المعركة باعماق مدينة آشفارن القديمة بلغت منعطفا حاسما ، و لاول مرة منذ بدأ الحصار الذي فرضته الوحوش ، استطاع صيادو الفرقة الاولى و من معهم التنفس أخيرا ..
بفضل اختراق مجموعة جديدة لتكتل الوحوش من الخلف ، خف الضغط على غوستاف و مون و الآخرين ، ما مكنهم من تنفس الصعداء و اعادة تنظيم انفسهم ...
هم لم يتمكنوا من رؤية ما كان يحدث في المؤخرة بسبب كل الدخان الكثيف الذي خلفته النيران ، لكنهم استطاعوا لمح الوحوش و هي تترامى يمينا و يسارا ، و كأن احدهم يقذفها بمنجنيق ..
"مالذي يجري هناك ؟ من يفعل هذا ؟؟" سأل احد افراد الفرقة الاولى مصدوما ، خصوصا عندما رأى وحوشا ضخمة تزن اطنانا يتم رميها و كأنها لا شيء ..
"لا يهم من يفعل هذا !"
مستغلا الفرصة للتوغل أكثر بين الوحوش ملوحا بسيفه العظيم ، تقدم غوستاف هارت جسده يفيض بدرع الهالة و نظرة حازمة مرسومة على وجهه .
"لا علم لي بما يجري ، لكن حصلنا على مجال للتنفس بفضل ايا من يقاتل هناك الآن ."
غوستاف كان يعلم جيدا ، لو استمر الوضع على ما كان عليه سابقاً ، لتعرضوا للابادة بنسبة كبيرة .
فلولا وجود ساحرة قوية جدا بصفوفهم ، ساحرة قادرة على اطلاق التعاويذ ذات المدى التدميري الكبير دون توقف ، لكانوا خسروا منذ امد بعيد .
"تعالوا معي ! لنخترقهم و نستغل الفرصة !"
مندفعا رفقة فرقة الصيد الاولى و مون هارت بالإضافة لبعض الفرسان الاقوى من فرق اخرى ، اخترق غوستاف و من معه تشكيل الوحوش مهاجمين بضراوة .
من بينهم ، غوستاف نفسه و مون كانا اكثر من تسببا باضرار ..
ملتفتا ناحية الفتاة المغمورة بنار العنقاء ، كان غوستاف ممتنا لتلك الفتاة و نادما لانه لم يستمع اليها عندما جاءته بالليلة الماضية ..
'انا و مون هارت اقوياء ، لكننا نبلي جيدا بالمعارك الفردية ، و ليس الجماعية ..'
'كل ما نستطيع القيام به هو التلويح بسيوفنا باقصى ما لدينا لقتل الوحوش التي تقف امامنا ، لهذا انا ممتن لتلك الساحرة ، فهي الوحيدة القادرة على التسبب بضرر ذو مدى واسع كهذا ..'
من حيث القوة الفردية ، غوستاف و مون كانا الاعلى بالفعل ، لكنهما من النوع الذي تظهر قوته بالمعارك الفردية ضد الزعماء مثلا .
لكن و عندما يتعلق الامر بحشود الوحوش الهائلة و اعدادهم الكبيرة ، فعاليتهم تتناقص كثيرا و على نقيضهم .. السحرة يتألقون بهكذا ساحات معارك .
مون هارت كانت قادرة على استخدام السحر هي الأخرى ، لكنها ليست بمستوى لونا بهذا الجانب ، و لا تملك بركة تعيد ملأ مخزون المانا لديها ما جعلها تتحفظ باستخدامه .
بالحديث عن لونا .
هذه الأخيرة توقفت تماما عن اطلاق التعاويذ النارية المتوسطة بمجرد ان خف الضغط عليهم ، و بدأت على الفور بتجهيز تعويذة أخرى اقوى بكثير ..
تعويذة نارية من المستوى الاعلى ..
اطلاق واحدة من هذا المستوى برتبتها الحالية كان امرا بغاية الصعوبة و اخذ وقتا طويلا للتحضير ما اثار اعصاب السحرة الاخرين الملتفين حولها يحاولون حمايتها بما تبقى لهم من مانا ..
"امن الصائب حقا توقفها عن اطلاق التعاويذ لمجرد تباطئ الوحوش قليلا ؟ ماذا لو بدأوا بالهجوم بشكل اقوى من السابق ... "
تذمر احد السحرة ، متشائما من قرار لونا هارت ..
