الكولوسيوم القديم لمدينة آشفارن ، كان معلماً تاريخيا مهما بني منذ سنين طويلة جدا ... منذ زمن الابطال الاوائل كما يدعي البعض .

حلبة القتال التي تواجدت بالاعماق قد امتلكت موقعا إستراتيجيا ، بحيث انها بنية فوق مرتفع عالي نسبيا جعلها تطل على معظم المدينة القديمة من الاعلى .

و هذا ما منح الصيادين الذين احلتوا ذلك المكان مجال رؤية واسعا سمح لهم برصد الخطر فور قدومه ..

من بين المراقبين ، كان الرجل ضخم الجثة جاكسون هارت قد خرج من الزنزانة و اتجه الى اعلى المدرجات ، يراقب اشفارن القديمة من بعيد مستمتعاً بالمنظر .

تلك المباني العالية الشاهقة ، تحف معمارية مظلمة فيكتورية تتألق تحت سماء مرصعة بالنجوم ..

رغم انها لم تكن سوى سماء مزيفة تحت الارض ، الا ان هذا لم يغير من حقيقة كونها حميلةً أخاذةً للعين .

لو تجاهل المرأ الاهوال و الوحوش التي عاشت داخل المدينة ، فآشفارن القديمة قد تصنف من اجمل المدن و اكثرها غموضا على الاطلاق ..

جاكسون كان يفهم هذا جيدا ، لذلك امضى ساعات طويلة يتأملها بعدما قضى سنين طويلة محتجزا متخليا عن حريته .

الرجل العملاق صاحب اعين الافعى كان وحشا حقيقيا اثار الرعب بقلوب الوحوش و الصيادين على حد سواء ، لذلك لم يجرؤ احد على الاقتراب منه طيلة فترة جلوسه على حافة الكولوسيوم ..

لا احد ، ما عدا إيثان هارت الذي جاءه دون تردد بعدما اختلى بنفسه لبعض الوقت .

"أتمانع لو جالستك قليلا ؟"

هو سأل ، فأجابه جاكسون مبتسماً .

"إطلاقا ، و لا حق لي بمنعك فانا لا املك هذا المكان ."

"سأخدم نفسي إذا. "

إيثان جلس بجانب جاكسون بعد ذلك ، و اطل الاثنان على المدينة القادمة من حافة الكولوسيوم العالية .

"من ظن بوجود منظر بديع كهذا وسط مدينة تعج بالكوابيس .." مدح إيثان المنظر امامه بصدق ، مفضلا الجلوس هناك بدلا من امضاء الوقت بداخل الزنازن الكئيبة تحت الأرض .

"سابقاً ... عندما كان البشر يقطنون هذا المكان ، كان بالامكان رؤية المدينة باكملها من هذه النقطة ."

"المباني ، الجسور ، ابراج الساعات و الناس يتجولون بها ذهابا و ايابا ... لكن الآن ، أصبحت المدينة اضخم بكثير و لم يعد بالامكان رؤية نهايتها من هذا المكان ."

انزل جاكسون رأسه ببطء ، وجهه لا يزال يحمل الابتسامة ذاتها ، لكن صوته لم يعكس اي سعادة .

"الان ، كلما ادرت رأسي ، لا المح شيئا سوى الوحوش ."

إيثان حدق لبرهة بجاكسون مستمعا له ، قبل ان يدير اعينه ناحية المدينة ..

كانوا الآن بالاعماق ، حيث عاشت اقوى الوحوش و أسوءها .

إيثان استطاع رصد الكثير منهم بواسطة بصيرة الغراب الحكيم خاصته ..

وحوش عملاقة متحورة تتجول فوق الجسور و بين المباني ، يكسوها الفراء الاسود القاتم و يملكون صفات شبيهة بالحيوانات .

بعضهم برؤوس شبيهة بالماعز بقرون طويلة ملتوية ، و اذرع عملاقة تنبثق منها مخالب مرعبة .

بعض المخلوقات الأخرى اصغر حجما ، اشبه باشباح جلدها شاحب جدا و متخثر .. يجرون خلفه اسلحة دموية متصلة باذرعهم .

حتى انه رصد ذلك الوحش المظلم الذي هرب منه باول ايامه ..

"كنت اتساءل لبعض الوقت ، لكن هل من الآمن حقا مراقبتهم من هذه النقطة ؟"

هو سأل فضولا ، لانهم كانوا جالسين حرفيا على حافة الكولوسيوم حيث يمكن للوحوش رؤيتهم .

"انت ذكي يا فتى ، لذا فالتفكر ... اتظن الاختباء خلف بضعة جدران قد يكفي لحجبك و اخفائك عن وحوش كهذه ؟" قال جاكسون مبتسماً .

