حاملا سيف منفذ الاعدام ، خرج إيثان هارت لشوارع آشفارن القديمة مرة أخرى .
كان الصمت خانقا ، و الجو كئيبا .
التفت يسارا ، ثم يمينا ... لكنه لم يجد شيئا ما جعل عبوسا طفيفا يبدو على وجهه.
"كم من الوقت بقيت فاقدا للوعي ؟"
إيثان لم يستطع تحديد المدة بشكل دقيق ، فهذه المدينة مدفونة تحت الأرض لا نهار لها و لا ليل يفيده بتحديد الوقت ، وما من طريقة لقياس الزمن .
على أقل تقدير ، إيثان أيقن من انه غاب ليوم واحد على الاقل .
هو نجا ، لكن نجاته لم تكن الامر الذي شغل باله ، بل مصير الصيادين الآخرين .
"هذه المدينة تعج بالوحوش و الآفات ، لدرجة ان بعض الاقوياء قد ظهروا بضواحيها ... فكم من الصيادين يا ترى قادرون على النجاة بهكذا وضع ؟"
تمشى إيثان بالارجاء ، دون ان يكبد نفسه عناء اخفاء نفسه بعد الآن .
احد اهدافه الحالية كانت ايجاد الصيادين الآخرين ، او ما تبقى منهم على الاقل . لكن هدفه الاساسي كان مختلفا.
ملقيا بنظرة على واجهة النظام ، هو ادرك بان مستواه الحالي متوقف عند الثامن و العشرين .
اي يفصله مستوان بعد ليبلغ الثلاثين و يضع قدمه داخل عالم المرحلة المتقدمة .
"بالحكم على ما قاسيته حتى الآن ، فدرع الهالة هو الشرط الادنى للنجاة بهذا المكان الملعون ."
اي شيء دون ذلك سيعني الهلاك ، لكن إيثان لم يكن قلقا حيال ذلك . بعد كل شيء ...
لم يكن هنالك من ميدان صيد و تدريب احسن من هذه المدينة الكئيبة .
واضعا هدفه نصب عينيه ، سار إيثان بخطوات اسرع و راح يضرب الأرض المرصوفة بالحجارة السوداء اللامعة .
سيفه كان ثقيلا ، ما جعل الضوضاء التي تسبب بها عاليةً جدا ، و نظرا للهدوء المحيط به ... الصوت انتشر لمسافات بعيدة جدا .
كانت هذه حركةً استهدفت جذب الوحوش ، و جرهم لمكانه .
هو كرر الحركة عدة مرات ، لدرجة انه لم يكتفي بخبط الأرض ، بل و طرق الابواب و كسر النوافذ ، و نادى بصوت عال باسماء رفاقه .
فعلته هذه لم تمر مرور الكرام ، فما هي سوى بضع دقائق قبل ان تتكالب الاهوال على إيثان .
من زوايا الشوارع ، و من داخل البيوت و المباني ...
اطل سكان المدينة المتوحشون الواحد تلوا الاخر محاصرين اياه من كل مكان ، بل و ظهر العمالقة ايضا يجرون من خلفهم سلاسل حديدية سوداء اللون جعلتهم يبدون كالسجناء .
برؤيتهم ، ابرز إيثان اسنانه مبتسماً بوجههم .
"ها انتم ذا ."
متخذا وضعيةً قتالية فريدة ، هو ترك سيف منفذ الاعدام يطفو امامه محركا اياه بقوة التحريك الذهني.
الهالة الحمراء من حول السيف قد كانت كثيفة جدا ، لدرجة ان الهواء حولها اصبح اثقل .
السكان المتحوشون لم يهتموا بذلك السيف المرعب اطلاقا ، فهم هاجموا فورا و رؤية فريستهم ينزف هو كل ما يشغل بالهم .
بعضهم صرخ بكلمات غير مفهومة ، و البعض الآخر راح يردد الكلمات الوحيدة التي تذكرها ..
المسافة بينهم و بينه ضاقت مع كل ثانية مرت .
"10 امتار ، تسع ، ثمان ، سبع ."
قاس إيثان المسافة مع كل خطوة خطوها اليه ، منتظرا اللحظة المناسبة. الى ان بات المسافة خمس امتار بالكاد .
عندما بلغت الفريسة المسافة المطلوبة أخيرا ، إيثان لم يعد يتردد بعد الآن .
بحركة من يده ، سيف منفذ الاعدام بدأ بالدوران ...