هذه الأخيرة كانت سريعة جدا باتخاذ قرارتها ، فهي بدأت بالتحضير للتعويذة الجديدة فور رؤيتها لجثث الوحوش تتطاير من بعيد ، و رأت بذلك فرصة لم تفرط فيها و راهنت عليها بالكامل .
"ليس لدينا من خيار سوى المراهنة عليها ، و على ايا كان الذين يقاتلون الوحوش من الجانب الاخر .."
رد ساحر آخر ، متأهبا مكانه و القلق باد عليه هو الآخر .
في تلك الاثناء ، كانت معركة فوضوية قد اندلعت بمؤخرة تشكيل الوحوش .
فريق إيثان جاء مهاجماً بشكل مباشر ، دون خطط و بدون تضييع اي وقت ..
واضعا جاكسون بالمقدمة ، ركض هذا الاخير يدهس كل ما بطريقه بينما تبعه الآخرون مختبئين خلف ظهره يقتلون ايا كانت الوحوش التي تنجو من عملية الدهس التي قام بها .
اختراقهم هذا دعمه من الاسطح بواسطة الارشر تشاي هارت و معه اثنان من السحرة بمن فيهم شيروكي ..
ثلاثتهم قاتلوا من الاعلى مستغلين افضلية الأرض العالية بعدما اخذهم إيثان للاسطح بواسطة جبل الخطاف الخاص به .
كانت هذه افضل خطة استطاع الخروج بها نظرا لضيق الوقت .
"اتستخدمني كدرع بشري يا فتى ؟ هذه وقاحة منك !!"
محافظا على ابتسامته الغريبة ، اعين الافعى الخاصة به تتوهج بضوء مرعب ... جاكسون كان يفجر جماجم الوحوش المتحورة بكل لكمة يرميها عليهم ..
لكن عدد الوحوش كان كبيرا جدا ، و لكمهم لم يكن ممكنا ، فقام بدهسهم فحسب بجسده بدلا من ذلك .
كلما اصطدم جاكسون باحد تلك الوحوش بسرعته الكبيرة تلك ، الاصطدام جعلهم يطيرون بعيدا بغض النظر عن فارق الاججام و الوزن بينهم و بينه .
استمر هذا لبعض الوقت قبل ان تتباطأ سرعة جاكسون و اندفاعه ، و يضطر للتريث بعدما زاد عدد الوحوش امامه كثيرا ..
مهاجما اياهم بضراوة ، متعمقا داخل النيران و سحابة الدخان الكثيفة ، هو لم يستطع اخفاء تفاجئه ..
"لم اكن اتوقع الكثير من فرق الصيد لهذا الجيل .. لكن ان يصمدوا امام هذا الطوفان من الوحوش .. هذا مثير للاعجاب ."
"اخبرتك الم افعل ؟ لدينا مواهب بهذا الجيل لن تخسر أبدا إذا ما تمت مقارنتهم بجيلك !" رد إيثان ، الذي لازم جاكسون طوال الوقت ، يقاتل بالحد الادنى محافظا على المانا القليلة لديه .
يده الآدمية كانت تحمل سيف منفذ الاعدام العظيم ، و اليد الآلية تجر سيفا عظيما عملاقا تجاوز طوله المترين و نصف ، اضخم اسلحة إيثان و اثقلها .
لكن حمله كان سهلا عليه بفضل ذراع الفيلق و احصائيات القوة العالية لديه .
افراد الفرقة الثالثة رايدن و اليسيا تبعاه عن قرب ، يغطيان ظهره بالكامل و قد امتلك كلاهما ما يكفي من القوة لقتل تلك الوحوش ..
كما جاءت السهام و التعاويذ الهجومية من الاعلى ، تقنص ايا كان الوحش الذي يحاول مباغثتهم .
رغم قيام الجميع بادوارهم ، الا ان دور جاكسون كان محوريا و خطة اختراقهم اعتمدت عليه بالكامل ..
لو سقط ذلك الرجل العملاق ، ينتهي امرهم دون ادنى شك .
لكن إيثان لم يكن قلقا حيال ذلك مطلقا ، فالعملاق البشري ذو اعين الافعى كان لا يزال يتحفظ و يتراجع عن القتال بكل قوته .
مفعلا بصيرة الغراب الحكيم ، القى إيثان بنظرة على جاكسون محاولا قراءة احصائياته ، و ما رآه لم يكن بالبسيط .
...
جاكسون هارت .
