بأعماق الأرض تحت آشفارن . و بأواخر الليل الطويل ..

بينما نام العالم ، و تجول الهارت بشوارع مدينتهم .. غافلين تماما عما جرى تحت اقدامهم ..

كان إيثان هارت قد بدأ بحسم مصيره سلفا .

منذ بلوغه الزنزانة الارثية ( Legacy dungeon ) ، انقضت ساعات كثيرة ..

ساعات صرخ فيها ماثيوس مرارا و تكرارا ، يحاول ثني إيثان عن محاولة قتله .

هو حاول اغرائه ، خداعه ، و حتى التوسل اليه .

لكن دون فائدة ، فايثان لم يرد عليه بكلمة من بعد حوارهم الاخير .. و ركز بشكل كامل على طعنه بواسطة سيفه .

بعد مضي كل ذلك الوقت .. تغير الكثير ..

من بعد آلاف الطعنات .. آلاف الضربات ، باتت الأرضية امام العرش مغمورةً بكم مهول من الدماء السوداء المتعفنة ..

دماء ماثيوس التي فاضت من بعد تعرضه للنزيف عشرات .. بل مئات المرات .

جسده الشاحب بات مصبوغا الآن بدمائه ، تغطيه اعداد كبيرة من الجروح المرعبة الناتجة عن السيف .

ماثيوس و على عكس هيجانه بالبداية .. هو كان صامتا طيلة الساعة الأخيرة ، يحدق بالارض من تحته باعين ثابتة نال اليأس منها بالكامل .

من جهة أخرى ، كان إيثان واقفا امامه .. يلهث بشدة ، بعدما نال منه التعب و استنزف جسده بالكامل ..

هو الآخر اتسخ بالدماء المتعفنة ، لدرجة ان بعضها قد علقت بوجهه ..

"كما هو متوقع من رتبة الملك .. حيويتك من مستوى آخر تماما .. هووووف ".

تنفس إيثان بصعوبة ..

لقد مرت 7 ساعات منذ بدأ بتعذيب ماثيوس .

سيفه الآن كان مغطاً بالدماء المتعفنة بالكامل ، بالإضافة لهالة مظلمة مرعبة تجلت منه .

من اجل زيادة الضرر ، فعل ايثان هالة النايت لورد لتسريع العملية .

رغم انها جعلت دفاعه ينخفض ل 1 فقط ، الا أن ماثيوس كان مقيدا و لم يستطع مهاجمته و الاستفادة من ذلك .

إيثان شعر بالاستنزاف الشديد ، لكن مجهوده طيلة الساعات الأخيرة قد عاد بنتيجة .

مستخدما بصيرة الغراب الحكيم ، هو استطاع رؤية نقاط حياة الزعيم امامه .. و ادرك انه لم يتبقى الكثير .

فذلك المقياس الاحمر الطويل الذي بدا و كأنه لن ينتهي مطلقا بالبداية .. قد بلغ نهايته أخيرا ، ما اثبت ان الزعيم ماثيوس بدأ يدخل اللحظات الأخيرة من حياته ..

يفترض ان شبح الموت ظهر امامه بالفعل ، الا انه ظل هادئا .

لم يصرخ ، و لم يطلب الرحمة .. رغم انه فعلها كثيرا بالبداية .

"أرى أنك فقدت الامل بالحياة ، ماثيوس .. فانت لم تتفوه بكلمة ."

محدقا به ، انزعج إيثان مما رآه .

ماثيوس لم يستجب له ، و ظل يحدق بالارض ضائعا و كأن عقله موجود بعالم آخر تماما .

مغمورا بالدماء القذرة ، هو لم يعد يبدو كالزعيم المهيب بعد الان .. بل بدا مثيرا للشفقة .

لكن أكثر ما ازعج إيثان ، هو تلك الاعين القرمزية .. و النظرة التي ابدتها .

"توقف عن هذا ... لا تبدأ التصرف مثل البشر الآن ، فهذا لن يغير مصيرك ." قال إيثان ، بينما طعن سيفه مرة أخرى بجسد ماثيوس .

