"أنت مجددا ..." قال ايثان بصوت خافت بينما ابتلع ريقه ..
امامه ، ظهر الفارس الذهبي مرة أخرى من العدم ، و تماما كالمرة السابقة .
بدا و كأن الزمن نفسه قد توقف عن المضي قدما .
جاكسون كان لا يزال قريبا ، غير قادر على ادراك شيء مما كان يحدث ، و بالمثل ... لم يستطع اي من الصيادين او المخلوقات من حولهم الحركة او التفاعل معهما .
و كأن العالم باسره لم يعد قادرا على مجاراتهما ..
ايثان بابتسامة متكلفة ، قد حدق بالفارس الذهبي الواقف امامه و التوتر باد عليه ..
"تظهر بمجرد حديثنا عنك ، اكنت تنتظر هذه اللحظة عمدا ؟"
ردا ، امال الفارس الذهبي رأسه جانبا قليلا بينما اضاءت اعينه الحمراء .
"لا علم لي بما دار بينكم ، فانا لا أستطيع التفاعل مع احد سواك "
رد الفارس الذهبي ، قبل ان ينتبه لتوتر ايثان الذي تراجع خطوة مقابل كل واحدة اقترب بها الفارس منه .
فتنهد من تحت خوذته ازاء ذلك .
"انا لم آتي لإيذائك يا فتى ، ولا اضمر شرا لا لك ولا لرفاقك ."
ايثان اخرج ضحكة جافة بينما رد ينفس الابتسامة المتكلفة : "أشك بكلامك هذا ، فكيف لي البقاء هادئا و زعيم هذه المدينة الملعونة النهائي واقف امامي ؟"
"ظننتك ستبدأ الثقة بي قليلا ، الم اكن انا من حذرك سابقا عندما هاجم الشيطان الحديدي ؟" قال الفارس الذهبي بنبرة ابانت على بعض السخرية ، فعبس ايثان ردا .
"تحذير ؟ بالكاد منحتني دقيقة واحدة للتصرف !"
"لكنك استطعت التعامل مع الوضع بسلاسة ، بفضل الدقيقة الواحدة تلك ." وقف الفارس الذهبي بحافة المبنى ، و اطل على الصيادين الاخرين المتجمدين بالاسفل .
جاكسون كان بجانبه تماما ، لكن اعين الفارس الذهبي لم تنظر اليه قط .
بل اعطى نظرة فاحصة على سائر الصيادين ، ثم عاد لايثان مرة اخرى .
"أنتم تبلون جيدا ، فخطتكم قد نجحت على الاغلب .. و النار بالخارج قد اشتعلت بما فيه الكفاية ، لايصال الرسالة. "
شد ايثان قبضته دون وعي ازاء سماع هذا ، فالفارس الذهبي كان على علم بخطتهم على ما يبدو ..
"لماذا اتيت هذه المرة ؟ لا تخبرني ان وحشا آخر قادم الينا .."
ادار ايثان رأسه متفحصا المنطقة متوترا خوفا من قدوم شيطان حديدي آخر ، فالفارس الذهبي لم يجلب معه سوى الشؤم سابقا.
لكن و لحسن الحظ ، الفارس الذهبي هز رأسه نافيا .
"لا تقلق ، فلا وحوش هذه المرة ... فقط ، انا ."
سكت الفارس الذهبي لبرهة ، قبل ان يتابع الكلام .
"أتيت هذه المرة لتحذيرك أيضا ، لكن بشأن امر مختلف ."
ايثان استمع لهذا بصمت ، قبل ان يسأل بتردد ..
"تحذرني من ماذا ؟"
الفارس الذهبي رفع اصبعين ردا .
"من شيئين اثنين ."
"من هذه المدينة ، و من اللعنة التي تحملها. "
ادار الفارس رأسه بعيدا ، موجها نظره ناحية الكتيدرائية القديمة التي لم تكن بالبعيدة .
"قريبا ، لن تتمكن النار الام بالخارج من كبح قوى اللعنة بهذه المدينة ، و ستعود آشفارن القديمة للسطح مجددا ."
"إذا ما حدث هذا ، فسيتم كسر القيود التي تبقيني حبيسا داخل الكاتيدرائية و سأتمكن من الخروج . سيكون عليكم ايقافي و تطهير هذه الزنزانة قبل حدوث ذلك ."
ما قاله الفارس الذهبي اعلن بدأ العد التنزالي ، و النار ستخسر ضد ظلمات اللعنة بأي لحظة الان ..
