"إستعدوا للصدمة !"
صرخ جاكسون بصوت عال ، بينما صلب جسده قدر الامكان استعدادا للصدمة القادمة ..
فسرب يعج بالوحوش قد اندفع ناحيتهم بسرعة مرعبة ، يهدد بسحقهم جميعا . و كلهم انجذبوا ناحية ايثان ولا احد سواه .
الوحوش التي جاءت من خلال الدخان لم تكن بالعادية ، بل آفات متحورة اطرافها عبارة عن اسلحة بحد ذاتها .
هجوم واحد عشوائي من تلك الاطراف الحادة سيكون كافيا لقتل صياد من المستوى المتقدم ما لم يكن حذرا .
الصيادون كانوا على علم تام بهذا ، لذا تراجعوا جميعا مبتعدين عن إيثان بما انه هو هدف الوحوش .
الجميع ما عدا جاكسون و رايدن اللذان ظلا معه ..
رايدن حمل درعا عظيما بيد واحدة واضعا اياه امام ايثان محاولا حمايته من الاصطدام القادم قدر الامكان ، بينما جهز السيف العظيم خاصته للقتال من جديد .
جاكسون ابتسم بشكل اوسع عند رؤيته لهذا المشهد .
"لا اعلم ما إذا كانت شجاعتك و وفاءك هي ما يبقيك هنا ، ام انه غباء محض ليس الا .."
"لكن اعلم انك ستموت لا محالة ، ايها الصياد رايدن ."
جاكسون حذره ، مشيرا ان رايدن لن يصمد أمام هجوم وحشي كذاك الذي يوشك على ضربهم ، لكن هذا لم يكن كافيا لتنيه عن البقاء .
"لا فائدة من الهرب ، فإذا لم ينجو إيثان ... الخطة ستفشل بشكل الاحوال ، و سنموت جميعا ."
قال رايدن بحزم ، واقفا بجانب جاكسون ..
من بين الجميع ، كان هو الاقرب طولا و حجما من ذلك العملاق المتحوش ، ما جعلهما يبدوان كدروع بشرية من لحم و دم وقفت تحمي إيثان الضئيل مقارنةً بهما .
"إفعل ما تشاء ." رد جاكسون ، و اعينه تتأرجح بين سرب الوحوش العظيم و إيثان الواقف خلفه محاولا معرفة مالذي كان يفكر به هذا الأخير .
فكلامه الذي قاله للتو لرايدن ينطبق عليه هو الآخر .
من بينهم هم الثلاثة ، الوحيد الذي حصل على فرصة للنجاة بمعركة مباشرة مع هذا العدد من الوحوش هو جاكسون ليس إلا .
إيثان و رايدن سيموتان سريعا بالمقابل ، لذا توقع جاكسون ان يكون لدى إيثان خطة ما .
لكن ما قام به إيثان تاليا لم يكن بنطاق المتوقع ..
بمجرد بلوغ سرب الوحوش لهم ، إيثان اندفع فورا متجاوزا العملاقين آخذا زمام المبادرة .
"لا داعي لحمايتي ، فانا لست بحاجة لدروع تثقل كاهلي ."
منذ البداية ، و بمجرد تفعيله للعنة التي تجلب الاهوال ناحيته ... إيثان كان قد حسم قراره بتحمل الامر لوحده بالفعل .
مندفعا ناحية الوحوش مستخدما درع هالته المظلم لتعزيز سرعته ، هو قفز ناحيتهم راميا نفسه نحو افواههم ..
افواه انفتحت مبرزةً اسنانا حادة شائكة قادرة على فصل رأسه عن جسده بعضة واحدة ..
الوحوش بدت مجنونة ، أكثر هيجانا من العادة ، اعينهم حمراء اللون تمغرها رغبة عارمة لقتل إيثان و التهامه حيا .
إيثان استقبلهم بحرارة ، ساحبا ذراع الفيلق الميكانيكية للخلف باقصى ما استطاع ، مشكلا قبضة ..
هو رمى لكمة خاطفة ناحيتهم فور بلوغهم اياه ، فإذا باثنين من الصفائح الحديدية تنبثق من خلالها يمينا و يسارا استعدادا لتفجير كل ما تواجد امامها ..
الوتد الناري كان جاهزا ، و إيثان لم يتردد باطلاق القدرة الثانية ليد الفيلق ... وتد ناري حارق تسبب بانفجار عظيم فتك بعدة وحوش دفعة واحدة محاولا اياهم لاشلاء ..
