معا داخل نفق مظلم ، عبر زوجان من الصيادين .. فتى و فتاة بالكاد بلغا الثامنة عشرة ، يعبران الطريق ممسكين بأيادي بعضهما البعض .
الدرج امتد نزولا ، ثم صعودا بعد المشي لبضع دقائق .
الطريق كان حالك الظلمة ، ما جعل الساحرة الشابة آليكسا تنير الطريق عبار استحضار جرم سماوي بسيط كروي الشكل ، اشتعل بنار متوهجة .
لكنه كان صغيرا و بسيطا نظرا لتواضع مستواها و ضعفها ، فبالكاد انارت نيرانها أي شيء ..
هي بدت خائفة و مترددة ، على عكس الشاب ڤيرتز الذي سحبها من يدها يشق طريقه دون تردد .
باعينه ، كان هنالك طموح دفين بتحقيق شيء ما و بدأ حياته كصياد بشكل فعلي .
ففرق الصيد ما بعد التاسعة لا يعتبرون صيادين فعليا ، بل مجرد فرق إضافية تقدم خدمات بعيدا عن الصيد و القتال .
شرط بلوغ الرتبة المتقدمة لم ينطبق على امثالهم ، و رغم ان اليكسا و ڤيرتز يملكان نظام اللاعب الذي يتيح رفع المستوى ، الا ان احدهما كان فارسا متمرسا بالكاد ، و الاخرى ساحرة متوسطة لا تستطيع اطلاق أي تعاويذ قوية.
ساحرة جبانة ، و فارس دون موهبة .
كان هذا افضل وصف لهما .
صعد الاثنان الدرج بحذر ، قبل ان يبلغهما شعاع الضوء الاول أخيرا ..
ضوء اثبت ان نهاية الطريق كانت قريبة .
برؤية الضوء لاول مرة بعد المشي بالظلام لما يقارب النصف ساعة ، اضاءت وجوه كليهما بوقت واحد .
"أخيرا! سنخرج من هذا الظلام الخانق " بابتسامة عكست الطمأنينة ، ابدت الساحرة سعادتها برؤية النور .
خطواتهما اصبحت اوضح الآن ، ما جعلهما يصعدان بسرعة أكبر الى ان خرجا أخيرا من النفق ..
عندما خرج الاثنان ، اعينهما توسعت بشدة .. و افواههما انفتحت دون وعي منهما .. من المنظر الذي كشف عن نفسه امامهما .
تلك لم تكن بغرفة سرية تحتوي الكنوز ، بل لم تكن غرفة أساسا .
"هذه ... مدينة ؟" قال ڤيرتز بصوت خافت بعدما تم الكشف عن تلك المدينة المظلمة امامه .
مدينة عجيبة تحت الأرض ، كانت شاسعة و كبيرة لدرجة انهما لم يتمكنا من رؤية نهايتها من مكان وقوفهما .
بنيانها المظلم القوطي جعلهما يتذكران مدينتهما الحبيبة آشڤارن .. فهذه شابهتها كثيرا .
لكن الجو هنا كان خانقا ، فرائحة الرماد و علامات النار قد كانت بكل مكان ، بالإضافة للدم المتجلط الذي صبغ الارض و الجدران على حد سواء .
ممسكة بڤيرتز من طرف ردائه ، اقتربت الفتاة منه مختبئة خلفه و القلق باد عليها .
"ڤيرتز .. هذه ليست غرفة كنز ، لنعد فلدي شعور سيء تجاهها .." هي نشادته بصوت مرتعش .
ردا ، هو ابدى وجها عابسا .
"مالذي تقولينه ؟ لقد وصلنا للتو فكيف نعود الآن ؟"
متقدما للامام ، هو كان لايزال محافظاً على شجاعته .
"انت لا تفهمين يا آليكسا ، لقد حققنا للتو اكتشافا عظيما انا و انت ، فهذه قد تكون مدينة مهجورة يعود تاريخها لمئات السنين ! من يدري عدد الاشياء الثمينة التي قد نجدها هنا ."
كان متفائلا ، على عكس زميلته المتشائمة .
"ماذا لو تواجدت الوحوش بداخلها ؟ اليس هذا ممكنا ايضا ولا من اين جاءت كل تلك الدماء ؟" واقفة بجانب الباب رافضة التقدم ، هي حاولت ثنيه .
لكن ڤيرتز انكر كلامها فورا .
"يستجب وجود وحوش هنا ، هل سمعت يوما عن زنزانة داخل زنزانة ؟ هذا غير ممكن .."
الزنزانة الارثية قد تم تصفيتها بالفعل ، و المدينة امامه كانت مرتبطة بها .. ما جعله يستنتج أنها ليست بالزنزانة الارثية بدورها ، بل مجرد مدينة قديمة مهجورة .