سيف الكاتانا و رغم صلابته .. الا انه بدأ يفقد حدته من عدد لبضربات التي وجهها إيثان .. لدرجة ان هذا الأخير اضطر للطعن فقط الآن ، فذلك السيف لم يعد قادرا على جرح جسد ماثيوس ..

لحسن الحظ ، السيف كان صلبا بما فيه الكفاية لكي لا ينكسر .

ثم ما هي سوى ثوان معدودة ليحدث النزيف مرة أخرى ، و يفقد ماثيوس المزيد من نقاط حياته الى ان لم يتبقى شيء منها سوى جزء ضئيل جدا لا يكاد يُرى ..

"نزيف واحد إضافي ، و ينتهي الامر ."

قائلا بوجه خال من التعابير ، عول إيثان على انهاء الامر بسرعة .

هو طعن من جديد ، و بدا العد التنازلي للثلاثين ضربة الأخيرة .. التي ستضع نهاية هذا الزعيم التعيس .

عندما اقتربت النهاية كثيرا .. ماثيوس رفع رأسه محدقا بإيثان .

لكن هذا الأخير تجنب نظرته ، و لم يرد ان يحدق باعينه .

فأعين ماثيوس لم تعد تبدو مثل تلك الخاصة بالوحوش .. بل بدا اقرب شيء للبشر .

و هذا ما ازعج إيثان الذي تمنى ان يلعنه ماثيوس بدل ان ينظر اليه هكذا .

لكن الزعيم المنزوع من العرش لم يفعل .

عندما وصل إيثان للضربة العشرين ، ماثيوس فتح فمه متحدثا أخيرا بعدما سكت طويلا ...

"أظن أنا هذا هو قدري ، منذ البداية ... ان اكون مقيدا بالسلاسل ، سلاسل صنعت مني عبداً ." هو قال ، بينما ذهبت اعينه للعرش من خلف إيثان .

"بمرحلة ما من حياتي ، ظننت أنني سأغدوا ملكاً ... لكنني كنت مجرد عبد يدعي الحرية ، بالنهاية .. العبودية لم تفارقني سواءا لما كنت بشريا .."

ابتسم ماثيوس بضعف .

"او بعدما غدوت وحشاً ."

بسماع هذا ، عبس إيثان .

"أي هراء هو هذا الذي تتحدث عنه الآن ؟" سأل حائرا ، لكن ماثيوس هز رأسه و نفس الابتسامة على وجهه .

"لا داعي لتفهمني ، فالتنهي ما جئت من اجله فحسب ."

اغمض الزعيم اعينه ، بينما واصل ايثان طعنه ..

كل طعنة ، قد كانت تقرب ماثيوس من النهاية .. نهاية لحياته الطويلة ..

"سبعة و عشرون ."

"ثامنٍ و عشرون ."

"تسع و عشرون ."

لم تتبقى سوى طعنة واحدة للنزيف .

إيثان ، قد فعلها دون تردد .

"ثلاثون .."

عم الصمت للحظات .. و حدق كل من إيثان و ماثيوس ببعضهما البعض .

"الآن ، انا سأنال حريتي ... الحرية المصاحبة للموت ."

"أدعوا أن تجد انت الآخر الخلاص ، يا سليلي من الهارت ."

كانت هذه كلمات ماثيوس الاخيرة التي فاجأت إيثان ..

كلمات انفجرت من بعدها الدماء من جسده .. الى ان اغلق اعينه ، و بدأ جسده يتحطم .

التشققات و علامات الكسر انتشرت بجسده بسرعة مرعبة ...

و كأنه دمية قديمة عفا عنها الزمن ، قطعة زجاج بالية تحطمت أخيرا.

ثم جاءت رياح باردة من العدم ، عاصفةً به محولةً اياه الى غبار تناثر بالهواء ..

بثوانٍ معدودة ، اختفى جسد ماثيوس بالكامل و لم يتبقى له من أثر سوى بركة الدماء المتعفنة التي تسربت منه .

