطار هو و لونا المتمسكة به بسرعة و قوة شديدة مصطدمين بالحائط الخشبي الى ان اهتز المكان باكمله ..

الصدمة جعلت لونا تفلته ، ليستغل الفرصة و يتراجع بعيدا عنها متنفسا الصعداء .

"أنت .. انت مجنونة بالكامل ! كم مرة ستحاولين قتلي ؟!"

صاح ايثان ، بينما سعل و اثار يديها لا تزال على رقبته .

لونا نهضت هي الأخرى من بعد الاصطدام ، تحدق به بنفس النظرة المرعبة .

"لا يحق للمنحرفين الاوغاد التكلم ، فصوتك يلوث الهواء ."

هي بدت و كأنها تود الدوس عليه ، ما جعله يسارع بالتبرير .. فهو لم يشعر بأنه سيقدر على هزيمتها او الهرب منها .

"التدريب ! كنا نتدرب على السيف بتوجيه من جدك آستيريون !" صاح ايثان مغلقا اعينه بعدما اوشكت على مهاجمته .

لكن ما قاله استوقفها .. معيدا اياها لحالتها العادية ..

"تدريب مع جدي ؟" هي قالت مندهشة ، قبل ان تبرز شكها بما سمعته .

"لماذا اشعر الآن ان هذه مجرد كذبة اخترعتها للتو ؟ فكيف لجدي ان يقبلك انت ؟"

"اعفني من هرائك رجاءا ، فلا طاقة لي لاحاول اقناعك .." بدا إيثان وكأنه بلغ حده و طفح كيله .. ما جعل لونا تدرك ما حدث للتو .

هي حدقت برقبته حيث طبعت يداها بشكل احمر اللون ، و الى الحائط الذي تحطم جزئيا قبل قليل .

اخذ الامر لحظة ادراك ، قبل ان تتوتر واضعةً يديها فوق رأسها .

"اللعنة .. لقد فعلتها مرة أخرى .." هي قالت بنبرة طبيعية تماما تختلف عن تلك المرعبة التي استخدمتها سابقا .

ثم سرعانما تقوعت حول نفسها منحنية للاسفل ..

برؤية ردة فعلها هذه ، سأل إيثان بحذر ..

"هل لديك انفصام بالشخصية او ما شابه ؟ لربما لم اخطئ عندما وصفتك بالمجنونة .."

ردا ، ابدت لونا اعينا مخيفة في البداية ما ارعبه .. لكن ذلك لم يدم سوى لثانية قبل ان تتنهد طويلا .

"أعتذر عمّا بدر مني .. انا افقد صوابي احيانا دون سابق انذار .."

هي اعتذرت بشكل مفاجئ .

إيثان حدق بها لوهلة ، قبل ان يقف ببطء .

"دعيني احزر .. يحدث هذا عندما يتعلق الامر بأختك مون ؟"

هو سأل ، فأومأت له مأكدةً شكوكه .

' تصبح مهووسة تماما كلما تم شمل اختها بالموضوع ، اهذا هو ما يسمونه بالياندري أو شيء من هذا القبيل ؟'

تساءل ايثان ، بعدما شاهد باعينه شيئا لم يكن يصدق بوجوده ..

'كما توقعت .. يجب ان ابتعد عن هذه الفتاة ..'

"لا تخبر مون عما حدث هنا رجاءا ، اعدك بتعويضك مقابل ذلك ." هي طلبت منه بأدب .

ردا ، هو تنهد متعبا من كل هذه الفوضى .

"لا داعي لتعويضي ، فقط .. حاولي ابقاء نفسك تحت السيطرة رجاءاً "

لونا لم تعطه اجابة مباشرة.

هي اخذت بضع ثوان قبل ان تومئ بضعف ، ما جعله يشك بمدى صدقها .

لكن و قبل ان تتاح لهما الفرصة للجدال أكثر ، هما تعرضا للمقاطعة .

من الباب المؤدي للغرفة ، لمح إيثان اثنين من الرؤوس الصغيرة المكسوة بالشعر الاحمر تطل عليهم .

الاول كان فتاً بدا في الخامسة بالكثير .. و الثانية فتاة بالعمر ذاته .

كانا متشابهين جدا ، ما جعل إيثان يدرك انهما توأمان .

"اختي مون .. هل انت بخير ؟"

"سمعنا صوتا مخيفا .. فجئنا لانقاذك "

قال الاثنان متناغمين مع بعضهما البعض بغاية اللطافة .

'كيوت' فكر ايثان بينه و بين نفسه بوجه خال من التعابير ، اما لونا فركضت اليهما فورا .

"ستار ! صول! الم اخبركما الا تأتيا الى هنا أبدا ؟!"

هي صرخت بصوت عالي قليلا ، ما جعلهما يتراجعان قليلا خائفين..

"ك-كنا قلقين عليك .. اختي لونا ." قال الاثنان بصوت واحد معانقين بعضهما البعض..

لونا اصبحت ضعيفة تماما امام هذا المشهد ، وفقدت جديتها بالكامل .

اما إيثان ، فلم تتغير تعابير وجهه قط .. و مرت نفس الفكرة بباله .

'كيوت'

كان من المذهل كيف استطاع التفكير بشيء لطيف مع وجه صارم كذاك ..

لونا عانقتهما بسعادة ، معتصرةً اياهما ..

"لماذا انتما بهذا اللطف ؟ اشبه بملائكة على هيأة بشرية .. لا اصدق اننا اخوة من الاب و الام .."

"اتفق مع الجزء الاخير ." اضاف إيثان معطيا رايه من الجانب ما جعلها تلتفت اليه بغضب

"لا احد طلب رأيك !"

على ما يبدو ، التبادل الأخير جعل الاطفال ينتبهون لإيثان ، ما اثار فضولهما حياله .

"أختي لونا ، من هذا الرجل ؟" سأل الفتى ، بينما اضافت الفتاة الصغيرة بحماس .

"إنه وسيم !"

"ماذا ؟" انقلب وجه لونا بالكامل .

"انه ليس وسيما ، بل وحش منحرف يطارد النساء .. لنهرب منه بسرعة قبل ان ينال منا "

لونا حملت الاطفال ، و هربت بسرعة امام اعين إيثان الذي لم يفهم شيئا مما كان يحدث .

"كما توقعت .. يجب ان ابتعد عن هذه الفتاة .."

2026/02/27 · 88 مشاهدة · 3662 كلمة
نادي الروايات - 2026