لكن و ليطمئن زميلته ، هو تنهد بين مد يده لها .
"اعدك اننا سنعود فور استكشاف مدخل المدينة ، فحتى و لو كانت هنالك وحوش بالداخل .. لن يطالنا شيء مادمنا بالبداية فحسب ."
الساحرة اليكسا حدقت به لبرهة بعد سماع كلامه ، ثم بطريق العودة من خلفها .
و بعد بعض التردد ، هي اومأت متبعة اياه ممسكة بيده .
و شق الاثنان طريقهما متجاوزان التل الذي جاءا منه ، و نزلا مقتربين من مدخل المدينة .
مع كل خطوة للامام ، كان الاثنان يشعران بها ..
هالة غريبة و عتيقة انبعثت من اركان المكان ..
"لم ارى بحياتي مدينة غامضة كهذه .." قال ڤيرتز ، منبهرا من اجواء المدينة العجيبة .
سماءها كانت مرصعة بالنجوم و كأنها مصابيح زجاجية .. كانت جميلة و مذهلة .
ما عدا انها لم تكن بسماء ، بل سقف هذه المنطقة ..
و كأنها عالم آخر تواجد تحت الأرض .
واقفين عند البوابة ، حدق كلاهما بالشارع الشاسع الذي امتد امامهما ..
مستجمعين شجاعتهم ، وضع الاثنان اقدامهما داخل ارضيتها المرصوفة بالحجارة القديمة ، و توغلا بخطوات بطيئة و ثقيلة.
هو يضع يده على سيفه بحذر ، اما هي فتمسك عصاها السحرية البسيطة .
مع كل خطوة ، كانت الهالة الغامضة التي احسا بها سابقا تزداد .. و جو خانق و مظلم يعمها .
و كأنها مدينة خرجت من كابوس ، شوارعها ضيقة ومتعرجة، وتحيط بها مبانٍ شاهقة ذات أبراج حادة ونوافذ طويلة تشبه الكنائس القوطية. في كل زاوية تقريبًا توجد مصابيح غازية خافتة تنشر ضوءًا أصفر باهتًا وسط ضباب كثيف يجعل المدينة تبدو وكأنها غارقة في الليل دائمًا.
الضباب ازداد كثافة مع كل خطوة تقدماها للامام ، و المصابيح العجيبة التي لم يفهما كيف لازلت تعمل .. لم تضئ طريقهما باي شكل من الاشكال .
كانت المدينة مليئة بالتماثيل الحجرية، الأقواس العالية، والكاتدرائيات الضخمة التي ترتفع فوق الأسطح مثل ظلال عملاقة. الأسوار الحديدية، السلالم الطويلة، والجسور الحجرية تربط بين الأحياء المرتفعة .
لكن أكثر ما جذب انتباههما ، هو كثرة الدماء المتجلطة ، التي لطخت الأرضيات و الجدران .. مرسلةً رائحة كريهة و متعفنة دغدغت انوفهما .
النوافذ و الابواب كانت مغلقة باحكام ، و كأنها تخفي اسرار من نوع ما .
من خلف تلك النوافذ المظلمة ، و الابواب الموصدة .
شعر الاثنان بعيون تراقبهما ..
و كأن المدينة كانت حية ، تتحرى قدومهما .
هي بدت مثل تحفة معمارية قديمة ، لكن رعبا كامنا قطن بها .
"لنعد .." قالها بصوت مرتجف .
لقد كان ڤيرتز ، و ليس آليكسا ... بعدما فقد كل شجاعته و اتزانه بعد التوغل لبضعة امتار فحسب داخل المدينة .
بالكاد تجاوزا الشارع الاول ، لكن رعب النظام قد نال منهما .
الساحرة الشابة أومأت عدة مرات موافقة على كلامه ، بعدما نالت كفايتها و لم تعد تتحمل التوتر .
كلاهما استدارا بوقت واحد ، يعولان على الجري نحو المخرج الذي يفترض انهما تركاه خلف ظهورهما .
فإذا بوجوههما تنقلب للرعب التام .. بعدما رأى كلاهما ما زاد الرعب بقلوبهما ..
"مستحيل .." ركض ڤيرتز ساحبا آليكسا من يدها رفقته .
كانت الصدمة بادية على وجهه ، و كيف لا تفعل ؟
"اقسم ان المخرج كان خلف ظهورنا ، و بالكاد تقدمنا بضعة امتار ." قال بصوت مرتعش ، بينما كادت تنهار رفيقته .
"اذا لماذا بحق الجحيم ... لا ارى امامي سوى الشوارع الضيقة و المباني المظلمة .. و الدم المتجلط ؟"
اختفى مدخل المدينة ، اختفى بالكامل .. و استبدل بشوارع أخرى و مباني إضافية طويلة و عالية ..