"كم .. من الوقت تبقى لنا ؟" سأل ايثان ، و الجدية بادية عليه.
فأجابه الفارس الذهبي بعد بضع ثوان من التفكير ...
"اسبوع واحد بافضل الاحوال .. ربما أقل. "
"هذا اسوء مما ظننت .." ازداد عبوس ايثان ، مدركا ان الوقت كان ضيقا اكثر مما اعتقد بكثير .
"إذا لم تتمكنوا من قتلي ، و قتل المخلوق الذي يسيطر على جسدي حاليا بالوقت المناسب .. ستحدث كارثة لا محالة ، كارثة ستحول كل افراد العشيرة بالاعلى الى وحوش .. تماما مثل تلك الموجودة هنا بهذه المدينة ." قال الفارس الذهبي محدقا نحو الاعلى بالسماء المزيفة .
و أومأ ايثان ردا : "انا اعلم هذا بالفعل ، لكن ما باليد حيلة فلا أحد منا يقوى على قتالك ، و املنا الوحيد موجود خارج المدينة ."
"فالنأمل ان يصل هذا الذي تضعون املكم عليه سريعا ."
"ضع بالاعتبار ان وحشا اخر من مستوى ملك موجود بالكاتيدرائية ، رفقة اخرى بذروة رتبة القديس ."
الفارس اعطاه معلومات اضافية عن الوحوش الموجودة بداخل الكاتيدرائية ، بما في ذلك رتبها .
ما جعل ايثان يجد نفسه عاجزا عن فهم الفارس الذهبي ..
"لماذا تعطيني كل هذه المعلومات ؟ ظننت زعيم هذه الزنزانة الارثية يسيطر عليك بالكامل ، فكيف تقوى على الظهور امامي هكذا ؟"
كان الامر محيرا .
فارس الفجر الذهبي التزم الصمت لبعض الوقت ، قبل ان يستدير قليلا كاشفا كتفه لايثان .
ثم بشكل سحري ، اختفت قطعة من الدرع التي كانت تغطي كتف الفارس الايسر و تم الكشف عن بشرته الشاحبة للمرة الاولى . فالدرع كان يغطيه بالكامل من الرأس الى القدمين سابقا.
لكن ايثان لم يملك الرفاهية لامعان النظر ببشرته و ما الى ذلك ، فاعينه ظلت تحدق بذلك الرمز المظلم الذي كشفه الفارس له .
وسم كسوف مظلم مكتمل ، ينبعث منه ظلام عجيب ..
"لعنة الوسم .."
أومأ الفارس .
"انا احمل لعنة المستوى الرابع ، الكسوف المكتمل .. لعنة من نفس نوع الخاصة بك ، أستطيع التواصل معك بهذه الطريقة لهذا السبب تحديدا. "
"عن طريق ارسال المانا الخاصة بي لتنشيط لعنتك ، يمكنني التهيؤ لك بهذه الطريقة سرا دون علم المخلوق الذي يسيطر على جسدي ."
بدأ ايثان يفهم ما كان يحدث اخيرا .
مدركا أن حاجز لونا الذي يكبح اللعنة يمنع مرور مانا سادة الليل ، لكنه لا يقيه من الوحوش الملعونة الاخرى .
اذا ما جاء وحش قوي جدا و حاول تفعيل لعنة ايثان ، فهو سينجح بذلك تماما كما فعل ماثيوس بالماضي .
"لقد سبق و اخبرتك ، أنا لست بوحش ، و لست بالرجل الذي يذبح ابناء عشيرته ." قال الفارس الذهبي متنهدا .
"إذا ما كنت قادرا على المساعدة و لو قليلا ، فسأفعل دون تردد .. فلا نية لي لرؤية نفسي اذبح المزيد .. ليس أكثر مما ذبحت بالفعل. "
اخفى الفارس وسم اللعنة خاصته ، بينما تحسس ايثان لعنته الموجودة بمؤخرة رقبته .
"قلت انك اتيت لتحذيري .. من اللعنة .." اشار ايثان للشيء الثاني الذي جاء الفارس لتحذيره منه ، فأومأ هذا الاخير .
"لعنة الوسم ليست كما تظن ، هي ليست مجرد لعنة عادية تعود عليك بتأثير ما ، بل اكثر من ذلك بكثير. "
"مالذي تعنيه ؟" سأل ايثان بتردد .