المستوى : 66 ( مستوى ملك )
الكلاس : فارس .
بركة : قلب العملاق الهائج .
...
احصائيات جاكسون القتالية كانت عالية جدا ، خصوصا عندما يتعلق الامر بالقوة و التحمل .
كما امتلك بركة قوية جدا ، تزيد من قوته الجسدية بشكل مرعب ..
إيثان تعرف عليها ، فهي لم تكن بالغريبة عليه ..
'بركة قلب العملاق الهائج .. انها بركة تجعل قلبه يضخ قوة مهولة لكل عضلات جسده ما يجعلها اقوى بعدة اضعاف من حالتها العادية ..'
كانت بركةً مثيرة للاعجاب ، لكن ما جعلها بهذه القوة ... هو جاكسون نفسه الذي درب و بنى جسدا هائلا لا يستطيع البشر بالعادة بلوغه بالاحوال العادية .
بنظرة واحدة ، فهم إيثان ان التدريبات التي قام بها ذلك العملاق للحفاظ على جسد كهذا لم تكن بالطبيعية ، و لم يتمكن من تخيلها حتى ..
بفضل ذلك ، هو بات قادرا على اخراج قوة كهذه دون استخدام درع الهالة .
و هذه كانت المشكلة التي ازعجت إيثان كثيرا ..
"جاكسون ! قاتل بجدية ، استخدم درع هالتك !"
صاح إيثان على العملاق ، مطالبا اياه باخراج كل قوته ، فلو فعل ... حصار الوحوش ذاك سيتحطم بالكامل و لربما يقدر على ابادتهم جميعا بمفرده .
ردا على طلب جاكسون ، توسعت ابتسامة جاكسون .
"انا ارفض !"
لاكما وحشا آخر ، هو ضحك بخفة رافضا طلب إيثان .
هذا الأخير كان في حيرة من امره ، غير قادر على فهم ذلك العملاق الغريب .
لكن جاكسون كان كريما بما فيه الكفاية ليشرح وجهة نظره .
"تذكر يا فتى ، انا لا ازال غير مقتنع بقدرتك انت و رفاقك على تغيير الوضع بهذه المدينة الملعونة ."
"موافقتي على مساعدتك شيء ، و القتال بقوتي الكاملة شيء آخر تماما ... فإذا لم تستطع انت و رفاقك النجاة من هذا الموقف و الخروج منه دون ان اضطر انا للقتال بكل ما لدي .."
"لن يكون هنالك اي معنى حينها من مرافقتك. لانك ستفشل و تموت لا محالة ."
جاء رد جاكسون هذا ليكون بمثابة تذكير قاس لايثان .
الرجل العملاق كان مستعدا للمساعدة ، لكن بالحد الادنى فحسب لدرجة انه لم يستخدم درع هالته و اكتفى بجسده و قوته الفطرية فحسب .
هو اراد ان يرى كيف سيتعامل إيثان و رفاقه مع الوضع ، و معرفة ما يقدرون عليه حقا .
"بدأت أفهم اي نوع من البشر انت يا جاكسون ."
قال إيثان ، واضعا ابتسامةً متكلفة على وجهه .
"إذا كان هذا ما تريد ، فلك ذلك ."
مغمضا عينيه ، قرر ايثان اللجوء لاخر خياراته الذي اراد تجنبه حتى النهاية .
نظرا لرفض جاكسون القتال بكل ما لديه ، هو بات مضطرا لتعويض ما كان العملاق قادرا على القيام به .
دورهم بهذه المعركة كان تخفيف الضغط على فرق الصيد الاخرى ، و السماح لهم باعادة تنظيم انفسهم لكي يتمكنوا من ابادة الوحوش باكملها .
هو كان على علم بما هم قادرون عليه ، خصوصا لونا هارت القادرة على اطلاق التعاويذ بشكل مستمر دون توقف .
بالتالي ..
'استدراج الوحوش بعيدا عنهم هو ما يجب علي القيام به الآن .'
فاتحا اعينه من جديد عازما على تغيير الوضع بالكامل ...
إيثان قرر صب المانا في المكان الوحيد الذي لا يجب عليه صبها فيه ..
قام باطلاقها ناحية الوسم ... وسم الكسوف الدموي ..
الحاجز حول الوسم كان قد بلغ حده ، و هدد بالتحطم بأي لحظة ، لكن و بمجرد صب إيثان للمانا داخل الوسم ، الحاجز تحطم فورا ما جعل لعنة المحبوب من الظلمات تتفعل فورا .