طريق العودة اختفى بالكامل ، بدا و كأن المدينة قد تغيرت و كأنها متاهة قديمة ملعونة .
"م-مالذي سنفعله الآن ؟! نحن محتجزان .." تشكلت الدموع بحواف اعين الفتاة ، اما ڤيرتز الشاب فقد حاول البقاء متماسكا من اجلها .
"هدئي من روعك ، فالمخرج لا يفترض ان يكون بعيدا .."
هو قال محدقا يمينا و يسارا ، ثم انطلق يركض بين المباني ساحبا اياها معه .
كلما عبر زاوية ، كلما مر امام نافذة او باب .
كان الاحساس بتلك الاعين التي راقبتهما من بين الجفوات يزداد ..
استمر الامر هكذا لبعض الوقت ، كلاهما يركضان بحثا عن مهرب .. لكنهما توغلا أكثر داخل المدينة بدلا من الخروج منها .
كانت ضخمة ، تمتد بلا نهاية .
ارجلهما لم تقدهما لاي ملاذ ، و كان الركض كل ما استطاعا القيام به .
لكنهما توقفا أخيرا ، عندما بلغا احد الزوايا المظلمة البعيدة ، هناك بين الازقة التي غمرتها رائحة الدم .
توقفا عندما لمحت اعينهما ، ما بدا و كأنه جثة .
لكنهما لمحا حركة طفيفة ابداها صاحبها ، ما جعلهما يتيقنان من أنه على قيد الحياة .
عند القاء نظرة عليه عن قرب ، اكشتفا انه كان رجلا .
مظهره مشوه ، يرتدي ملابس مهترئة و ممزقة .. وجهه مخفي بقبعة متسخة قديمة ، و وشاح مهترئ ملفوف حول رقبته .
"المعذرة ! هل انت بخير ؟" سأل ڤيرتز مقتربا بتردد ساحبا سيفه .
لكن الرجل لم يجبه قط .
و هذا ما جعله يقترب منه أكثر .
"لا تقترب منه ، لدي شعور سيء تجاهه .." امسكت زميلته به موقفة اياه ..
هو أومأ ردا .
"انا اعلم ، لكنه قد يكون دليلنا الوحيد بهذا المكان فلدي شعور اننا لن نجد المخرج ابدا لو تابعنا الركض دون هدف .."
بحذر ، مد ڤيرتز يده نحو الرجل محاولا ايقاظه .. او جعله يتفاعل معه على الاقل .
ببطء ، هو رفع القبعة قليلا ملقيا بنظرة على وجهه .. فإذا به ينصدم مما رآه ..
"وجهه .." همست آليكسا واضعة يديها فوق فمها ..
لقد كان مشوها ، جلده شاحب و بارد ، تملؤه الندوب و الجروح المتجلطة المتعفنة ..
فمه كان يقطر دما ، اسنانه حادة طويلة و مكسورة .
اعينه مفتوحة على مصرعيها ، حمراء قرمزية تغمرها الدماء ..
لقد كان ثابتا لا يتحرك ، اعينه لا تعكس أي وعي .
لكن و فجأة دون سابق انذار ، امتدت يده ممسكة بذراع ڤيرتز من العدم ما اثار رعبه .
الرجل عاد للحياة ، و اعينه لا تعكس شيئا سوى الجنون ..
من داخل فمه ، انبعث صراخ اجش يحمل بداخله الكراهية .. بينما انقض على ڤيرتز ..
"ابتعد! ابتعد!" هو صرخ .
"أنت غير مرحب بك هنا!"
هيجانه المفاجئ هذا باغث كليهما ، اظافره كانت طويلة و حفرت عميقا داخل ذراع ڤيرتز الذي اصدر انينا متألما .
لكنه سرعانما هاجم الرجل المتوحش بسيفه قاطعا يده ..
ممسكا بيد آليكسا و الرعب يعتريه .. هو ركض هربا والدم يقطر من ذراعه .
فإذا بوجهه يتحول الى قبر عندما رأى المزيد و المزيد من اشباه الرجل المتوحش يظهرون امامه من زاوية الشارع .
يحملون المشاعل ، الفؤوس و المناشير المتصدئة .
الامر ذاته حدث من خلفهم ، فمزيد منهم اجتاحو المكان و كأنهم استجابوا لصراخ شبيههم سابقا .
"إنهم يأتون من كل مكان !" صرخت الساحرة الشابة بينما رد ڤيرتز ممسكا بسيفه باقصى ما لديه .
"إبقي قريبة مني !!"
هو حماها من الامام ، بينما راح يتصدى لاولئك الرجال المتوحشين بكل ما لديه ..
لحسن الحظ ، هم لم يكونوا اقوياء و استطاع مجاراتهم بمستواه .
ملوحا بضراوة ، هو قاتل بشجاعة .
'يجب علي انقاذها على الاقل ، فانا السبب وراء ما يحدث الآن !!'