"انهم يعلمون جيدا اننا هنا ، كن متأكدا من ذلك ."

عبس إيثان قليلا ازاء سماع هذا ..

"لماذا إذا .. لا يهاجمون ؟"

كان سؤالا بمحله ، فلو درت تلك الآفات عن وجودهم بداخل الحلبة ، فلماذا لم يهاجموهم حتى الان رغم مضي ساعات منذ انتهاء المعركة التي تحرروا من خلالها سابقا ؟

ردا ، استدار جاكسون ناحية إيثان محدقا به بتلك الاعين الضيقة .

"ما السبب برأيك ؟ ما السبب الذي بجعل تلك الوحوش تظل بعيدة عن هذا المكان رغم علمهم بوجودنا ؟"

كان سؤالا مخادعا ، و سرعانما تفطن إيثان للاجابة التي قاده جاكسون إليها .

"لانك هنا .."

أومأ جاكسون .

"هذا صحيح ."

اعاد الرجل ذو الجسد العملاق انتباهه ناحية الوحوش ، مبرزا نفسه بالكامل دون ان يتكبد عناء اخفاء اي شيء .

"تلك الوحوش ليست بالغبية يا إيثان ، هم أكثر من قادرين على قياس مدى قوة فرائسهم ، و حتى هم يحافظون على مسافتهم عندما يجدون مفترسا اقوى منهم ."

"إذا ما راقبت جيدا ، سترى ان كل مجموعة من الوحوش تملك منطقةً خاصة بها ، ولا يعتدون على مناطق الوحوش الأخرى بشكل عشوائي ابدا ."

أومأ إيثان متفهما .

"إذا .. هذه الحلبة باتت منطقتك الخاصة ، لهذا السبب لم يحاولوا غزو هذا المكان حتى الان ."

بعبارة أخرى ، لو لم يكن جاكسون موجودا لكان الكولوسيوم تعرض للهجوم منذ وقت طويل بالفعل .

جاكسون كان خاضعا بالماضي لا يبدي اي مقاومة ، لانه استسلم بنفسه بعدما فقد الامل من انقاذ آشفارن القديمة ..

لكنه بات مختلفا الآن بعدما اظهر استعداده للقتال ، نية قتله و حضوره لم يكونا بالعاديين ، و هذا ما فهمته الوحوش جيدا .

"وجودي هنا يبعد الوحوش ، لكن يجب أن تفهم يا إيثان هارت ، ان ما هذا سوى هدوء مؤقت ستأتي العواصف من بعده ."

"صحيح اننا بخير الآن ، لكن قد يظهر مفترس اقوى لا يكترث لوجودي ، او قد تأتي وحوش هائجة لا تأبه للفوارق بين القوى ."

"بمعنى آخر ، انا اشتري الوقت من اجلك ليس إلا ، و اؤجل المحتوم ."

استمع إيثان لكل كلمة ، بيننا كان لا يزال يحاول فهم الرجل الماثل امامه ، و الذي عاش لمئات السنين .

ثم تبردد ، هو سأل فضولا :

"لماذا ... تتكبد عناء توفير الوقت لي ؟ لاي غاية ؟"

توسعت ابتسامة جاكسون ردا .

"لانني ارغب برؤية ما ستفعله ، و كيف ستتصرف . لديك قدرات لم ارى مثيلها من قبل .. لذا اعتقدت انك ستقدم عرضا لائقا على الاقل ."

"عرض ؟" ضحك إيثان بخفة .

"أتخبرني بانك تفعل كل هذا فقط للتسلية ؟"

أومأ جاكسون .

"هذا صحيح ، فانا لا اعتقد بانك ستقدر على تغيير اي شيء ، لكنك ستكون قادرا على تسليتي بعد كل تلك السنين التي قضيتها بمفردي هنا ."

في نهاية المطاف ، جاكسون لم يحمل اي ايمان بايثان و لم يصدق و لو قليلا ان الشاب امامه قد يغير اي شيء ..

مساعدته له لم تكن سوى نزوة ، بعدما اثار اهتمامه ببركاته العجيبة و قوته الغريبة .

مدركا لنية جاكسون الحقيقية ، إيثان لم ينزعج قط ، فهو توقع شيئا كهذا بالفعل .

"تطلع للعرض إذا ، فاظنني أكثر من قادر على تقديم واحد لك ."

"سنرى بهذا الشأن .."

لبعض الوقت ، تأمل الاثنان مدينة الوحش و الآفات ، الى ان وجد إيثان اعينه تنجذب نحو مكان معين دون سواه .

كانت بارزةً جدا ، تتألق من بعيد محاطةً بالضباب الكثيف ، و هالة مظلمة مشؤومة تنبعث منها .