السيوف و السلاسل الذهبية قد تبددت بالكامل هي الأخرى من بعد ذلك ، بعدما لم يعد هنالك من سجين يفترض بها حبسه .

موت ماثيوس نتج عنه تحرر عدد مهول من الارواح ..

ارواح طارت على الفور ناحية إيثان ، مخترقةً جسده مانحةّ اياه الفرصة لرفع مستواه أخيرا ..

آلاف الارواح اخترقت جسده .. ما عدا واحدة فقط .

واحدة تألقت بقوة ، متخذةً لونا رماديا شاحبا ..

لقد كانت روح ماثيوس ...

إيثان وقف هناك يحدق بها لبعض الوقت ، قبل ان يتنهد طويلا ..

"أكان عليك أن تبدو كالبشر بلحظاتك الأخيرة .. ايها الزعيم الملعون ؟"

حك إيثان شعره بانزعاج ، بينما تقدم ناحية روح ماثيوس و مد يده ناحيتها .

"يا ليتك واصلت التصرف كالوحوش حتى النهاية ، فبفضل كلماتك الأخيرة ، اصبحت الآن اشعر بشعور سيء ."

بعدما اصبح وحيدا داخل قاعة العرش ، استولى إيثان على روح ماثيوس سريعا .

"لننهي الامر بسرعة ... فقد اضعت الكثير من الوقت بالفعل ."

الرونية الزرقاء المتألقة قد توهجت من ذراعه ، بعدما فعل بركة سيد الاسلحة الاسطوري .. و بدأ يتحويل روح الزعيم لسلاح .

تحطيم روح ماثيوس كان سيمنحه المزيد من الارواح .. لكن ايثان رأى بأن الارواح التي حصل عليها قبل قليل قد كانت كافية ليبلغ ما اراد بلوغه .

كما ان فرصة تحويل روح زعيم بهذه القوة لسلاح لا تتكرر كثيرا .

شيئا فشيئا .. بدأت روح ماثيوس تتغير متخذةً هيأة مختلفةً بالكامل ..

العملية تسببت بانبعاثات مدمرة جعلت الفراغ نفسه يهتز ، ما اثبت ان ايا كان السلاح الذي سينتج عن هذا .. فهو لن يكون عادياً .

حدث كل شيء بسلاسة و دون مشاكل .

إلا أن كل ذلك قد تغير ، عندما شعر إيثان بلسعة حادة و الم عجيب صادر من مؤخرة رقبته ..

متألماً ، هو مد يده متحسسا تلك المنطقة .. فإذا به يجدها قد صبغت بالدماء ..

تعابير ايثان اظلمت بالكامل عندما علم بما يعنيه هذا الدم ..

"مستحيل .." هو قال ، لاعنًا ..

فهذا الألم ، و هذا الدم لن يصدر سوى من مكان واحد لا غير ...

وسم الكسوف الدموي ..

رغم ان الحاجز السحري الذي وضعته لونا هارت حول اللعنة لا يزال قائما .. الا ان الكسوف الدموي قد تفعل بطريقة ما .

مذعورا ، حاول ايثان فعل شيء ما ..

لكنه توقف عندما انتبه لتفصيل معين كان قد اهمله ..

روح ماثيوس كانت لا تزال تتشكل على هيأة سلاح ، و قد تسببت بتقلبات قوية جدا ..

تقلبات انبعثت منها مانا مظلمة ، كانت تنتمي لماثيوس نفسه ..

"لا اصدق .. اللعنة لم تتفعل من خلال شيطان التوازن ، بل هي تتفاعل مع مانا ماثيوس ؟"

قال إيثان غير مصدق لما كان يحدث ..

روح ماثيوس اثرت على اللعنة ، و ما هي سوى ثوانٍ معدودة .. قبل ان يبدأ إيثان بسماع الصوت ..

صوت نحيب ..

صوت همس بجانب اذنه :

"أعطني إياها .. اعدها لي .."

جاء الصوت ، شبيها جدا بذاك الخاص بماثيوس ، لكنه بدا .. بشريا .