شرارات النار و اللحم المحترق تطايرت بكل مكان ، و الارتداد من الانفجار جعل العديد من الوحوش تتراجع بفضل تأثير الصدمة ، كما تم ارسال إيثان طائرا هو الآخر بعدما ترك زخم هجومه يبعده عنهم .
معدلا وقفته على الفور ، هو غير على الفور الى حبل الخطاف مستخدما اياه للتنقل بسرعة و التأرجح بين المباني محاولا الهرب من ساحة المعركة .
و الوحوش طاردته فورا ذاهبةً خلفه دون تردد ..
مئات الآفات تجاهلت الجميع ..
تجاهلت مون و الآخرين ، و تجاهلوا جاكسون و رايدن ، بل و ركضوا من امامهم و كأنهم لا يبصرونهم مطلقا مركزين على إيثان ولا احد سواه .
و بدأت المطاردة ..
مئات الوحوش تسببت بالزلزال داخل شوارع آشفارن اثناء ركضهم خلف بشري واحد .
من بينهم ، تواجدت العديد من الآفات الشبيهة بالحشرات ، قادرون على الطيران و هم أكثر من ازعجوا إيثان و هددوا اثناء هربه .
المناورة من بينهم كانت بغاية الصعوبة ، و قد بات مضطرا للمرور من ادنى ثغرة او ممر يجده ..
تأرجحه السريع من بين المباني انقذ الجميع ، و منحهم المجال للتنفس و ابعد المعركة عنهم ، لكنه بالمقابل لم يفد إيثان باي شكل من الاشكال ..
فكلما ابتعد ، كلما كانت المزيد من الوحوش تاتي ركضا نحوه من بعد استشعارهم للعنته ..
لكنه لم يكن بالغبي على الاقل ، فهو تأرجح بسرعة ناحية الضواحي البعيدة و لم يجرؤ على الاقتراب من الكاتيدرائية الموجودة بالاعماق أبدا ، محاولا تجنب سحب الوحوش الموجودة بذلك المكان قدر الامكان .
ما قام به ترك الجميع مصعوقا لوهلة ، سكنهم عادوا لحواسهم سريعا ...
جاكسون كان اول من بادر بالتحرك ، مندفعا يركض كالمجنون قبل ان يقذف نفسه نحو السماء بقفزة واحدة جعلته يتخطى عدة مباني دفعة واحدة ..
ثم راح يكرر الحركة ذاتها مرارا و تكرارا الى ان بلغ إيثان و الوحوش سريعا .
لكن الآخرين لم يكونوا وحوشا ضارية مثل جاكسون ، و اللحاق بايثان و تلك الوحوش لم يكن بالسهل عليهم ..
تشاي و الساحرة الموجودان بالاعلى كانا الاقرب بعدما طارداهم من الاسطح .
اما بالاسفل ، فرايدن كان الابطأ لدرجة ان افراد الفرقة الاولى و الآخرين لحقوا به بالفعل ، متفاجئين من رؤيته امامهم .
"رايدن !!"
بسماع صوت مألوف يناديه ، استدار رايدن فورا ليجد مون هارت و غوستاف خلفه بالفعل ، و الحيرة بادية على وجوههم لا يدركون فحوى ما يجري ، ولا كيف تغير موقف الوحوش من العدم ..
فالوحوش تنجذب لقتل البشر بامر من اللعنة ، و لم يسبق لاحدها تجاهلهم بهذه الطريقة .
"من اين أتيتم جميعا ؟ و مالذي يحدث هنا بحق الجحيم ؟" جاء السؤال من غوستاف هارت الذي لمح بقية الصيادين بجانب رايدن .
هذا الاخير ركض بشكل محموم رافضا التوقف .
"لا وقت للشرح ! كل ما انتم بحاجة لمعرفته الآن ... هو أن إيثان قام بتفعيل لعنته و قاد الوحوش بعيدا عنكم ، لكنه بات بالمقابل مطاردا منهم جميعا !"
"هو فعل ماذا ؟!" رد غوستاف حائرا مما سمعه ، بينما ابدت مون دهشتها لوهلة ، قبل ان تستوعب سريعا الامر برمته بما انها كانت على دراية مسبقة بلعنة المحبوب من الظلمات .
"علينا الاسراع اذا !" هي ردت بحزم ، بينما اتقدت نيران العنقاء من حول جسدها معززةً درع الهالة الخاص بها .
نتيجة لذلك ، سرعة مون تضاعفت عدة مرات و سبقتهما فورا و كل افراد الفرقة الاولى ..
"هاي ! مهلا الى اين تذهبين بمفردك يا قائدة الفرقة الثالثة ؟!"
