بعد معركة طويلة و مديدة ، تمكن الصيادون من النجاة ليوم آخر .

لكنها لم تكن سوى معركة واحدة من حرب لا نهاية لها ...

فالصيادون وجدوا نفسهم يخوضون المعارك الواحدة تلوا الأخرى دون توقف منذ بلوغهم للمناطق العميقة من آشفارن القديمة .

هم ابلوا حسنا ، و فازوا بطريقة ما حتى الآن بعشرات القتالات المميتة التي خاضوها ، بفضل قوة الفرقة الاولى ، و مساعدة اقوى الناجين من الفرق الاخرى التي تبعثر اعضاؤها .

رغم فوزهم المستمر ، الا ان الحالة المعنوية لمخيم الصيادين لم تكن بالجيدة .

فهم بدأوا يفهمون أخيرا الطبيعة الحقيقية للزنزانة الارثية التي وطأتها اقدامهم .

من زوايا الشوارع ، من اعماق المباني ، كلما تعمقوا أكثر ، كلما ظهرت وحوش اقوى من التي سبقتها ضدهم . بالتالي بدأ الناجون بالتساءل حول ما إذا اخطؤوا بتقدير مدى خطورة آشفارن القديمة ، و ما إذا كانت قواتهم الحالية كافية لتصفيتها .

باعماق المدينة ، تم وضع مخيم الصيادين الناجين داخل احد المباني المحصنة جيدا ، و اخذت فرقة الصيادين الاولى الدور القيادي .

بصفتهم الرقم واحد بين الصيادين ، هم كانوا اقوياء حقا .

قائدهم غوستاف هارت كان فارسا مخضرما بلغ مستوى النخبة ، و اعتمد على القوة الغاشمة عن طريق التلويح بسيف عظيم ضخم بالكاد يستطيع احد من الصيادين الآخرين حمله سواه .

ما عدا غوستاف ، كان هنالك اثنان من الفرسان الآخرين .

احدهما شاب بملامح حادة ، و جسد نحيل جعله اشبه بالمغتالين ، كان اسمه آندرو هارت . فارس يعتمد على الخفة بالحركة ، سلاحه سيف خفيف يستخدمه للطعن و الفتك باعدائه من نقاط عمياء .

آندرو كان المسؤال عن المراقبة بالمخيم ، نظرا ليقظته و سرعة بديهته .

غيره ، تواجد فارس آخر بالرتبة المتقدمة ، ضخم الينية بطول يقارب رايدن ، يرتدي درعا ثقيلا و يحمل سيفا عظيما مشابها لذاك الذي يستخدمه قائده .

كان يلقب ب هينري الكبير ، غليظ الراس لكن يعتمد عليه بالقتال ، و كثيرا ما يلازم قائده غوستاف .

فرقة الصيد الاولى احتوت على سحرة ايضا ، و قناصين موهوبين .

اثنان منهما اناث ، إيستر هارت و آشا ... الاولى ساحرة و الاخرى قناصة . و كلتاهما بالرتبة المتقدمة بطبيعة الحال ، بالإضافة لساحر ذكر متبلد التعابير متشائم و له مزاج مشابه لآليسيا ..

غراهام هارت ، السحر الجبان كما يلقب .

كان هؤلاء الستة هم الاعضاء الرئيسيين للفرقة الاولى التي قادت المعارك حتى الان ، و انضمت اليهم كل من حاملة بركة العنقاء مون هارت من الفرقة الثالثة .

و اختها الصغرى ، لونا هارت العضو المؤقت من الفرقة ذاتها .

بالإضافة لبضع صيادين اخرين جاءوا من فرق اخرى مثل الرابعة و الخامسة ، و السابعة .

كانوا اقوياء ، لكنهم بدوا متعبين و مرهقين من كثرة الصيد و سفك الدماء . فبعد شهر كامل من القتال و محاولة التوغل ... هم بداوا يصلون حدودهم خصوصا بعد اختفاء العديد منهم بعض التعرض لهجمات الوحوش التي تحمل الاكياس .

الصيادون باتوا يختطفون ، و الموت قد لا يكون النتيجة الاسوء بعد الآن .

هذا فرض ضغطا نفسيا إضافيا غير الاعياء الجسدي ، ما لم يزد سوى من صعوبة المهمة .

داخل المخيم المتهالك الذي اصبح ملجأً لهم .

كانت مون هارت ، الصيادة الموهوبة تريح اعينها متكٱة على الحائط ، تعانق سيفها الحبيب .

درعها المتألق ملأته الكسور و الخدوش بعد القتال في الجبهة لوقت طويل ، و رغم ان جسدها لم يحمل اي اصابات بفضل علاج بركة العنقاء لها .. الا انها استنزفت بدورها .