دار و دار قبل ان يتحول الى اعصار قاتل من الفولاذ .
تلك الزوبعة المعدنية المرعبة قد اطلقت فورا على حشد البشر المتحولين ، و كأنه قذيفة مدفعية من العيار الثقيل .
سيف منفذ الاعدام اخترق الاول و الثاني و الثالث .. و واصل المضي قدما الى ان بلغ اقصى مسافة استطاع بلوغها .
رغم ان إيثان لم يستطع اطلاقه لمسافة لا نهائية ، الا ان الضرر الذي تسبب به بمسافة محدودة قد كان مروعا .
فاجساد البشر المتحولين قد انفجرت باللحظة التي لامسو بها قذيفة الفولاذ تلك.
الاشلاء و الاطراف المبتورة و اللحم المهروس قد تطايروا بكل مكان ، و سرعانما زادت ارواح إيثان كثيرا دفعة واحدة بعد قتله لعشرات الوحوش بهجوم واحد .
لكن إيثان لم يكتفي بضربة واحدة ، و سرعانما انقض على الناجين معيدا سيفه الى قبضته .
مستخدما قوة التحريك الذهني لزيادة زخم و قوة ضرباته ، هو كان يقطع الوحوش بضربة واحدة بكل مرة .
رغم انه لم يستطع تطبيق اسلوب السيف الذي علمه إياه آستيريون هارت نظرا لوزن السيف العالي ، و اكتفائه بالضربات الوحشية الخالية من المهارة ، الا ان إيثان كان لا يزال قادرا على ابراز قدر مهول من القوة و التأثير .
اسلوب قتالي مختلف مباشر اعتمد على القوة الغاشمة ولا شيء سواها .
لكن الكثرة تغلب الشجاعة ، و سرعانما تمت محاصرته رغم قتله لكل من كان يقترب منه .
العملاقة اقتربوا ايضا ، و إيثان علم جيدا انهم كانوا الخطر الاعظم ، لذلك لم يجرؤ قط على القتال من الامام و لعب بخبث .
مستخدما حبل الخطاف ، هو اطلقه من خلال ذراع الفيلق الآلية خاصته متسلقا سطوح احد المباني ، ثم اندفع على الفور بعيدا يلوذ بالفرار من ساحة المعركة .
السكان المتحوشون طاردوه ييأس محاولين ادراكه ، لكن ذلك بات امرا مستحيلا الآن بعدما استعاد إيثان لياقته كفارس . بل و كان افضل بالهرب من القتال .
و بعد مطاردة طويلة ، كانت الوحوش تستسلم بالنهاية ، و يغادرون فاقدين الامل من ايجاده .
في تلك اللحظة بالذات ، كان إيثان يخرج من العدم مهاجما اياهم من جديد ، يقتل اكبر عدد ممكن مستفيدا من غفلتهم .
سيف المنفذ الاعدام قد ازداد احمرارا من شدة الدماء التي سفكها ، و كمية الدم المسكوبة باتت اكبر و أكبر ، دماء سينتهي بها الامر متجلطةً مثل تلك التي سبقتها .
بعد قتل الكثيرين ، كان إيثان يتعرض للحصار مرة أخرى ، فيهرب من جديد و تبدأ مطاردة أخرى .
مطاردة تدوم أحيانا لساعة كاملة ، لكن دون جدوى . فهو كان اشبه بالعنكبوت عند استخدامه لحبل الخطاف ذاك و لم يكن من الممكن للسكان المتحولين بلوغه قط .
تكتيك الكر و الفر هذا تكرر عدة مرات .
لدرجة ان إيثان كان يفعلها من 5 الى 6 مرات بشكل متتالٍ قبل ان ينال من جسده التعب .
تعب سرعانما يزول بفضل الجسد الشيطاني شديد التحمل .
"هذه هي بيئة الصيد المثالية التي لطالما حلمت بها .."
مختبئا بزوايا احد المباني المهجورة ، منقوعا بالدم و القذارة ... ضحك إيثان عندما راى كمية السولز التي جمعها .
بليلة واحدة ، زاد مستواه للتاسع و العشرين ..
و بات على بعد تطويرة واحدة من الاختراق .
لوهلة ، نسي إيثان كل رفاقه الصيادين و بات رفع المستوى همه الوحيد .
لكن النجاح بخطته املى عليه التكيف مع البيئة الصعبة التي تواجد بها حاليا .
مدركا انه ينام بين الوحوش ، و بقرب الخطر منه ... هو بدأ يدرب نفسه على كيفية النوم دون ان يخسر يقظته .