"لعنتي هذه لم تعد علي سوى بالتعاسة منذ حصولي عليها ، أتخبرني ان هنالك المزيد مما اجهله عنها ؟"
"هذا صحيح ، فلعنات الوسم عالية المستوى تأتي من سادة الليل بانفسهم ، لقد حصلت على خاصتي من غلاديوس .. حكمة الليل. اما انت ، فيبدو ان خاصتك جاءت من شيطان التوازن .." قال الفارس الذهبي بينما اقترب من ايثان .
"الوسم هو لعنة ، و بنفس الوقت يعتبر برهانا على انك مختار .. مختار من قبلهم لتخضع للمحنة ."
كان عبوس ايثان يزيد مع كل كلمة قالها الفارس الذهبي ..
'انا الان اسمع عن اشياء اجهلها بالكامل .. حتى اللعبة نفسها لم تتعمق بموضوع لعنات الوسم و كانت القصة حولها غامضة حتى النهاية ...'
"عن اي محنة تتحدث ؟" سال ايثان بعبوس .
و اجابه الفارس الذهبي .
"المحنة ، هي امتحان من سادة الليل . فبمجرد حملك للعنة الوسم ، انت تصبح مستهدفا من الصيد الجامح ."
"حاملوا لعنة الوسم يمرون بمحن كثيرة طيلة حياتهم ، و معضمهم يموتون باحدها ، لكن شيئا مميزا يحدث لاولئك الذين يصمدون حتى النهاية .. شيء يفوق الخيال ."
"لهذا يعتبر حاملوا الوسم مميزين ، فنحن اشبه بالمختارين ."
وجد ايثان نفسه يتفحص لعنة الوسم خاصته مع كل كلمة يذكرها الفارس ...
"مالذي يحدث للذين ينجون حتى النهاية ؟ مالذي قد يجنيه سادة الليل منا ؟"
ردا على هذا ، هز الفارس الذهبي رأسه .
"لا علم لي ، فانا بالكاد نجوت من الصيد الجامح .. و حوصرت بعدها بهذه المدينة ."
"لقد سيطر علي ذلك المخلوق بالنهاية ، لذا افترض انني فشلت بالمحنة ."
تنهد ايثان بخفة ، بعدما بات الان يوجد شيء اضافي هو مجبر على التفكير فيه ..
"هذا مربك جدا ، ولا يساعدني اطلاقا .."
"قد يبدو لك الامر هكذا ، لكن سيكون من المفيد لك وضع ما اخبرتك به بعين الاعتبار إذا ما نجوت من هذه المدينة ."
"كما انه يجب عليك الحذر من رسول سيد الليل الذي وسمك ، فهو سيظهر عاجلا ام آجلا من حولك متنكرا "
اعين ايثان اضاءت بمجرد ذكر الفارس للرسول ، متذكرا رسولة التوازن العجوز التي التقاها باقامة الصيادين .
"هل حدث لك امر مشابه ؟" هو سأل ، و أومأ الفارس الذهبي .
"اجل ، لقد جاءني احد اتباع الحكمة ، و قتلته بمجرد ايجادي له. "
"هناك رسول متنكر تابع لشيطان التوازن يتحرك من حولك."
في اللحظة التي أخبره فيها الفارس الذهبي بذلك—
كان أول شخص خطر في ذهن إيثان هو المرأة العجوز التي التقاها في مقر إقامة النخبة.
'تلك المرأة واحدة من أتباع التوازن بلا شك...'
'لكن أن تكون هي الخادمة التي أُرسلت خصيصًا من أجلي... فهذا غير منطقي.'
'لم أحصل على العلامة إلا قبل بضعة أشهر.'
'بينما هي مختبئة داخل آشفارن منذ سنوات طويلة بالفعل...'
مهما فكر إيثان في الأمر، لم يستطع تقبل احتمال أن تكون المرأة العجوز هي الشخص الذي أُرسل خصيصًا بسببه.
أما الشخص الثاني الذي خطر في ذهنه...
فكانت الساحرة شيركي.
الساحرة نفسها العالقة معهم حاليًا داخل آشفارن القديمة، والتي تحمل العلامة نفسها تمامًا التي تحملها المرأة العجوز، في مصادفة مثيرة للريبة بشكل لا يُصدق.
ومع ذلك، لم يمتلك إيثان أي دليل حقيقي ضدها باستثناء تصرفاتها الغريبة—
تصرفات يمكن تفسيرها بأكثر من طريقة.