"اعدها الي .. اعدها ، اعدها ، اعدها ، اعدها ، اعدها ، اعدها ، اعدها ، اعدها ، أعطني اياها !!!"

وضع إيثان يده على اذنه ، محاولا اغلاقها بعدما تكرر صوت الصراخ ..

و كأن احدهم يصرخ بمكبر صوت بجانبه تماما ..

"اعطني إياها !!!" بدأ صوت الصراخ يصبح اعلى و اعلى .. متسببا بصداع شديد له .

"اعطني إياها !! الحرية !!"

جاءت الصرخة الأخيرة ، فإذا بظلام عظيم ينبثق من العدم .. ملتهما إيثان بالكامل ملقيا به داخل السواد ..

هو غرق بلا حول ولا قوة .. غير قادر على القيام بأي شيء لمنع ذلك ..

حاول المقاومة ، لكن دون جدوى .. فإيثان بات تحت رحمة اللعنة بالكامل ..

تخبط بها ، الى ان بدأ وعيه ينجرف بعيدا .. ينجرف الى مكان آخر تماما ، و زمن مختلف .

زمن .. يلقبه الهارت ، بالمحرقة .

...

...

...

عندما فتح إيثان اعينه مرة أخرى ، وجد نفسه بمكان آخر تماما .

المكان لم يكن نفسه ، ولا الجسد كان جسده .

هو كان الآن بما بدا و كأنه قاعة ملكية ، لكن مختلفة عن التي قتل ماثيوس بها .

القاعة الجديدة كانت اوسع ، و اعظم بكثير ..

بداخلها ، هو رأى مجموعةً من الأشخاص يركعون خاضعين تماما أمام رجل واحد ..

ادار إيثان رأسه ، فرآه بوضوح .. رجل يرتدي رداءا ملكيا ، يحطيه الحراس يمينا و يسارا .

شعره كان فضيا ، و لحيته بيضاء كالثلج .

ملامحه حادة ، و نظرته اعطت شعورا بالعلو .. و ابان عن ازدرائه التام لمن كانوا راكعين له .

جميع الخاضعين شاركوا الصفة نفسها .. شعر احمر ناري قرمزي ، و اعين حمراء ملتهبة .

لقد كانوا من الهارت جميعا .

اما ذلك الملك ، فلم يكن من الصعب تحديد هويته ..

فإيثان اعتقد انه على الارجح رأس عائلة آردين الحاكمة ، و احد ملوكها .. لكنه لم يعلم ما إذا كان الحالي او من زمان آخر .

إيثان كان حاضرا بدوره داخل القاعة الملكية ، لكن كمتفرج فقط .. متفرج لم يستطع فعل شيء سوى المشاهدة .

امام اعينه ، امر ذلك الملك الهارت امامه بالذهاب و محاربة اللعنة ... و ايقافها بحياتهم لو تطلب الامر .

الهارت جميعا امتثلوا لاوامره .. لكن ليس حباً به ، بل لانهم كانوا مجبرين .

إيثان رأى بوضوح كم كانوا مضطربين و حاقدين على ذلك الملك ، لكنهم لم يستطيعوا فعل أي شيء حياله ... بسبب اللعنة التي جعلت منهم عبيدا .

من بين الهارت الحاضرين ، إيثان لمح شخصا معينا جذب اعينه أكثر من أي شخص آخر ..

بدا مختلفا قليلا ، لكن الملامح كانت نفسها ... خصوصا الاعين .

"هذا .. ماثيوس ؟"

محدقا به ، ثم بالمكان من حوله ... بدأ إيثان يستوعب وضعه و موقفه .

"هل هذه ... هي ذكرياته ؟"

هو سأل عابساً ، لا يفهم المغزى مما كان يراه و لا سبب سحب اللعنة له الى هذا المكان .

إيثان لم يحصل على الفرصة لواصلة التفكير حتى ، لانه سرعانما سحب من جديد .. و تغير المشهد امامه بالكامل ..

هو وجد نفسه يقف فوق أرض مألوفة له .

"الأرض الملعونة .."