صاح غوستاف بغضب بعدما قررت مون الذهاب بمفردها بتهور ، لكن صراخه لم ينفع فمون كانت تفقد اتزانها بشكل واضح عندما يتعلق الامر بايثان ..
"اللعنة !"
لاعناً ، اشتعل درع الهالة الخاص به هو الآخر بشكل اقوى بكثير معززا قدراته الجسدية ..
"اود سماع شرح مناسب يا رايدن ... إذا ما نجونا من هذه الليلة الملعونة ."
بمجرد قوله لما لديه ، انطلق غوستاف بسرعة أكبر بكثير مجاريا سرعة مون . فإذا لم يستطع ايقافها ، مرافقتها باتت الخيار الوحيد ..
سرعتهما كان اكبر بكثير من بقية الصيادين ، ما جعلهما يبتعدان سريعا عن الانظار تاركين رايدن و افراد الفرقة الاولى الاخرين خلفهم .
فرغم استخدامهم هم الآخرين لدرع الهالة ، الا انهم لم يستطيعوا تعويض الفرق ..
برؤية ظهورهما تبتعد امام ناظريه ، شعر رايدن بمرارة تتصاعد داخل صدره ..
غير قادر على اللحاق باحد ، غير قادر على تغيير اي شيء .. هو شعر بها للمرة الاولى ..
مرارة الضعف ...
"لنطاردهم ، فنحن سنلحق بهم عاجلا ام آجلا بمجرد بدأ المعركة ."
قال احد صيادي الفرقة الاولى يحث الجميع على مواصلة المضي قدما ، و هذا ما نوى الجميع القيام به .. الا ان صوتا آخر ناداهم من الخلف دون سابق انذار .
"يا رفاق ... يا رفاق ! انتظروا !"
كان صوته خافتا و بعيدا ، لكنهم استطاعوا سماعه بفضل حواسهم القوية ..
مستديرين ناحيته ، هم وجودا احد السحرة الذين لازموا لونا هارت سابقاً يلهث من ورائهم بعدما بالكاد استطاع بلوغهم .
"انت احد سحرة الفرقة الخامسة ... مالذي تفعله هنا ؟"
سأل احد افراد الفرقة الاولى بعبوس ، فهم امروا السحرة المستنزفين من المانا بالانسحاب و اعادة تجديد طاقتهم ، لكن الماثل امامه حرقها بالكامل محاولا اللحاق بهم ..
لاهثا ، هو قال ما لديه بسرعة .
"لدينا طريقة ! ... طريقة لقتل عدد كبير من تلك الوحوش دفعةً واحدة !"
متحصلا على اهتمام الجميع أخيرا ، قام الساحر باخبارهم عن الطريقة التي جاءت بها لونا ..
"كل ما علينا فعله ، هو جذبهم اليها . و ستتكفل هي بالباقي ."
الساحر عرض الخطة ، التي كانت ببساطة تتجلى في ضرب الوحوش بسحر المستوى الاعلى الناري الذي كانت لونا تحضره منذ بعض الوقت ..
إذا ما تلقواه بشكل مباشر ، فهم كانوا واثقين من قدرتهم على ابادة عدد كبير منهم دفعة واحدة .. ما يسهل القضاء على من قد ينجو منهم .
لكن المعضلة كانت .. بكيف سيتمكنون من جذبهم ناحيتها بالضبط ؟
...
...
بهذه الاثناء ... كانت المطاردة قد بلغت منعطفات خطيرة بعدما ضيقت الوحوش الخناق على ايثان ..
عندما كان هذا الأخير يستدير للخلف ، هو لم يرى شيئا سوى الوحوش .
وحوش تركض مزلزلة طرقات الشوارع المبلطة .. وحوش آخر تزحف من على الجدران و المباني مغطية اياها بالكامل و كأنها اسراب نمل جائعة ..
و حشرات عملاقة طائرة تحجب السماء من خلفه ..
"جديا ؟ اجاءت كل الاعداد منهم ، من اجلي انا ؟"
ضحك إيثان ساخرا من نفسه و من وضعه الحالي ، اعينه تحمل ملامح التعب و الارهاق .
ليس ارهاقا جسديا ، بل نفسيا ..
فعقله هو الآخر كان يخوض حربا حاليا ، حرب تمثلت بمئات الاصوات الموحشة التي اخترقت رأسه غازيةً اياه .
كل وحش طارده ، قد حمل قصة معاناة معه ، قصة لبشري تحول الى وحش ...
إيثان استطاع سماع كل شيء بوضوح ..
اصوات تسأله ، لماذا ؟
اخرى تطالبه بالموت .
اخرى تنتحب و تبكي ، و الغالبية العظمى تصرخ بجنون غير قادرين على تحمل الالم .