بدت كالقلعة في البداية ، لكن بنيتها المعمارية بدت مختلفة عن القلاع ، و اشبه بالكنائس التي استخدمتها ديانية العرش المقدس ..

كانت كاتيدرائية ، الاضخم على الاطلاق من بين كل الكاتيدرائيات التي رآها إيثان بجياته ..

ابراجها عالية ، و قممها مدببة شائكة ، جدرانها مبنية بطوب اسود اللون ، يلمع مثل جحر السج النظيف ..

"اتلك هي ؟ المنطقة النهائية من هذه الزنزانة الارثية ؟"

أومأ جاكسون ردا .

"اجل ، اقوى الوحوش تعشش هناك ، و خلفها يتواجد فارس الفجر الذهبي الملعون ."

اختراق ذلك المكان بدا مستحيلا ، ليس بقوتهم الحالية على الاقل .

إيثان اخذ بضع دقائق يتأملها بصمت ، قبل ان ينقلب وجهه لواحد أكثر جدية ، و يبدأ بتأكيد تفاصيل الخطة التي فكر بها بالوقت القصير الذي منح له .

"هنالك شيء اثار حيرتي يا جاكسون ، امر لم اجد له جوابا بقصتك الذي رويتها لنا ."

بنفس النبرة اللامبالية ، استفسر جاكسون ردا .

"و ما هو هذل الشيء بالضبط ؟"

في تلك اللحظة ، قرر إيثان ضرب كبد الحقيقة التي اخفاها العملاق الجالس بجانبه ..

"قلت انك عشت مئات السنين بهذا المكان ... إذا .."

مستديرا ناحيته محدقا به بتلك الاعين النارية ، هو سأل :

"لماذا .. لم تتحول الى وحش بعد ؟"

و عم الصمت بينهما بمجرد طرح إيثان لهذا السؤال .

و كان سؤالا وجيها ، فالتعرض للعنة الظلمات لوقت طويل يحول البشر لوحوش ، و حتى الهارت ليسوا باستثناء رغم انهم يقاومونها بشكل افضل بكثير من الأشخاص العاديين .

جاكسون هارت كان قويا جدا ، لكن النجاة داخل مجال اللعنة كل هذا الوقت امر مستحيل ببساطة . و هذا كان أكثر ما اثار حيرة إيثان ..

جاكسون التزم الصمت لبعض الوقت ، يحدق باعينه الشبيهة بالافاعي ناحية إيثان ، قبل ان يبتسم و يومئ .

"لاحظت ذلك إذا .. اسرع من كل الصيادين الآخرين هنا و هذا يثبت كم انت شخص فطن ."

أومأ جاكسون مرة أخرى راضيا ، و كأنه كان بانتظار إيثان ليلاحظ الامر .

"ملاحظتك في محلها يا فتى ، فقد كان من المفترض ان اتحول لاحد تلك الآفات الفظيعة منذ زمن طويل ."

"لكنني لم افعل ، لان اللعنة هنا بآشفارن القديمة لا تعمل بنفس الطريقة بالخارج ."

"مالذي تعنيه ؟" رد إيثان ، الفضول يعتريه مدركا بان الإجابة قد تغير كل شيء ..

"القوة التي تقيد هذه المدينة تحت الأرض ، هي نار اللورد ڤاسل التي منها تأتي قوة البونفاير .. تلك النار تكبح اللعنة بهذه المدينة و تحاربها منذ امد بعيد ."

"اللورد ڤاسل لم تستطع منع اللعنة من التفشي ، لكن شروط التحول اصبحت مختلفةً الآن من بعد تعرض اللعنة لتلك النيران ."

قال جاكسون ، مشيرا للوحوش التي تجولت على مرأى من اعينهم .

"البشر لا يزالون يتحولون لوحوش .. لكن و لحدوث ذلك ، هم يجب ان يموتوا على يد احد الوحوش ... بمعنى آخر ."

كلمات جاكسون كانت بمثابة صاعقة ، جعلت إيثان ينتصب من مكانه واقفا .

"مادمنا احياء ، نحن لن نتحول أبدا .. لن نتحول الا في حال موتنا بساحة المعركة .."

كل من يدخل المدينة ، يصبح شبه خالد لا يموت من العمر ، اي ان الطريقة الوحيدة للتحول الى وحش هي بالموت داخل ساحة المعركة ما يسمح للعنة بالتفشي داخل الجثث .

و ماداموا احياء ، نار اللورد ڤاسل ستحميهم ماداموا داخل المدينة ..

"إذا ما صح هذا ، فالشيوخ يستطيعون الدخول دون أي خطر ، بل هم قادرون على القتال بحرية تامة و لن يتحولوا لوحوش ابدا مادام لا يتم قتلهم !"