هو فكر بها لوهلة ، ما جعله يستدير ناحيتها ليبقيها بقربه .
فإذا باليأس يغمره .. عندما رأى الرجال المتوحشين من خلفه قد نالوا منها بالفعل ..
نصف رقبتها قد قطعت بوحشية بواسطة فاس صدئة ، و العديد منهم انقضوا عليها يعضون جسدها مثل الحيوانات .
بلحظاتها الأخيرة ، هي حدقت به .. و اعينها تعكس مشاعر عديدة .. من الخوف و الكراهية ..
خوف من تلك الوحوش .
و كراهية تجاهه هو الذي تسبب بهذا .
برؤية ذلك ، هو فقد رباطة جأشه أخيرا ما جعله يركض بعيدا متجاوزا الرجال المتوحشين ..
ركض يصرخ كالمجنون ، يحاول النجاة بحياته و من هذا المصير المظلم .
هو جرى بكل ما لديه ، يحاول مغادرة الشارع الذي عج بالوحوش .. فإذا به يتوقف عند الزاوية بعدما سمع صوتا عنيفا ، لخطى ثقيلة تقترب منه .
امامه ، ظهر وحش فظيع بدا و كأنه خرج من كابوس .
كان عملاقا ، اطل وجهه عليه من طرف المبنى .. ثم تبعه باقي جسده الضخم .
و كأنه تمثال حي ، جسده هائل بشكل غير طبيعي؛ طويل بشكل مخيف وعضلاته ضخمة لكنها مشوهة، بينما بشرته رمادية شاحبة مليئة بالندوب والعروق البارزة.
منحني الظهر قليلاً وكأنه يحمل ثقلاً هائلاً ، يرتدي ملابس ثقيلة تشبه الحراس ..
ساقه كانت مربوطة بسلسلة طويلة توجد بنهايتها كرة حديدية ضخمة بدت و كأنها استخدمت لسجنه و احتجازه .
لكن بدلا من ذلك ، هو حولها لسلاح خاص به .
هو رفعها عاليا ، فوق رأس ڤيرتز الذي بدأ يضحك بجنون .
"هاها .. فهمت ، إذا هكذا سأموت .."
*كرااااانش*
بضربة واحدة ، تم سحق جسد ڤيرتز تماما بواسطة تلك الكرة الحديدية العملاقة ..
صوت اللحم المهروس المبلل بالدم ، و العظام المتكسرة قد انتشر على نطاق واسع ..
الصياد الشاب تحول لهريسة لحم بشعة ، اما الصيادة الساحرة فقد تحولت لوليمة التهمتها تلك الوحوش .
كلاهما ماتا دون ان يتبقى منهما أي أثر .. ثم ببطء ، اختفت الوحوش عائدةً لمخابئها ، و عادت المدينة لصمتها الموحش و اجوائها المظلمة .
تنتظر زوارها القادمين ، لترحب بهم بالدم و الموت.
...
...
...
لم يمضي الكثير من الوقت ، قبل ان تنتشر الاخبار باليوم الموالي..
واقفا امام لوحة اعلانات وضعت بمنتصف مدينة آشفارن ، حدق إيثان بعبوس بذلك الخبر الذي تم نشره للجميع .
"إختفاء اثنين من الصيادين بشكل غامض اثناء بحثهما داخل الزنزانة الارثية .."
هو قرأ الخبر بصوت عال ، مدركا ان الوقت بدأ يداهمه ..
'على هذا المنوال ، سيكتشفون امر آشفارن القديمة سريعا ... و انا لست جاهزا بعد .'
حدث الامر اسرع مما توقع ، ما جعله يعيد بناء خططه بالكامل ..
"هذا غريب ، يفترض أن الزنزانة آمنة بالكامل الآن فكيف يختفيان بداخلها ؟" تساءل رايدن ، الذي كان يقف بجانب إيثان .
فرد هذا الأخير بهز اكتافه .
"لا اعلم .. ربما اضاعا طريقهما او شيء من هذا القبيل ."
هو ادعى الجهل ، بينما اشار لرايدن لكي يغادرا .
"اراك متحمسا للصيد اليوم ، هل هنالك من سبب لذلك ؟" سأله رايدن بعد الحاح إيثان عليه للخروج و الصيد ..
"اريد رفع مستواي و بلوغ الرتبة المتقدمة باسرع وقت فحسب ."
هو سابق الزمن ، فحدسه اخبره انه سيحتاج درع الهالة على الاقل إذا ما أراد الحصول على فرصة بتلك للمدينة التي دبت الرعب بقلبه .
كانت رحلة نحو المجهول لا يعلم عنها شيئا ، و لم يسعه فعل شيء حيالها سوى تجهيز نفسه قدر الامكان املا بأن يكون ذلك كافيا .