هي كانت نصف نائمة ، حالة اجبرت نفسها على تعلمها لكي تظل يقظة دوما في حال قدوم اي خطر . او اقتراب اي احد منها.

و هذا ما اثبت فعاليته ، عندما دخلت شابة أخرى الى الغرفة التي شغرتها مون بمفردها .

مون فتحت اعينها النارية فورا ، لتجد امامها احد الصيادين القلائل ذوي الشعر الاسود ... اختها لونا .

هذه الأخيرة بادرت بالاعتذار فورما التقت اعينهما .

"آسفة ، هل ايقظتك ؟"

ردا ، هزت مون راسها نافيةً ..

"لا ، كنت اريح عيني لا غير ."

مون نهضت ببطء ، و جلست مع اختها بمنتصف الغرفة ..

"لنأكل معا ، فقد احضرت بعض الطعام ."

لونا كانت حمل طبقين ، كلاهما يضم بعض اللحم الذي حاولت لونا طبخه و قطعه بافضل شكل ممكن يجلعه قريبا من شكل الطعام العادي .

لكن لحم الوحوش لم يكن سهل الاخفاء ، خصوصا تلك الرائحة القوية التي تظل عالقةً به دوما .

بعد شهر كامل عالقين بالمدينة ، كانت مؤن الصيادين قد نفذت تقريبا ، و باتوا يقتاتون على لحوم الحيوانات المتوحولة ، بينما يتفادون لحم البشر المتحولين قدر الامكان .

مون اكلت دون تردد و دون شكوى ، لحم الوحوش كان قاسيا صعب المضغ ، رغم ذلك ... هي وجدت نفسها متفاجئة من مذاقه ..

"مالامر ؟ اهو سيء المذاق ؟" سألت لونا بينما امالت راسها ، منتبهةً فورا لرد فعل اختها .

مون نفت فورا ، بينما رفعت ملعقة حملت ذاك اللحم المتصلب .

"انه العكس تماما ... انا متفاجئة من قدرتك على جعله بهذا المذاق ، و كأنه لحم عادي ..."

"حقا ؟ ... كل ما فعلته هو استخدام البهارات القليلة التي جلبتها معي بالإضافة لبعض الاعشاب و ما الى ذلك .."

برؤية اختها تعدد المكونات ، ابتسمت مون بلطف بينما واصلت الاكل .

"إتضح ان السحر ليس بموهبتك الوحيدة إذا ."

"انت تبالغين .."

ضحكت لونا بخفة ، قبل ان تأكل طعامها هي الأخرى و يمضي الاثنان وقت وجبتهما بصمت .

صمت امتد بضع دقائق ، بينما ضاعت كل اخت داخل افكارها ، اعينهما التي عكست تعبا تحدق بالارضية المبلطة من تحت اقدامهما .

و سرعانما كسرت الاخت الصغرى الصمت ..

"هل هم بخير يا ترى ؟ اعضاء الفرقة الآخرين الذين تعرضوا للاختطاف .."

"انهم اقوياء ، و لن يموتوا بسهولة ." ردت مون ، متمسكةً بالامل رغم ان كل الدلائل اشارت الى انهم موتى على الاغلب .

لكنهم كانوا اعضاء فرقتها الغالين الذين لم ترد ان تخسرهم ، رايدن ، تشاي ... و آليسيا .

ثم هنالك العضو الرابع الذي لم تسمع عنه شيئا منذ دخولهم الى المدينة القديمة .

هي لم تعلم ما إذا كان حيا ، او مات بمكان بعيد دون يعلم عنه احد كما حدث للكثيرين غيره .

"انا بحاجة للحديث مع قائد الفرقة الاولى .." قالت مون بحزم ..

"لانني لا اعتقد باننا قادرون على تصفية هذه الزنزانة بقواتنا الحالية ."

أومأت لونا متفقةً مع هذا الاستنتاج .

"لقد دخلنا لهذه المدينة واضعين بالبال ان الزعيم الاخير بها سيكون بمستوى ملك باسوء الاحوال .."

"لو كان ملكا ، ستتطلب هزيمته فارس النخبة غوستاف و معه 15 مقاتلا بالمستوى المتقدم على الاقل .."

و حتى بهذه الاعداد ، سيكون انتصارا صعبا بالكاد قد يبلغونه بعد موت الكثير منهم .

لكن التحديات التي واجهتهم كلما تعمقوا بالمدينة ، قد جعلت مون و لونا تؤمنان ان العدو الاخير قد يكون اقوى بكثير مما يعتقدون .