"سأضطر إلى التفكير في طريقة لكشف ذلك الرسول اللعين لاحقًا..."
هز الفارس الذهبي رأسه، مقدمًا له نصيحة ثمينة.
"لا تحاول معارضتهم."
"الرسل أقوياء، وقتلهم بالغ الصعوبة."
"وأنت ضعيف."
"بمستواك الحالي، لا يمكنك هزيمة أحدهم."
أطلق إيثان تنهيدة خافتة قبل أن يجيب.
"لا أتوقف عن مواجهة محن تذكرني باستمرار بمدى ضعفي فعلًا..."
قال ذلك قبل أن يرفع عينيه نحو الفارس الذهبي مجددًا.
الحاكم الأخير لسجن الإرث، ذلك الذي ظل إيثان يخشاه طوال هذا الوقت...
لم يكن يشبه إطلاقًا ما تخيله عنه.
فعلى الرغم من الحضور الساحق الذي بث الرعب فيه في البداية، لم يكن الحديث مع الفارس الذهبي صعبًا.
بل كان من النوع الذي يستطيع المرء التحدث معه بسهولة مفاجئة، رغم الفارق العبثي في القوة بينهما.
'يبدو طبيعيًا... وغير طبيعي في الوقت نفسه.'
'كما لو أن شيئًا ما بداخله مكسور.'
وبينما غرق إيثان للحظات في أفكاره—
بدأ العالم من حولهما يتحرك ببطء من جديد.
"يبدو أن وقتي قد انتهى هذه المرة أيضًا."
تحدث الفارس الذهبي بصوت بارد خالٍ من المشاعر، بينما كان يحدق نحو الأفق البعيد، حيث لم يوجد شيء سوى مبانٍ مظلمة شاهقة.
"لعل هذا سيكون لقاؤنا الأخير بهذه الطريقة، يا خليفي..."
"في المرة القادمة التي نلتقي فيها..."
"فسيكون ذلك على الأرجح في ساحة المعركة."
وعندها—
سيصبح الفارس الذهبي عدوًا يحاول قتل إيثان وجميع رفاقه.
بدأ وجوده يتلاشى تدريجيًا، بينما استأنف الزمن من حولهما تدفقه ببطء.
ظل إيثان صامتًا وهو يراقبه يختفي، عاجزًا عن تحديد ما الذي ينبغي عليه قوله للرجل الواقف أمامه.
فالفارس الذهبي لم يكن سوى روح تحتضر، تصارع داخل جسد سُلبت منه حريته—
واختُزلت إلى مجرد بيدق آخر بين عدد لا يحصى من بيادق اللعنة.
كان عبدًا.
عبدًا بقوة تفوق الخيال.
كان الفارس قد أوشك على الاختفاء تمامًا عندما شعر إيثان أخيرًا أن عليه قول شيء ما.
فخرجت الكلمات من فمه مباشرة.
"شكرًا لك..."
"على كل شيء."
قالها بشيء من التردد، غير متأكد مما إذا كان عليه حقًا شكر رجل قد يضطر في المستقبل إلى قتله بيديه.
ومع ذلك، فعلها.
لأنه أدرك أن الرجل الواقف أمامه لم يكن عدوه—
على الأقل ليس الآن.
حدق الفارس الذهبي فيه بصمت لثانية.
ثم انفجر فجأة بضحكة عالية.
لم يستطع إيثان رؤية التعبير المرتسم على وجه الرجل تحت الخوذة الذهبية—
لكن سماع صوته وحده كان كافيًا ليجعله متأكدًا من أن الفارس كان يبتسم.
"حظًا موفقًا، يا خليفي..."
"أيها الصياد الملعون."
"إذا نجحت في قتلي..."
"فسنلتقي مجددًا بلا شك."
نطق الفارس الذهبي بتلك الكلمات الأخيرة قبل أن يختفي تمامًا.
وعاد الزمن إلى التدفق بشكل طبيعي.
وجد إيثان نفسه واقفًا بجوار جاكسون في الموضع نفسه الذي كان فيه منذ البداية.
كما لو أن لقاءه بالفارس لم يكن سوى وهم.
كان لقاءً قصيرًا.
ومع ذلك، ظل إيثان يفكر فيه طويلًا بعد انتهائه...
وصورة ذلك الفارس الذهبي رفضت أن تغادر ذهنه.
في النهاية، كان ذلك الصياد الأسطوري العجوز قد حذره مما ينتظره في المستقبل—
لكن إيثان شعر أن ذلك لم يكن السبب الحقيقي وراء مجيء الرجل لرؤيته.