صاح إيثان مستوعبا ، بينما أومأ جاكسون .

"هذا صحيح .. و لكن ."

"هم لا يعلمون اي من هذا ، و يظننون انهم سيصبحون وحوشا بمجرد دخولهم . اما نحن فلا نملك طريقةً للتواصل معهم بما اننا لا نستطيع مغادرة هذه المتاهة الملعونة."

كان الحل بسيطا ، بسيطا جدا .

كل ما يتطلبه الامر ، هو ان يدخل آستيريون العجوز و بقية الشيوخ و سيكونون قادرين على تصفية الزنزانة الارثية بانفسهم .

لكنهم لن يفعلوا ذلك ، لان لا احد يستطيع ابلاغهم بما اكتشفه إيثان للتو .

"نيران اللورد ڤاسل كانت صامدةً لمئات السنين ، لكنها بدأت تبلغ حدودها مؤخرا و هذا سبب قدومكم اليس كذلك ؟" سأل جاكسون ، جاعلا إيثان يفهم الوضع بشكل اوضح .

"قريبا .. ستتغلب اللعنة على تلك النار ، و ستزول القوة التي تحافظ علينا من التحول الى وحوش ، حينها ستتفشى اللعنة ، و تضرب مدينتكم الجديدة و كل شيء آخر من حولها ."

الفرصة الوحيدة للنجاح ، كانت ان يدخل الشيوخ الآن قبل انطفاء النار . كان ذلك هو الحل الوحيد .

لكن كيف ..

"كيف نجعلهم يدخلون بحق الجحيم ؟ كيف نخبرهم بأنهم ليسوا معرضين للتحول لو فعلوا ؟!!"

شعر إيثان بدوار من التفكير بالامر ، الحل كان سهلا جدا ، لكن صعب التنفيذ بآن واحد .

"للخروج من المدينة ، يجب تصفية الزنزانة الارثية عن طريق هزم الزعيم الاخير ، و لنتمكن من هزيمته ، فلابد من قدوم الاقوياء الموجودين بالخارج ، و لجلبهم ، فلابد ان تخرج من المدينة و تبلغهم بالسر ."

ضحك جاكسون ساخرا .

"انها حلقة مفرغة ، اشبه بلغز غرفة مغلقة لا حل له ."

كان هذا الوضع الحالي الذي وجد الصيادون انفسهم عالقين به .

"مالذي ستفعله إذا ، يا إيثان هارت ؟ كيف ستتصرف بعد معرفتك لكل شيء ؟"

"لا تعبث معي عليك اللعنة ، يستحيل ان استسلم الآن بعدما ادركت كل هذا .."

"اجل اجل ، لقد فكر الكثير من رفاقي القدامى بنفس الطريقة كما تفعل انت الآن ."

"حاولوا القدوم بحل ، حاولوا ايصال الرسالة للخارج و طلب المساعدة ، اتعلم اين هم الأن ؟"

اشار جاكسون باصبعه ناحية المدينة .

"ها هم ذا امامك ، وحوش تهيم بلا هدف وبلا قيمة بعدما قتلوا جميعا على يد فارس الفجر الذهبي و اتباعه ."

كل كلمة قالها جاكسون ، كل ايماءة و اشارة ، قد كانت تهمس باذن إيثان لكي يستسلم .

لقد كان اضعف من الصيادين القدامى امثال جاكسون ، و هذا الأخير قد فشل بدوره رغم قوته المرعبة .

لكن إيثان رفض التفكير بهذه الطريقة .

"الصيادون القدماء كانوا يملكون قدراتهم و قوتهم ، و نحن الجدد نملك ما يميزنا بدورنا .. فشلكم لا يعني اننا سنفشل نحن ايضا ."

"لابد من وجود طريقة ، فما من زنزانة إرثية بهذا العالم لا تحمل نقطة ضعف ."

كان إيثان مؤمنا من وجود واحدة ، لكن الوقت كان يداهمه .

واضعا يده خلف رقبته متحسسا علامة الكسوف الدموي باصابعه ، هو ادرك بانه لم يعد يملك الكثير من الوقت ..

'مضى شهر كامل منذ آخر مرة تفقدت بها لونا الحاجز ..'

بمعنى آخر ، ذلك الحاجز كان يلفظ انفاسه الأخيرة ، و ستتفعل لعنة المحبوب من الظلمات قريبا ما سيثقل كاهل إيثان أكثر و أكثر .

قبل أن يحدث ذلك ، هو سابق الزمن ... محاولا القدوم بحل .

2026/05/03 · 79 مشاهدة · 2192 كلمة
نادي الروايات - 2026