فالوحوش التي ظهرت بالاعماق قد تجاوز الكثير منها المستوى المتقدم ، و بلغوا مستوى النخبة ما تطلب تعاونا من 3 صيادين للاطاحة باحدهم .

"على هذا المنوال ، نحن سنموت جميعا قبل ان نبلغ زعيم هذه المدينة .. بدلا من الموت دون هدف ، افضل لو نركز على ايجاد الصيادين المختطفين ، ثم نحاول ايجاد حل للخروج من هذه المتاهة و ابلاغ الشيوخ بالخارج .."

أومأت لونا متفقةً تماما مع هذه الخطة .

"اظن ان هذه هي الخطة الانسب و الاكثر واقعيةً بموقفنا الحالي ."

"لنذهب و نعرضها على الفرقة الاولى اذا."

بعدما حسمت الاختان قرارهما ، مدركتين بان مواصلة التوغل لن تقود سوى لموتهم جميعا .. ذهبت كلتاهما نحو غوستاف هارت املا بجعله يصادق على فكرتهما .

آشفارن القديمة لم تكن بالزنزانة العادية كما ظنها الهارت .

فوفقا لجاكسون ، الصياد القديم الذي ظل اسيرا لمئات السنين .. آشفارن القديمة تطورت لكابوس حقيقي على مر السنين .

بحيث ان ما يشبه التعاويذ قد القي عليها ..

الاولى جعلتها اشبه بالمتاهة اللانهائية ، فبمجرد دخول المدينة ، لن يستطيع احد الخروج منها الا في حال تحقيق شيء ما لم يكن جاكسون يعرف ماهيته ..

لربما شرط لن يتحقق الا بهزيمة زعيم المدينة .

التعويذة الثانية جعلت كل من يعلقون داخل المدينة لا يشيخون ولا يكبرون بالعمر مهما مر الزمن ، و كأن مفهوم الوقت قد سلب منهم .

المدينة مقسمة لثلاثة مناطق رئيسية .

الضواحي ، حيث يتواجد اضعف الوحوش الذين قضى إيثان شهرا كاملا يصطادهم .

ثم الاعماق ، مكان تظهر فيه وحوش اقوى ، و هي المنطقة التي تواجدت الحلبة بها على نهايتها ، و قاتل بها الصيادون الاخرون ايضا .

ثم هنالك الكاتيدرائية القديمة ، مبنى ضخم يشبه القلعة ، و يقال ان اسوء الوحوش تعشش هناك ، بينما ينتظر الزعيم الاخير باعمق غرفها و اكثرها فظاعةً ..

كان هذا القدر من الاهوال يفوق طاقة الصيادين الذين تم ارسالهم بشكل واضح .

و حتى اولئك الموجودون بالخارج قد بدأوا يتيقنون من وجود خطب ما .

امام بوابة اشفارن ، كان الشيوخ جميعا حاضرين هناك يحيطون بحدود المدينة من بعيد دون دخولها ، خشية ان تسرع اللعنة عملية تحولهم الى وحوش .

من بينهم ، كان كيفين هارت قد بدأ ينفذ صبره ..

"مضى ما يزيد عن الشهر ، دون ان نسمع خبرا ولا ردا واحدا من فرق الصيد .."

الغياب التام لاي اتصال بينهم و بين اولئك الموجودين بالداخل قد جعل الوضع هناك مجهولا بالكامل و باتت كل الاحتمالات مطروحة .

تعرض الفرق للابادة كان قائما ، و لربما لم يتبقى احد منهم حيا .

آشفارن القديمة كانت تتغير كل يوم ، و بدأت اللعنة تهدد استقرار المدينة الموجودة بالاعلى و نيران اللورد ڤاسل بالكاد كبحتها .

نظرا لحجم الخطر ، الشيوخ بدأوا يدرسون بجدية احتمال اضطرارهم لارسال احدهم لكي يتحرى ما يجري بالداخل رغم نسبة الخطر العالية ان يتحول المعني الى وحش .

عدد الشيوخ لم يكن كبيرا ، لكن اضعفهم كان برتبة قديس ، و اقواهم آستيريون برتبة ملك اعلى ، بل بذروة تلك الرتبة ..

خطة كيفين كانت بسيطة ، لكنها تطلبت تضحية .

الخطة هي إرسال احد الشيوخ الذين بلغوا رتبة ملك ، يدخل المدينة و يقوم بمساعدة الصيادين بالداخل على تصفيتها بالكامل .

قيامه بشيء كهذا سيحوله لوحش بالنهاية ، لكن ذلك لن يحدث سريعا و سيكون لديه كل الوقت لهزيمة الزعيم .

ثم بمجرد تحرر المدينة ، يقوم بقية الشيوخ بقتله بعد زوال اللعنة و الخطر .