قلل ساعات الراحة و النوم قدر الامكان ، معتمدا على جسده الشيطاني ليعوض الطاقة المهدورة ، و بدا يصطاد كالمجنون .
هو خسر احساسه بالوقت كليا و لم يعد يعلم ما إذا كان ليلا او نهارا بالخارج ، فبات ينام عندما يشعر بالتعب فحسب بما ان ساعته البيولوجية لم تعد تعمل بشكل صحيح .
و مر اليوم الاول ، ثم الثاني من بعده ، و الثالث ..
و ظل إيثان على نفس الحال ، يكرر حرب الفر و الكر على الوحوش ، و يقتل اقصى و أكبر عدد يقدر عليه بكل مرة .
رغم نجاح الخطة ، إلا انه اصطدم بمشكلة عويصة جعلت مجهوده يحقق نتائج اقل من المرجو ..
"اولئك السكان المتحوشون ... انهم لا يعطون الكثير من الارواح .."
بعد صيد نفس الوحوش مرارا و تكرارا ، ما عدا ببعض الحالات النادرة حيث اصطاد العملاقة ...
وجد إيثان ان كمية الارواح التي حصل عليها منهم لم تكن بالكبيرة ، بل اقل بكثير مما توقع ما جعل عملية رفع المستوى تاخذ وقتا اطول بكثير .
تحركاته كانت محصورة بالكامل على المنطقة ذاتها ، و لم يجرؤ قط على التعمق داخل المدينة خوفا من ظهور وحوش لا يقدر عليها .
لكن و نظرا للنتائج الحالية الضئيلة ، هو بدأ يفكر جديا بالتعمق أكثر .
عائدا الى احد المباني التي اتخذها مخبأً ، هو بدأ يراجع خطواته ، و يخطط للقادمة .
"بعد الصيد لعدة أيام بالمنطقة ذاتها ، بت على دراية تامة بارض الصيد خاصتي. "
بالضواحي ، كانت الوحوش السائدة هي السكان المتحوشين الضعفاء ، و العمالقة الاشد قوة لكن عديمي العقول . بالإضافة الى مصاصي الدماء الذين نادرا ما يظهرون بالعراء .
من حين لآخر يظهر مخلوق جديد أكثر قوة بكثير مثل ذلك الوحش الذي يكسوه الفراء من يومه الاول .
لكن هذا النوع من الوحوش كان حالة شاذة و نادرة لا يأتي امثاله لهذه المنطقة كثيرا .
"هذه هي الضواحي ، و مجرد البداية لزنزانة إرثية هي احد الاكبر على الاطلاق ، لدرجة انني لم ارى الكثير من الزنازن الاكبر منها رغم كل ساعات اللعب التي امضيتها داخل هذا العالم .."
إيثان اصبح على دراية بأين تتواجد المناطق الاعمق من المدينة ، و اكتشف ان الخروج غير ممكن بالطرق العادية مهما حاول الركض بالاتجاه المعاكس ..
بعد عدة ايام ، هو وجد موارده تنفذ بسرعة و بات مجبرا على اكل لحم بعض الوحوش من حين لآخر لتفادي الاستنزاف و الجوع .
الظروف بدأت تصبح اصعب و اصعب ، لكن إيثان قرر الصيد لوقت اطول بعد بالضواحي .
هو كان يبحث عن صيادين اخرين من حين لآخر ، لكنه لم يجد ايا منهم ... لم يجدهم احياء إذا ما صح التعبير .
"من حين لآخر ... كنت اصطدم بجثث البعض ، مشوهين و مبعثري الاشلاء ، و اخرون مقطوعي الرؤوس .."
"رؤوسهم موضوعة على رماح حملها اولئك السكان المتحوشون ... لكنني لم ارى ايا من افراد فرقتي ، ما يعني انهم قد تعمقوا داخل المدينة بالفعل ..."
الاقوياء كانوا يحاولون قهر اقوى الوحوش داخل المدينة و ايجاد مهرب على الارجح .
لكن إيثان لم يكن مستعجلا باللحاق بهم .
حاملا سلاحه سيف منفذ الاعدام ، هو خرج من المبنى الذي إختبأ به و ذهب للصيد مرة بعد .
الى ان يبلغ المستوى الذي اراده ، و القوة التي سعى خلفها .. هو قرر البقاء بعيدا و الصيد لوحده ... عازلا نفسه عن العالم بالكامل .