'ربما...'
'كان يريد فحسب شخصًا يتحدث معه بعد كل تلك السنوات...'
على الأقل...
هذا هو الشعور الذي بقي لدى إيثان بعدما تحدث معه مرتين.
أدار إيثان رأسه نحو جاكسون، الذي كان قد بدأ بالفعل يستعد للعودة إلى القتال.
وأدرك أن الصياد العملاق كان على الأرجح أكثر شخص حي يعرف الفارس الذهبي، باعتبار أنهما صيادان من الجيل نفسه.
أراد إيثان أن يسأله المزيد عن الفارس...
لكنه تراجع في النهاية، محتفظًا بلقاءاته مع الفارس الذهبي سرًا لا يعرفه سواه.
ثم أعاد انتباهه إلى الواقع—
كانت الوحوش لا تزال تتدفق إلى ساحة المعركة، بينما واصل رفاقه الصيادون القتال في الأسفل.
كان فريقهم الحالي قويًا.
فمعظمهم بلغ بالفعل رتبة النخبة، وتجاوزت مستوياتهم الأربعين.
في الظروف العادية، كانت مثل هذه القوة ستكون ساحقة.
لكن داخل المناطق العميقة من المدينة...
لم تكن تكفي بالكاد سوى للبقاء على قيد الحياة أمام الوحوش الكامنة هناك.
خصوصًا الفرسان السود الذين استدعتهم اللعنة.
مخلوقات متوحشة ترفض السقوط بسهولة، كما لو أن كل واحد منها وُلد لغرض واحد فقط—
خدمة الفارس الذهبي.
"لعنة الظلام غريبة حقًا..."
"تحول البشر إلى وحوش..."
"وتخلقها من العدم أيضًا..."
لم تهدأ المعارك بعد ذلك.
بل على العكس...
مع مرور الساعات، ازداد ضغط الوحوش ثقلًا، كما لو أن اللعنة نفسها بدأت تدرك أن الوقت لم يعد في صالحها. امتلأت الشوارع المظلمة بالكوابيس من جديد، بينما استمرت أصوات الاصطدامات والانفجارات السحرية في التردد عبر آشفارن القديمة بأكملها.
قاتل الصيادون بلا راحة.
وتحت ضوء النيران المشتعلة، تحركت ظلالهم وسط الأطلال كأشباح مغطاة بالدم والدخان.
وكان إيثان بينهم.
لم يتوقف سيفاه عن الحركة ولو للحظة واحدة، بينما التف درع الهالة الأسود حول جسده كدخان كثيف. أصبحت خطواته أسرع من السابق، وحركاته أكثر حدة، بعدما بدأ يتكيف تدريجيًا مع أسلوب أستيريون للسيف داخل القتال الحقيقي.
ظل الفرسان السود أكثر أعدائه إزعاجًا.
لكنهم لم يعودوا مرعبين كما كانوا في البداية.
إيثان بدأ يفهمهم.
فهم إيقاع حركاتهم، واللحظات التي يلتزمون فيها بالهجوم، وحتى الزوايا التي يصبح فيها درعهم عديم الفائدة.
وكلما طال القتال، تراكمت خلفه المزيد من الجثث السوداء.
ومع ذلك...
لم يتحسن الوضع.
لأن أعداد الوحوش واصلت الازدياد بلا نهاية.
فكل شارع طهروه كان سرعان ما يغمره سرب آخر من المخلوقات الخارجة من الأعماق، كما لو أن المدينة نفسها لا تستطيع التوقف عن إنجاب المزيد.
قاتلت مون في الخطوط الأمامية إلى جانب جاكسون وغوستاف.
اشتعلت نيران العنقاء الخاصة بها وسط الظلام كشمس، تمزق الوحوش بينما تناثر الرماد القرمزي عبر الشوارع المحطمة.
وفي الوقت نفسه، ظل رايدن الجدار الذي يحمي الجميع كلما بدأت تشكيلاتهم بالانهيار، بينما دعمت لونا وشيركي المعركة بسحر لا ينقطع.
حتى أليسيا...
تلك الفتاة التي كانت ترتجف من الخوف يومًا، بدأت تقاتل بصمت قاتل، تتحرك بخفة بين الوحوش، تضرب نقاط ضعفها قبل أن تختفي مجددًا قبل أن يتمكن أي شيء من لمسها.
أما تشاي هارت—
فقد أصبحت سهامه مرعبة في دقتها.
