"لا معنى لما تقول .. فالمحرقة حدثت منذ مئات السنين على الاقل.." قال رايدن مكذباً ..
لكن جاكسون اكد كلامه .
"اجل ... لقد مرت مئات السنين ، سنين قضيناها حبيسين هنا داخل هذه المدينة ."
عم الصمت من بعد هذا .
صمت استمر لدقيقة كاملة ، قبل ان يفتح إيثان فمه طارحا سؤالا جذريا ..
"جاكسون ، كم عمرك ؟"
سؤال ، حمل اجابةً صادمة .
"لا نهار و لا ليل بهذا المكان ، لذا لم تكن لي من طريقة لحساب الوقت و الزمن بشكل صحيح ، فرحت انقش الايام و اسجلها بالحائط ."
اشار جاكسون لجدران الزنزانة ، فإذا بايثان و رايدن يدركان أخيرا مالذي عنته كل تلك الخربشات و النقوش الكثيرة ..
"بمرحلة ما ، لم اعد اقدر على تسجيل الايام لان جدران الزنزانة امتلأت بالكامل ، فخسرت العد بالكامل .."
"لكنني مؤمن ، بأنني تجاوزت قرني الرابع قبل بضعة اشهر ."
"4 قرون ... 400 سنة ؟!!"
صاح كل من رايدن و إيثان بوقت واحد ، غير قادرين على استعاب ما سمعوه للتو .
"هذا مستحيل ! البشر العاديون لا يستطيعون العيش كل هذا الوقت !"
يقال ان بعض الوحوش الذين تجاوزوا مرحلة الإمبراطور قادرون على العيش لمئات السنين نتيجةً لتطور اجسادهم لمراحل متقدمة جدا .
لكن الماثل امامهم و رغم قوته ، الا انه لم يكن بالشخص الذي بلغ مستوى الإمبراطور .. فحتى العجوز آستيريون لم يفعل .
و هذا ما اكده جاكسون بنفسه .
"انها المدينة يا فتى ، هذه المدينة هي السبب ."
قال جاكسون ، بينما تبددت ابتسامته .
"هذه المدينة تحولت لزنزانة إرثية اشبه بالمتاهة ، و القيت عليها تعويذة تجعل كل من فيها لا يشيخون ، ولا يكبرون ."
"الزمن كان يمضي ، لكن هذا الجسد لم يندثر و لم يتحول لغبار مهما مر الزمن ."
"العائلة الحاكمة آردين حرقوا هذه المدينة للتخلص من الوحوش ، لكن اعداد الهارت البشريين وقتها كانت تفوق اعداد الوحوش بكثير ."
"نحن احترقنا حتى الموت ، رفقة تلك الوحوش التي غزت ديارنا ، و اتعلم ما المثير للسخرية بالامر ؟"
"الوحوش لم تمت بالكامل ، بل ظلت على قيد الحياة و استمرت اللعنة بالتفشي محولةً الهارت الموتى لوحوش لا تزيل تهيم بالشوارع الى يومنا هذا ."
كمية المعلومات التي ذكرها جاكسون كانت كثيرة ، و جعلت إيثان يدرك ان الوضع اسوء مما كان يعتقد .
"لماذا ... لم تقوموا بتطهير المدينة ؟ يفترض بان ينتهي كل شيء بهزيمة الزعيم المسؤول عن الزنازن الارثية ."
ردا ، ضحك جاكسون بسخرية .
"اتظن اننا لم نحاول ؟"
عبس إيثان أكثر ..
"لقد حاولت انا و فرقتي ، كنا الاقوى و جميعهم كانوا مساويين له ، اتعلم مالذي حدث ؟"
ضحك جاكسون بخفة .
"ماتوا ، لقد ماتوا جميعا و كنت انا الناجي الوحيد بفضل هذا الجسد القادر على التحمل أكثر مما يفعل سائر البشر ."
"إسمعني جيدا يا إيثان هارت ، انت مميز لدرجة انني لم ارى شخصا يشبهك من قبل ، لهذا السبب ساعدتك ."
"لكنني انصحك باستسلام ، فلا فرصة لك لتنهي هذه الزنزانة الارثية ."
محدقين ببعضهم البعض ، ابتلع إيثان ريقه و لعابه دون وعي .
"الهذه الدرجة .. زعيم الزنزانة قوي ؟"
إذا لم تكفي فرقة تضم جاكسون و عدة أشخاص مثله ... فكم تبلغ قوة هذا الوحش الذي استطاع هزيمتهم ؟
لكن ما قاله جاكسون تاليا لم يزد إيثان سوى حيرة .
"قوي ؟ بالعكس ... انه ضعيف جدا ."