حدق إيثان من حوله ، مدركا ان هذا المكان ينتمي لمنطقة اللعنة .. حيث تتواجد الاهوال و الكوارث .

امامه ، تجلت معركة شاقة ... خاضها الهارت ضد مخلوقات مرعبة متحورة ، وحوش هائلة قتلت الكثير منهم بسهولة ..

النيران ابتلعت كل شيء ، و الدماء غطت الأرض بكميات مهولة .. سواءا دم البشر او الوحوش .

"هذه ليست المنطقة الاولى .." قال إيثان بعبوس ، بعدما تعرف على المنطقة ..

لقد كانت منطقة قريبة من منتصف اللعبة على الارجح ..

الوحوش هنا كانت اعنف ، و اقوى بكثير .

و رغم ان الكثير من الهارت قد ماتوا اثناء المعركة ، الا ان البعض منهم نجح بالبقاء حيا .. و تمكنوا من نحر الوحوش جميعا .

من بينهم ، كان ماثيوس الذي ابقى إيثان عينه عليه دوما في الطليعة ، يقاتل ببسالة و شجاعة ..

لقد كان فرساً عظيما ، يستخدم سيفا طويلا بلغ طوله ما يقارب حجمه .

ذلك السيف الهائل جعله قادرا على قطع الوحوش مهما بلغ حجمها .

ماثيوس لم يكن وحيدا ، فقد احاطت به مجموعة من 4 أشخاص ..

إيثان ادرك انهم كانوا افراد فرقة الصيد خاصته على الاغلب .

"هذه المشاهد تعود للماضي البعيد على الارجح ، الا ان نظام الصيادين كان نفسه الحالي بذلك الوقت ايضا .."

بينما كان إيثان يحلل ما رآه ، تم جذب انتباهه عندما رأى ماثيوس يرمي سيفه بعيدا .. و يركض بسرعة مضطربا ناحية احد افراد فرقته الذي انهار ارضا ..

سيفه العظيم اصدر صوتاً عنيفا عندما ارتطم بالارض .

لكن ذلك الصوت لم يكن مسموعا قط ، لان صراخ و نحيب ماثيوس و رفاقه على صديقهم الذي فارق الحياة بين ايديهم قد كان اعلى ..

إيثان شاهد بصمت ، بينما بدأ ذلك الهارت المحتضر يضحك ، و قوة مظلمة غريبة تلتهم جسده ..

راقدا بين ذراعي ماثيوس ، هو توسل اليه ..

توسل اليه بكلمات سمعها إيثان بوضوح .

"أرجوك .. ماثيوس ، أقتلني ."

هو ترجاه ، ان يقتله .

مع كل ثانية مرت ، لعنة الظلمات كانت تزحف فوق جسده الطريح .. تحوله لمخلوق مختلف بالكامل .

"اقتلني ، دعني أموت محافظاً على بشريتي ... لا تدعني اصبح منهم ، أرجوك ."

هو ترجاه مرارا و تكرارا...

طلبه كان ثقيلا ، و رأى إيثان بوضوح كم دمر هذا الطلب ماثيوس .. الذي ارتعش جسده بشكل واضح .. و راح يشد قبضته الى حفرت اظافره داخل راحة يده بعمق و سالت منها الدماء .

كان هذا قاسيا عليه ، لكن ماثيوس هو قائد الفرقة الخاصة بهم على ما يبدو ، ما جعل هذا يعود عليه هو دون سواه .

بعد تردد لم يدم طويلا .. نظرا لحال صديقه الذي كان يصبح اسوء مع كل ثانية تمر .

ماثيوس ذهب و احضر سيفه العظيم ، ثم رفع فوق رقبة صديقه الذي ابتسم له بلحظاته الاخيرة .

"لقد كان شرفا لي القتال بجانبك ... حتى النهاية ."

بعد هذه الكلمات .. سمع إيثان صوت القطع العنيف ، عندما فصل سيف ماثيوس العظيم رأس الهارت المسكين الذي فضل الموت على يد صديقه بدل ان يفقد انسانيته و يغدو وحشا .