الامر كان اشبه بسماع و قراءة افكار الف شخص دفعة واحدة ، و بالوقت نفسه ..
"اشعر و كأن احدهم يحاول سحق عقلي بمطرقة عملاقة .."
كل تلك الاصوات جعلت الرؤية بحد ذاتها امرا صعبا ، و كاد يسقط عدة مرات بين انيابهم الدامية ..
لحسن حظه ، هو لم يكن بمفرده .. فجاكسون جاء سريعا يقفز كالهائج بين المباني قاذفا جسده وسط اسراب الوحوش ، يقتل اثنين او ثلاثة منهم مع كل قفزة ..
"مالذي تنوي عليه يا فتى ؟" صاح جاكسون ، ملاحقا إيثان و الوحوش عن قرب .
"ما خطتك ؟!"
هو سأل ، فرد إيثان ساخرا .
"هذه هي الخطة ."
لم يكن هنالك اي افكار لامعة ، او خطط محكمة .
كل ما استطاع إيثان الخروج به سابقاً ، هو هذه المطاردة و لا شيء آخر ..
'كل ما أستطيع القيام به حاليا ، هو جذب الوحوش نحوي ، و توفير مجال لبقية الصيادين لكي يحاولوا الخروج بشيء ما ..'
فكر إيثان ، محدقا يمينا و يسارا يحاول ايجاد طريقه القادم الذي يجب ان يتأرجح بواسطة حبل الخطاف من خلاله ..
الهواء البارد لطم وجهه بشكل مستمر من شدة سرعة تأرجحه ... و قد كان بارعا جدا بذلك بعدما امضى شهرا كاملا يتأرجح بين المباني و كأنه الرجل العنكبوت ..
ذلك التدريب قد خرج بنتيجة ، جاعلا اياه يبقى حيا لكل هذا الوقت .
"اتخبرني بأن خطتك هي الهرب ، و ترك كل شيء على رفاقك ؟!!"
صاح جاكسون بعبوس بعدما ادرك بان ذلك الشاب لا يملك اي خطط على الاطلاق عكس ما توقعه .
إيثان لم يكبد نفسه عناء الرد ، فهو بالكاد كان قادرا على التركيز بكل تلك الفوضى برأسه .
"ساذج !! و انا الذي ظننتك مختلفا !"
صاح جاكسون بغضب ، ممزقا المزيد من الوحوش باياديه العارية .
"لا فائدة من الاعتماد على الآخرين ، خصوصا رفاقك الضعفاء ، فقوتهم تلك لا تكفي لتغيير اي شيء !"
صوت جاكسون حمل نوعا ما من المشاعر .. مشاعر لم يستطع إيثان فهمها كليا نظرا لحرارة الموقف الحالي و ضجيج الوحوش ..
هو استطاع سماع صوته من الأساس وسط كل ذلك ، لان صراخ جاكسون كان عاليا جدا ببساطة .
"كل ما ستجنيه من الثقة بهم هو احد الاثنين ! اما ان تموت انت بعد ان يخذلوك ! او يموتوا هم امام عينيك لضعفهم و قلة كفائتهم !"
كل كلمة قالها جاكسون .. جعلت إيثان يشعر و كأن ذلك العملاق يتحدث عن تجربة خاصة به.
و كأن ندبات من الماضي لم تلتئم بعد ، ندبات و جروح جعلته ما هو عليه اليوم .
"انت مخطئ يا جاكسون ، فانا لست بالرجل الذي يعتمد على قوة رفاقه بناءا على المشاعر و الإيمان الاعمى ."
"بل اثق بهم ، لانني اعلم ما هم قادرون على القيام به ."
كان إيثان واثقا بهذا القدر على الاقل مما رآه منهم ، و من خبرته عندما كان لاعبا بالماضي ..
تلك هي العوامل التي جعلته يراهن عليهم بهذا الموقف الشائك ، محاولا شراء الوقت من أجلهم .
خطأ واحد سيكون كفيلا باسقاطه من السماء بين براثن الوحوش ، و قد صمد لوقت طويل بطريقة ما ..
لكن حظه قد نفذ على ما يبدو ، و هذا ما ادركه جاكسون عندما شهد باعينه احد الحشرات العملاقة تدرك إيثان أخيرا منقضةً عليه و مسقطة اياها نحو الأرض..
كل شيء حدث بسرعة ، و كان الاصطدام عنيفا فكل من الحشرة العلاقة و إيثان قد سقطا وسط الوحوش الأخرى .
وحوش انقضت عليهم من كل الجهات على الفور ، طمعا بسفك دماء حامل لعنة الظلمات .