"ماذا ؟" سأل رايدن و العبوس باد عليه بعدما رأى تناقضا بكلام جاكسون .
لذا قام هذا الأخير بتوضيح كلامه .
"زعيم هذه الزنزانة الارثية ضعيف ، لكنه يملك قدرة قوية جدا .. هذا كل ما في الامر ."
"ما هي قدرته ؟" سأل إيثان فضولا .
"التلبس ." قال جاكسون ، و فجأة ... فهم إيثان كل شيء .
"من بعد فشل المحرقة ، تولى الهارت امر التعامل مع بقايا الكارثة بانفسهم ، و كذبوا على عائلة آردين قائلين ان المحرقة قضت على كل الوحوش ."
الهارت بذلك الوقت استخدموا نار اللورد ڤاسل ، و قاموا بجعل نصف المدينة المحروق يسقط تحت الأرض لاخفاء ما كان يحدث عن العالم .
"و لانهاء كل الوحوش .. تم ارسال فرقة صيادين ، تضم الصياد الاقوى على الاطلاق بذلك الوقت ."
"فارس الفجر الذهبي ... الرجل الذي لم يفشل باصطياد وحش قط ."
بمجرد ذكره لهذا اللقب ، اضاءت اعين رايدن .
"سمعت بهذا الاسم من قبل .. انه احد اساطير العشيرة الذي قيل انه اقترب كثيرا من مستوى الابطال القدماء ."
"اجل ، لقد فعل " قال جاكسون ، قبل ان يعيد انتباهه لايثان .
"فارس الفجر الذهبي حاول تصفية الزنزانة ، و ذهب لقتال الزعيم . لا حاجة لشرح الباقي اليس كذلك ؟"
جاكسون اعطى ما يكفي من التلميحات ، و إيثان فهم بالفعل ما حدث ، ما جعله يشد قبضته بدون وعي منه و التوتر يعتليه .
"ذهب لقتال الزعيم ، فاصبح هو الزعيم .."
"اللعنة .."
لعن إيثان ، ممسكا وجهه بيده .
الموقف كان اسوء بكثير مما اعتقد . هو تذكر ذلك الفارس الذهبي الذي هزم ماثيوس بسهولة تامة ، و ادرك على الفور انه هو المقصود بكلام جاكسون .
إذا ما كان ذلك الفارس هو الزعيم النهائي ، فهذه كارثة بكل المقاييس .
"نحن بحاجة لتدخل الشيوخ ... لا ، بل آستيريون العجوز بنفسه ."
قال إيثان ، متخليا عن فكرة قهر الزنزانة بنفسه بالكامل ، بعد كل شيء ، لم تكن هنالك من خطة تستطيع جعله يتعامل مع وحش تتجاوز قوته مستوى الملك بكثير .
رايدن الذي سمع ما كان يدور قد فهم ما كان يجري بدوره .
"أتفهم كلامك ، فلو كان الخصم هو فارس الفجر الذهبي فتلك كارثة حقيقية ، لكن الشيوخ لا يستطيعون القتال بالاراضي الملعونة لانهم سيتحولون لوحوش لو فعلوا ذلك !"
في حال دخول آستيريون و الاخرين مثل كيفين هارت ، فهم لن يصلوا لغرفة الزعيم من الأساس ، بل سيتحولون لوحوش بمنتصف الطريق .
دون ذكر انه لم تكن هنالك طريقة للتواصل معهم من الأساس ..
"افهمت الآن يا فتى ؟ افهمت لماذا افضل البقاء بهذه الزنزانة ؟"
قال جاكسون محدقا بسقف حبسه البارد .
"انا مجرد جبان يخشى الموت ، جبان فضل العيش بعيدا دون القيام باي شيء ."
في البداية ، كان لدى جاكسون امل بان المساعدة ستأتي .
لكن امله هذا بدأ يختفي مع مرور السنين ، و بات في النهاية مجرد وحش اسير يقاتل لارضاء الوحوش و لتقديم العروض .
رؤيته لايثان سابقاً و هو يبرز تلك القوة المذهلة حركت شيئا ما بداخله ، لكن هذا كل شيء .
فلازال اليأس قائما ، و ما من طريقة لقهر الزنزانة الارثية التي تعج بالوحوش القوية ، و زعيم نهائي خارق القوى ، خالد لا يموت بالعمر .
آشفارن القديمة تطورت كثيرا لتصبح زنزانة اسوء مع كل سنة تمر ، لدرجة ان نيران اللورد ڤاسل لم تعد قادرةً على كبحها تحت الأرض .
"إذا ما استمر هذا ، ستعود المدينة للاعلى و تتوسع لتبتلع اشفارن الجديدة ايضا .."