بعد موته ، غادر الجميع بعد دفنه ... و الحزن بادٍ عليهم .

لكن ماثيوس ظل واقفا هناك لوقت طويل .. و اعينه تحترق بنار متأججة .. ابانت عن غضب عارم .. و حزن عميق .

إيثان الذي شاهد ذلك ، قد تألم فجأةً .. و شعر بنار حارقة داخل صدره ، و رغبة عارمة بالبكاء ..

"هل هذه ... مشاعر ماثيوس بتلك اللحظة ؟"

ادرك إيثان ، الذي تلوى وجهه بالكامل من بعد موجة الألم التي ضربته من العدم .

كان خانقا ، و مؤلما ..

رغبة ماثيوس لفعل شيء ما و انقاذ رفاقه ، لكن عجزه عن مخالفة الاوامر بسبب اللعنة .

المه ، حزنه .. كل شيء مر لإيثان بالتدريج .

"اتخبرني ... أنني مضطر لاعيش ألمه و معاناته ؟"

لعن إيثان ، بعدما فهم ما كان يحدث هنا ... و لماذا ارته لعنة الكسوف الدموي هذه الذكريات .

هو لم يرد اختبار أي من هذه المشاعر الخانقة ، لكن الخيار لم يكن خياره .

فهو قد سحب مرة أخرى ، بعدما تغير المشهد امامه من جديد .

بالتدريج ، رأى إيثان كيف خرج ماثيوس بحملات الصيد الواحدة تلوا الأخرى رفقة خيرة صيادي الهارت .

بذلك الوقت ، تم استخدامهم جميعا لايقاف تقدم اللعنة التي باتت تهدد مملكة آردين كثيرا .

بأوامر من الملك .. كان الهارت يحاربون الوحوش ليل نهار ، و مات الصيادون كل يوم .

كثير منهم كانوا يرون إخوانهم ، اصدقاءهم ، احبائهم يموتون امامهم كل يوم .

الموت ظل قريبا منهم طوال الوقت ، و فتك بهم الواحد تلوا الاخر .

من بين الصيادين بذلك الوقت ، كان ماثيوس احد الابرز ..

محارب عظيم تألق داخل ساحة المعركة ممزقا اعدادا هائلة من الوحوش ، و قاتل بضراوة ضد الزعماء ايضا مساهما بسقطوهم .

لكن و مقابل كل زعيم يسقطه ماثيوس ، هو كان يفقد رفيقا واحدا .

استمر هذا لسنين طويلة .. يقاتل دون توقف ، ينجو و يرى اصدقاءه يموتون امامه .. و احيانا يقوم هو بقتلهم لمنعهم من أن يصبحوا وحوشا .

كانت حياةً قاسية .

لكن الصيد لم يدم للابد ، فبعد القتال لسنين .

تمكن الهارت من ايقاف تقدم اللعنة ، و باتت حدود آردين آمنة .

وقتها ، تم إستدعاء ماثيوس رفقة مجموعة من اقوى الصيادين للمثول امام العائلة الحاكمة لآردين مرة أخرى .

ماثيوس و رفاقه كانوا ابطالا ، حمو المملكة و انقذوها من براثن اللعنة القاسية .

لكن الاستقبال الذي حضو به لم يكن استقبال الابطال .

فعندما وطأت اقدامهم العاصمة ، كان الجميع ينأون بأنفسهم عنهم .

و كأنهم ملعونون .

سكان المملكة التي حموها لم يروهم كبشر مطلقا ، بل مخلوقات ملعونة دورها الوحيد بالحياة هو حمايتهم .

كانوا يصفونهم باصحاب الدماء القذرة ، و الملعونة .

ثم عندما بلغ ماثيوس و الآخرون القاعة الملكية ، هم لم يسمعوا كلمة شكر واحدة ، بل كل ما قيل لهم .

هي اوامرهم التالية .

بعد ايقافهم لزحف اللعنة ، امرهم ملك آردين بالذهاب و القتال رفقة جيشه هذه المرة ... جيش المملكة ، ضد الممالك الأخرى المعادية له .