لم يعد الصبي الصغير يبدو كطفل داخل ساحة المعركة.
بل كصياد حقيقي.
ورغم كل ذلك...
بدأ الإرهاق يلتهم الجميع تدريجيًا.
تراكمت إصاباتهم.
وبدأت احتياطيات المانا تنفد.
حتى جاكسون نفسه، رغم قوته كملك، لم يعد يتحرك بالسهولة نفسها التي كان عليها من قبل.
فالوحوش الخارجة من أعماق الكاتدرائية كانت أقوى بكثير مما توقعه الجميع، وبعضها امتلك قوة اقتربت بصورة مخيفة من مستوى الملوك.
ومع مرور الوقت...
بدأ الخوف يعود ببطء من جديد.
لم يكن خوفًا من الموت.
بل خوفًا من ألا تصل المساعدة في الوقت المناسب.
كان إيثان يستطيع الشعور بذلك بوضوح كلما نظر إلى وجوه الصيادين من حوله.
لقد استمروا في الصمود فقط لأن الأمل عاد إليهم.
لأن الرسالة وصلت أخيرًا إلى العالم الخارجي.
لكن...
ماذا لو كان الوقت قد فات بالفعل؟
ماذا لو كانت آشفارن القديمة وحشية أكثر مما يمكن إنقاذه؟
ظلت تلك الأفكار تمر في ذهن إيثان بينما قطع رأس فارس أسود آخر بنصله، قبل أن يرفع عينيه نحو السماء الاصطناعية القرمزية فوقهم.
الليل داخل المدينة لم يتغير قط.
الظلام نفسه.
الرائحة نفسها.
الإحساس نفسه...
كما لو أن المدينة بأكملها كانت تنتظر شيئًا ما.
فجأة....
اهتزت إحدى النيران البعيدة بعنف.
اندفعت ألسنة اللهب بصورة غير طبيعية للحظات قصيرة، ما جعل الصيادين يتوقفون قليلًا ويحدقون نحوها بتوتر.
حتى الوحوش نفسها تراجعت غريزيًا.
قطب إيثان حاجبيه فورًا.
ذلك الإحساس...
كان مختلفًا.
لم يكن حضور لعنة.
ولا وحش.
بل شيئًا آخر تمامًا.
شيئًا جعل حتى جاكسون يرفع رأسه ببطء، بينما اشتدت نظراته للمرة الأولى منذ وقت طويل جدًا.
وسط الشوارع المظلمة البعيدة، ظهر رجل عجوز يسير بهدوء عبر المدينة.
ارتدى رداءً أسود طويلًا انسدل خلفه مع الرياح الباردة، بينما غطت لحية حمراء جزءًا من وجهه الحاد.
أما عيناه...
فكانتا بلون قرمزي أحمر مرعب.
تجمدت مخلوقات الظلام المتكدسة في الشوارع لعدة لحظات.
ثم...
بدأت تتراجع.
ضاقت عينا إيثان في اللحظة التي رآه فيها.
ذلك الحضور...
لم يكن طبيعيًا.
كان يشبه إلى حد كبير ما شعر به أمام الفارس الذهبي.
فارقًا ساحقًا في القوة.
لكنه كان مختلفًا.
أكثر هدوءًا.
وبطريقة ما...
أشد خطورة بكثير.
واصل الرجل العجوز السير عبر الشوارع الملطخة بالدماء، بينما انعكست ألسنة اللهب على ملابسه السوداء.
وأخيرًا، اقتربت منه الوحوش.
اندفع العشرات نحوه دفعة واحدة من الأزقة المظلمة.
لكن...
الرجل العجوز لم يتوقف عن المشي.
ولم يلتفت إليهم حتى.
وفي اللحظة التالية—
انشطرت أجساد الوحوش فجأة إلى نصفين.
انفجرت الدماء في أنحاء الشارع، بينما انهارت الجثث واحدة تلو الأخرى قبل أن يتمكن أي شخص حتى من فهم ما حدث.
حتى إيثان نفسه...
لم يرَ الضربة.
تجمد الصيادون في أماكنهم.
وتوقف الرجل العجوز أخيرًا أمام أقرب نار.
ثم رفع عينيه القرمزيتين ببطء نحو الصيادين.
ووسط الصمت التام ... دوّى صوته العميق الهادئ في أنحاء المدينة بأكملها.
"هذه الليلة..."
"سينضم أستيريون إلى الصيد."