قال إيثان ، مفكرا بالاحتمال الاسوء .
لو حدث ذلك ، سيكون العالم على موعد بظهور احد اسوء الزنازن الارثية بالتاريخ .
"علينا فعل شيء ما لمنع ذلك .. قبل فوات الاوان ."
"كيف ؟" سأل جاكسون ساخرا .
"نحن لا نستطيع هزيمة فارس الفجر الذهبي ، و من طريقة كلامكم .. اظن ان احد الصيادين بالخارج يقدر على قتاله ، لكنكم لا تستطيعون التواصل معه من الأساس ، و حتى لو دخل .. سيتحول لوحش مشابه او اسوء من فارس الفجر الذهبي."
"ما من طريقة لنفوز بها يا إيثان ."
قال جاكسون ، فاتحا اعينه الشبيهة بالافاعي قليلا .
"لا خيار امامنا سوى الانتظار ، الى ان تتحول هذه لكارثة تهدد القارة ، و يرسلوا مقاتلا من فئة إمبراطور ... او احد الذي بلغوا مستوى God لانهاء الامر ."
رايدن انتصب من مكانه فور سماع هذا ، و الغضب باد على وجهه .
"سيكون الهارت قد ابيدوا جميعا بحلول الوقت الذي سيتحقق به شيء كهذا !!"
كان ما قاله جاكسون للتو هو السيناريو الاسوء ، لكن الوحيد الممكن بنظر شخص مثله قضى مئات السنين ينتظر بدون هدف.
"إهدأ يا رايدن ، فهو على حق ."
قال إيثان ، الذي بدا أكثر هدوءا مشيرا لرادين لكي يجلس مكانه مرة اخرى .
"اانت جاد الآن ؟ اتخبرني ان نبقى هنا دون فعل شيء ، نتعفن داخل هذه الزنازن ؟!"
صد صراخ رايدن انتشر بكل مكان ، و سمعه تشاي و آليسيا و عدة صيادين اخرين كانوا ينصتون للمحادثة و الرعب باد على وجوه معظمهم . ازاء ما سمعوه .
إيثان حافظ على رباطة جأشه رغم ذلك ، و رغم صراخ صديقه .
"لم اقل ابدا أننا يجب ان نرضى بالوضع الحالي ، لكن الانفعال هكذا لن يغير شيئا ."
"ما قاله جاكسون قد يكون غير مقبول بالنسبة لك ، لكنه واقعي لرجل قضى كل هذا الوقت ينتظر دون ان يتغير اي شيء ."
"لكنني لن انتظر الى ان يحدث ذلك ، فلابد من وجود طريقة .."
بسماع الجزء الأخير ، اضاءت اعين جاكسون قليلا .
"و ما هي هذه الطريقة بالضبط ؟"
و عم الصمت من بعد هذا السؤال .
لان إيثان ، لم يكن يملك اي خطة ، او طريقة لقلب الوضع .
"قل شيئا يا إيثان ." حدق رايدن به بيأس ، يمني النفس بأن يكون لدى صديقه الغريب حل ما .
لكن إيثان نهض من مكانه بصمت ، مغادرا الزنزانة امام اعينهم .
"أريد بعض الوقت بمفردي رجاءا ، سنتحدث حول خطوتنا القادمة بعد ذلك ."
"إيثان .."
امام اعين رايدن و جاكسون ، غادر إيثان بصمت ، متجاوزا الجميع و اختلى بنفسه داخل احد الزانزن البعيدة .
بكل وضوح ، هو لم يكن يملك حلا لهذه المعضلة ، ما جعل اليأس ينال من معظم الحاضرين .
برؤية هذا ، ضحك جاكسون ساخرا .
"انظروا الى انفسكم ، تنهارون فور رؤيتكم اياه عاجزا ، اانتم مجرد دمى لا تستطيع الحركة دون ان يحركها ذلك الشاب ."
"ماذا ؟" استدار رايدن ناحية جاكسون و الغضب باد عليه ، لكن الرجل العملاق واصل كلامه باصقا الحقائق بوجهه و بوجه كل الصيادين الموجودين .
"كان الامر نفسه سابقاً عندما كنتم مسجونين و ملعونين ، اعتمدتم عليه بالكامل طامعين ان يقوم بتحريركم ، و كأنه اله او ما شابه "
ما قاله جاكسون كان قاسيا ، لكن حقيقيا .
"ذلك الفتى قادر حقا ، و موهوب ، لكنه ليس منيعا ، سيصطدم من حين لاخر بمواقف كهذه حيث يجد نفسه امام طريق مسدود ."