ماثيوس كان من بين الاقوى بجيله ، لذلك تم اختياره بطبيعة الحال .

من قتال الوحوش و اللعنة ، الى محاربة البشر و الجيوش .

قتل الناس كان مختلفا عن قتل الوحوش ، و قد اثقل كاهل ماثيوس كثيرا .

جنرالات جيوش آردين كانوا دوما ما يضعون الهارت بالمقدمة ، ما جعل الكثير منهم يموتون بالحرب ، أكثر حتى مما ماتوا عندما كانوا يحاربون اللعنة .

سواءا ضد الوحوش ، او البشر .

كان الموت يتربص منهم من كل حدب و صوب .

لكن ماثيوس نجا حتى النهاية ، بينما مات كل من حوله .

بعد سنين طويلة ، من الخدمة و القتال لاجل قضية لا يؤمن بها أساسا .

مجبرا بسبب دمائه الملعونة ، بل ماثيوس من العمر عتيا ما اعجزه .

و كان ذلك عندما تم تسريحه ، و اعادته للديار أخيرا .

"أحسنت صنعا ، يمكنك العودة الآن لديارك و محاربة اللعنة لما تبقى لك من ايام تعيشها ."

كان هذا كل ما قيل له من بعد خدمته لكل تلك السنين .

ماثيوس عاد للديار .. محطما .

هو كان يمشي كالجثة ، باعين فقدت الامل بالحياة .

و ايثان مشى من خلفه ، يشاهد بينما اعتصره نفس المه .

ماثيوس عاد لدياره ، لكنها لم تكن آشفارن التي يعرفها إيثان ، بل بدت مختلفةً بالكامل ..

لكن اعين إيثان ركزت على ماثيوس وحده ، و تجاهل كل شيء آخر .

ماثيوس عاش من بعدها كصياد كبير ، من بين الاقوى .. يقود الجيل الاصغر و يقاتل ضد اللعنة من حين لآخر .

بعدما كان يعاني بنفسه ، اصبح الآن يرى ابناء عشيرته يمرون بنفس معاناته .

المقاتلون منهم يموتون بساحة المعركة .

و غير المقاتلين كثيرا ما يتم اخذهم من طرف الامراء .. فكم عدد النساء اللواتي اخذن من منازلهن لارضاء اهواء اولئك الوحوش الذين ارتدوا جلودا بشرية ..

"اتساءل ، لماذا عشت كل هذه السنين يا ترى ؟"

سمع إيثان صوت ماثيوس العجوز .

"عشت عبدا ، قاتلت كبعد ، خدمت كعبد ، و الان سأموت كعبد بينما اشاهد ابناء عشيرتي يقاسون نفس مصيري ، بل و مصيرا اسوء مني ."

"لماذا ؟"

رآه إيثان ينتحب .

"لماذا .. كان يجب أن اولد بين الهارت ؟"

بكا ماثيوس ، بعدما لم يعد قادرا على التحمل .

فحياة العبودية سرقت كل الضوء من اعينه .. و لم تترك له شيئا سوى الكراهية ، الغضب .. و حزن عميق و شديد .

ماثيوس بتلك الليلة ، حمل سيفه ... و هرب بعيدا .

محقونا بمشاعره الحارقة ، اندفع ناحية اراضي اللعنة ... و راح يقاتل الوحوش الواحدة تلوا الأخرى .

هو حاول الهرب .. الهرب من آردين .

كان يعلم انهم سيقتلونه بمجرد معرفتهم بهربه ، فالامر لا يستلزم سوى فكرة واحدة فحسب .

لكن ماثيوس اراد المحاولة مرة على الاقل قبل ان يخسر حياته .. اراد ان يحاول الهروب من عبوديته و نيل حريته .

ثم و بعد قتال مرير ، سقط ماثيوس ارضا على ركبتيه محاطا بالوحوش و الاهوال .. ينتظر قدوم الموت اليه .

لكن ما اتاه بتلك اللحظة لم يكن الموت ، بل شيؤ مختلف .

شيء مرعب أكثر بكثير .