خطة منطقية ، لكنها تطلبت تضحية واحد منهم .

تصحية كان العديد منهم على استعداد لتقديمها من اجل العائلة ، الى ان تدخل العجوز آستيريون معترضا عليها .

"لا فائدة من هذه الخطة يا كيفين ، فارسال احد الشيوخ عشوائيا لن يزيد من الوضع الا سوءا ."

قال العجوز القديم ، مبرزا وجهة نظره التي عاكست الشيوخ الآخرين .

"هذه الخطة قائمة على اعتقادك بان صيادا من مستوى ملك سيكون كافيا ، و هذا خطأ كبير ."

"فلو سألتني ، الزعيم الاخير لهذه المدينة يتجاوز مستوى الملك بكثير ."

ادعاء آستيريون هذا كان خطيرا ، و لم يلاقي اي تأييد نظرا لافتقاره للادلة .

لكن الدليل الذي احتاجه الإمبراطور غير المتوج قد كان بسيطا .

فهو يعلم جيدا ان إيثان كذب بشأن ماثيوس ، عندما قال بأن هذا الاخير كان بمستوى القديس .

بينما هو في الحقيقة ملك .

بناءا على ذلك ... إذا ما كانت الزنزانة الارثية البسيطة تلك تحتوي على زعيم من مستوى ملك ، فآستيريون استنتج ان المدينة الاخطر ستحتوي على ما هو اسوء من ماثيوس بطبيعة الحال.

و تفكيره هذا ... قد كان صحيحا جدا و صائبا تماما .

"آستيريون .. إذا ما صح كلامك فمالذي تقترح علينا فعله إذا ؟ فلا احد سواك هنا يقوى على قتال من تزيد قوتهم عن الملك ."

بسماع هذا ، ابتسم العجوز السكير نصف ابتسامة .

"بطبيعة الحال ، سيكون عليكم ارسالي انا ."

آستيريون قالها بشكل عرضي ، لكن تعابير وجوه الشيوخ المتصلبة اثبتت ان ما قاله للتو لم يكن عاديا ..

"انا ارفض ، فمن ذا الذي سيقوى على كبحك في حال تحولك الى وحش ؟" قال كيفين ، رافضا رفضا قاطعا .

لربما بدا آستيريون هارت كمجرد عجوز يعبث بالانحاء ، لكن قوته لم تكن مزحة ، و لو تحول لوحش سيصبح تهديدا اخطر من أي وحش موجود بداخل المدينة .

آستيريون كان على دراية تامة بهذه الحقائق ، فهو لم يكن بالغبي .

"حتى و لو تعرضت للعنة من جديد بعد كل هذه السنين ، انا لن اتحول الى وحش مباشرةً و ساتمكن من المقاومة لبعض الوقت ... لكنك محق ، فانا ساصبح واحدا بالنهاية. "

"لكن .."

اشار آستيريون لما تجاهله معظمهم .

"توجد طريقة .. طريقة أستطيع من خلالها الدخول و مساعدتهم دون ان اواجه خطر التحول الى وحش ."

قال العجوز ، عارضا خطته بعد ذلك على الشيوخ ... الخطة التي نالت موافقتهم على عكس المتوقع ، مدركين ان ما يفكر به الإمبراطور غير المتوج صحيح .

لكن و لنجاح خطته ، كان على احد الموجودين بداخل المدينة تنفيذها .

و للاسف ، هم لم يملكوا اي طريقة للتواصل مع الصيادين داخل آشفارن القديمة ..

"سيكون على احدهم اكتشاف الامر من تلقاء نفسه ."

قال آستيريون ، مراهنا بالكامل على الشبان الذين قاتلوا بداخل المدينة ، مؤمنا بان احدهم سيتفطن للامر قريبا .

و هذا ما لم يؤمن به كيفين هارت .

"اتظن ان هنالك من بينهم القادر على ادراك شيء كهذا ، و تحقيقه ايضا ؟" هو سأل ، ففكر آستيريون قليلا قبل ان يجيبه .

"ساقول ان الاحتمال موجود .. 50-50 ربما ؟"

هو ابتسم قليلا عن ذكره لهذه النسبة ..

"لدي تلميذ غريب الاطوار يفاجئني بكل مرة ، و اتمنى ان يفعلها هذه المرة أيضا ."

بنهاية المطاف ، كان كل شيء يعتمد على ايثان و رفاقه للتفطن باي كان ما ارادهم آستيريون ان يحققوه من اجله .

الى ان يجهزوا له الساحة ، هو لم يملك الخيار سوى الانتظار بهدوء حتى يحين دوره أخيرا .

2026/05/02 · 84 مشاهدة · 2194 كلمة
نادي الروايات - 2026