"طريق مسدود سيضطر لمحاولة تجاوزه بمفرده ، لان الأشخاص من حوله بلا قيمة لا يستطيعون التفكير بمفردهم حتى ... ياللسخرية "
ضحك جاكسون بصوت عال ، مستفزا رايدن أكثر و أكثر ، لدرجة ان هذا الأخير هاجمه بتعير ملتوي على وجهه عندما لم يستطع الانكار .
لكنه نسي ان الماثل امامه هو وحش يختبئ تحت جلد بشري .
جاكسون طرحه بضربة واحدة جاعلا إياه يعض الارض بسهولة تامة ..
ما حدث جعل تشاي و آليسيا يدخلان مباشرةً مستعدين للقتال ، لكنهما لم يجرآ على الهجوم بعدما اطلق جاكسون نية القتل الخاصة به ، مجمدا اياهم مكانهم .
"انا أشعر بالاسى على ذلك الفتى ، لاضراره الى القتال بوجود امثالكم معه ."
"ذهابه بعيدا و اختلاؤه بنفسه الآن ليس سوى خير دليل ، انكم لستم سوى عائق امامه ."
"يالكم من عديمي فائدة ."
ببطء ، خرج جاكسون من الزنزانة .
"انا لوحدي سأكون أكثر من كاف لتغطية مكانكم جميعا و زيادة ."
جاعلا اياهم يواجهون الواقع ، مذكرا اياهم بأن ذلك الشاب المسمى إيثان ليس سوى فرد واحد بشري كان منذ زمن ليس ببعيد لا لا يقدر على القتال حتى ..
خرج جاكسون و ذهب بمفرده هو الآخر .
إيثان هارت كان مميزا ، و حقق المعجزات الواحدة تلوا الأخرى امام اعينهم جميعا ، ما جعلهم يتوقعون المزيد منها بكل مرة .
الى ان بدأوا يعتمدون عليه أكثر مما يجب .
و الان بعد مواجهتهم لموقف حتى إيثان لا يستطيع حله .. بات الجميع جامدين مكانهم .
كان الموقف يائسا حقا ..
...
...
...
بعيدا عن الحلبة ، و بداخل المناطق العميقة من آشفارن القديمة .
كان بقية الصيادين يقاتلون بضراوة مع كل ساعة تمر .
الفرقة الاولى الاقوى بقيادة غوستاڤ هارت كانت لا تزال حرة طليقة ، و قد انضم لهم كل من مون هارت و لونا اللتان افترقتا عن فرقتهما الثالثة .
نتيجة لذلك ، يمكن القول ان فرقة الصيادين الحرة قد كانت اقوى بكثير من تلك التي احجتزت داخل الحلبة .
غوستاڤ هارت كان فارسا هائلا بلغ مستوى النخبة ، و تدفق درع الهالة الخاص به قد كان اقوى بكثير من اولئك في الرتبة المتقدمة .
حاملا سيفا عظيما تجاوز طوله المترين ، كومة من الحديد المنصهر ، هو كان يقطع الوحوش لانصاف بضربة واحدة بكل مرة .
متبوعا باثنين من فرسان فرقته بالإضافة لمون هارت معهم ، هم شقوا طريقهم بالقوة من خلال سيوفهم .
مون هارت بشكل خاص كانت موهوبة جدا ، فنار العنقاء اشتعلت معززةً درع الهالة الخاص بها مانحةً اياها قوة إضافية ، كما اشعلت النار بسيفها .
هي استخدمت السحر أيضا بالوقت ذاته ، ما جعل منها مقاتلةً شاملة قادرةً على أي شيء .
فرقة الفرسان هذه قد كانت مدعومةً من السحرة و القناصين من الخلف .
خصوصا لونا هارت ، التي اطلقت التعاويذ السحرية دون توقف نظرا لقدرتها على ملئ مخزون المانا لديها كلما اوشك على النفاذ .
كرات نارية عملاقة حرقت الوحوش محولةً اياهم لرماد .
صواعق من برق شديدة السرعة باغثت بها كل من حاول الاقتراب ، حتى انها تلاعبت بطبيعة الأرض من تحت اقدامهم ، محولةً ايها لوحل علقت به الوحوش ما سهل على الفرسان عملية قتلها .
مثل اختها تماما ، كانت لونا صيادةً قادرة و موهوبة بشكل مجنون ، لدرجة ان الفرقة الاولى شعرت و كأن الصيد اصبح اسهل بعدة مرات رغم قوة الوحوش ضدهم .
ببطء ، لكن بثبات .. هم كانوا يقتربون من الاعماق ، حيث تواجدت اعتى الوحوش بالانتظار .