إيثان رآه بوضوح ، بأعين توسعت تدريجيا .

من السماء المظلمة المقمرة ، نزل له كيان عجيب طويل يكسوه السواد .

"هل تبتغي الحرية ؟ يا صياد الهارت المسكين ."

هو قال بصوت عميق تردد صداه بكل مكان ، جاعلا روح ماثيوس نفسها ترتعش.

"إذا كان هذا هو ما تتمناه ، فمد يدك ... و دع حكمة الليل تقودك ."

كلمات ذلك الكيان كانت غريبة .

حملت قوة جعلت كل من يسمعها ينذجب اليه ، و ماثيوس لم يكن استثناءا .

هو مد يده ، طامعا بنيل الحرية . فتملكته اللعنة .

زحفت القوة المظلمة فوق جلده ، محولةً اياه لمخلوق مختلف تماما ، سالبةً اياه بشريته .

لكن ماثيوس لم يتألم ، و لم يقاوم .

باعين دامعة ، هو نزل على ركبتيه امام ذلك الكيان .

"آه .. إذا هذه هي ." قال ماثيوس بكلمات مرتعشة ..

"هذه هي .. الحرية ؟"

كان ماثيوس سعيدا .. بغاية السعادة .

لان لعنة الدم التي قيدته كل تلك السنين ، قد اختفت بالكامل ..

مضيقا اعينه ، حدق إيثان بماثيوس و ذلك الكيان المظلم متوترا .

"أحد طرق التحرر من اللعنة ... محاربة اللعنة بواحدة أخرى أقوى منها ."

هو قال بصوت خافت ، كاشفا عما حدث .

كانت هذه احدى الطرق للتحرر من اللعنات ، لكنها لم تكن بالطريقة الجيدة لانها تعني الخضوع للعنة اسوء من سابقتها .

بحالة ماثيوس ، فهو خضع للعنة الظلمات التي تحول البشر لوحوش .

لكن خاصته كانت مختلفة قليلا ، لانها جاءت من احد النايت لورد .

محدقا به ، إيثان تعرف على ذلك الكيان المظلم .

"غلاديوس ، حكمة الليل (Wisdom of Night)"

كان هذا احد سادة الليل ، وحش يقف بقمة الهرم .

إيثان شعر بالتوتر لمجرد التحديق به .

لكن ما هي سوى ثواني معدودة ، قبل ان تتوسع اعينه .. و يشعر بقلبه يغرق داخل صدره ..

إيثان شعر الرعب الشديد ..

لانه و عندما اطال النظر بذلك المخلوق المظلم ، هو ادار رأسه بدوره ... محدقا به و ابتسامة كاسرة تعلوا وجهه ..

"مستحيل .."

تراجع إيثان للخلف دون وعي منه .

"هذه مجرد ذكريات .. " هو قال غير رافضا التصديق .

لكن كلما حدق به ، هو تيقن من شيء واحد .

سيد الليل ذاك ، قد كان ينظر اليه ... لقد رآه بوضوح ..

ابتسامة غلاديوس توسعت ، و ما هي سوى لحظات معدودة لينبثق منه ظلام ابتلع كل شيء من حوله بما في ذلك إيثان نفسه .

"لا داعي للخوف ، يا سليل التوازن ... فأنا لن امسك بسوء ."

جاء صوت غلاديوس على شكل همسات مرت بجانب اذن إيثان ، الذي تجمد مكانه غير قادر على الاتيان بحركة .

"إمضي و إتبع قدرك ، فنحن سنلتقي يوما ما بكل تأكيد ... فهذا هو ما تريده السببية ، و ما يريده ذلك الشخص ."

تردد صدى صوت سيد الليل ، بينما تم رمي إيثان بعيدا غير قادر على فهم شيء مما سمعه للتو .

ذكريات ماثيوس واصلت المضي قدما ، لكن إيثان شعر بالرعب ، بعدما جذب انتباه واحد آخر من سادة الليل ..

2026/03/02 · 80 مشاهدة · 3912 كلمة
نادي الروايات - 2026