بمجرد حدوث ذلك ، الدماء بدأت تقطر من الوسم ... وسم نزف بشدة بينما بدأت غمامة مظلمة تغطي جسد إيثان .. و ضغط مشؤوم ينبعث منه .
اعين جاكسون توسعت ببطء من المفاجأة و الصدمة عندما احس بتلك القوى المشؤومة التي انبعثت منه ..
"ماهذا بحق الجحيم ؟!"
كان خانقا ، و كأن ابواب الموت فتحت من ذلك الفتى .
إيثان صر على اسنانه ، مقاوما الالم المبرح الذي عصف بعقله ، و اصوات الموتى التي بدات تتردد من حوله ..
و كأن اشباح الموتى باشفارن قد بدأت تصرخ بشكل جماعي بجانب اذنيه .
متنفسا الصعداء ، هو قاوم بكل ما لديه محاولا تجنب الاغماء و الصرع من ذلك الضغط .
المحبوب من الظلمات جعلته قادرا على سماع اصوات الوحوش ، سماع ندمهم و عذابهم و ألمهم ، اصواتهم البشرية قبل التحول لوحوش .
كان الامر مرعبا ، فسماعه لهذه الاصوات قد عنى ان جزءا من تلك الوحوش المرعبة القذرة لا يزال بشريا .
و اذا ما صح ذلك ، فهم الآن كانوا يقتلون بشرا ..
لكن إيثان لم يشغل باله بهذا الآن ، بل حاول الاستفادة من تأثير اللعنة الآخر .
المحبوب من الظلمات لعنة مرعبة تجعل كل الوحوش تنجذب اليه و تستهدفه هو قبل اي شخص آخر .
إيثان امتلك الكسوف الدموي الاقوى على الاطلاق من المستوى الخامس ... لذا ، تأثيره كان مرعبا .
بمجرد تفعيل اللعنة ..
كل وحش ، كل آفة ، كل كارثة ...
جميع تلك الوحوش التفتت جميعا للخلف ، يحدقون بالاتجاه ذلك ..
كان مشهدا مذهلا لا يراه الناس كل يوم ، لدرجة أن جاكسون الذي عاش لمئات السنين ابصر شيئا كهذا للمرة الاولى بحياته .
غوستاف و مون تفاجأ بدورهما عندما وجدا الوحوش التي حاولت قتلهما قبل دقيقة واحدة تلتف الآن و تستدير للخلف متجاهلةً اياهم بالكامل ..
و ماهي سوى لحظات معدودة ، قبل ان تبدأ الوحوش بالركض للخلف هائجين يصرخون باصوات مرعبة هزت اركان المدينة ..
ركضوا و نية القتل الخاصة بهم كلها موجة نحو رجل واحد لا غير .
إيثان ضحك بخفة في تلك اللحظة ، ضحكة جافة حاول اخفاء ملامح الاضطراب و الجنون من خلالها .
"حان الوقت الطبق الرئيسي ، ايتها الوحوش اللعينة ."
جاكسون الواقف امامه حدق به مندهشا لوهلة ، قبل ان يستدير لجحافل الوحوش التي ركضت نحوهم باعداد مهولة .
"انت مجنون ."
مستعدا للقتال ، وقف جاكسون بالمقدمة ، بينما تقدم إيثان لجانبه . واشار لرفاقه ..
"تراجعوا جميعا ولا تنخرطوا بالمعركة القادمة !"
هو صاح بصعوبة ، الكلام لوحده بات امرا صعبا عليه الآن .
لكن رايدن رفض التراجع ، على عكس آليسيا التي هربت فور اقتراب كل تلك الوحوش ..
"إذا ما نجونا من هذا ، يمكنكم لومي حينها كيفما شئتم ، و اذا ما متنا هنا ، فتعالوا و جدوني بالجحيم ."
متصلبين بامكان وقوفهم ، لمام مئات الوحوش التي اندفعت ناحيتهم ، استعد إيثان و من معه للقتال .
الكسوف الدموي الخاص به جذب كل الآفات اليه ، و بات مستهدفا منها جميعا ..
لدرجة ان قوة اللعنة ذهبت بعيدا ، بالغةً مكانا معينا محرما ..
جالسا على عرش محطم ، داخل غرفة فارغة لم يتواجد بها احد سواه ..
اعين الفارس الذهبي توهجت ، بعدما كان خاملا لسنين ..