في صباح صيفي مظطرب مليئ بغيوم تحمل إشعاع كثيفا داخل شاحنة مدرعة التي تشق طريقها في طريق جبلي وعر، وصوت متهدج يخرج من مسجل قديم، يتردد بصدى خشن وتقطعات تشبه احتضار صاحب التسجيل:
"الأرض.. الكوكب الذي احتضن البشر لآلاف السنين، لم يعد كما كان. عام 2076 لم يكن مجرد تاريخ، بل كان نهاية العالم الذي نعرفه. الحرب العالمية السادسة.. جحيم نووي أكل الأخضر واليابس واستهلك آخر قطرة من مواردنا.. (تشويش حاد).."
تغيرت نبرة الصوت لتصبح أكثر ضعفاً، وكأن الإشعاع تسلل حتى للأشرطة المغناطيسية:
"المسخ.. هذا ما أصبح عليه العالم. 'المتعفنون' يسكنون الأنقاض الآن، كائنات مشوهة تنشر الموت الذري أينما حلت، تتغذى على اللحم الملوث وتلفظ سمومها في الهواء. هرب من هرب إلى النجوم.. المريخ وبلوتو وصاروا ينظرون للأرض كقبر بعيد.. (تشويش).. ومنظمة R.S.C.O تحاول الآن تجميع الشتات لمكان آمن.. وبهذا.. وبهذ.. (صمت مطبق)."
قطع الصمت صوت ضربة عنيفة على هيكل المسجل المعدني. صرخ أمير، المراهق ذو الشعر البني المحمر والعينين اللتين تشتعلان كالجمر: "تباً! توقف هذا الحطام مجدداً في اللحظة الحاسمة!"
رد عليه فوكس ببروده المعتاد، دون أن يحيد بنظره الأزرق عن النافذة الصغيرة، ضاماً ذراعيه لصدره: "لا داعي للعنف يا أمير، البطارية فرغت تماماً.. تحقق منها بدلاً من تحطيم الجهاز."
زفر أمير بضيق، وفتح غطاء البطاريات ليجدها متهالكة، فرمى المسجل بكل قوته على أرضية المدرعة ليتشظى إلى قطع صغيرة: "اللعنة! كانت هذه آخر بطاريات نملكها.. سأجن من الملل في هذه الرحلة اللامتناهية!"
علق فوكس بهدوء وثقة: "حساباتي تقول إننا سنصل خلال عشر دقائق بالضبط إلى المحمية، لذا وفر طاقتك لأشياء مفيدة."
رفع فتى آخر شعره الأسود ذو الخصلات البيضاء، ونظر لفوكس بعينيه البنيتين قائلاً: "أنت واثق جداً من أرقامك يا فوكس، أليس كذلك؟"
رد فوكس بابتسامة باهتة: "حساباتي لا تخطئ أبداً يا ميغا."
لاحظ ميغا التوتر الذي لا يزال بادياً على وجه أمير، فوضع يده على كتفه قائلاً بنبرة دافئة: "لا تنزعج يا صديقي.. أعدك فور وصولنا للمحمية، سأطلب من والدتي أن تحضر لنا لحم بقر طازجاً على الطريقة الجزائرية الخاصة.. طبق لا يذوقه إلا المحظوظون!"
في ثانية واحدة، تبخر غضب أمير، وتحولت عيناه إلى لمعة طفل صغير والجوع يقرص معدته: "حقا؟! لحم بقر طازج؟ أتشوق لهذا! طبخ والدتك هو الشيء الوحيد الذي يجعلني أشعر أننا لا نزال بشراً!"
ابتسم ميغا بامتنان: "شكراً على هذا الإطراء.. سيسعدها سماع ذلك."
كانت الشاحنة المدرعة تشق طريقها وسط الجبال الوعرة، تحمل في جوفها بقايا أمل البشرية؛ مجموعة من الفتيان والفتيات بين الرابعة عشرة والثامنة عشرة، بعد أن فقدوا آباءهم في المهمة الانتحارية السابقة. المدرعة تتجه الآن بسرعة ثابتة نحو مدينة وهران، القلعة الصامدة التي أصبحت تُصنف مع طوكيو وشيبويا كآخر الملاجئ الآمنة في عالم يلفظ أنفاسه الأخيرة تحت وطأة الإشعاع والمتعفنين.
مدّ ميغا يده إلى جيب بدلته العسكرية العميقة، وأخرج مسجلاً صغيراً يبدو أكثر حداثة من ذاك المحطم، وقدمه لـ أمير بابتسامة: "خذ مسجلي الخاص يا أمير.. فيه تسجيلات ومعلومات تقنية قد تهمك، ولن تعرفها من المسجلات القديمة."
التقطه أمير بلهفة وكأنه وجد كنزاً: "حقا؟! شكراً لك يا ميغا.. على الأقل لن أموت من الملل في هذه الحفرة المعدنية!"
بمجرد أن ضغط أمير على زر التشغيل، انبعث صوت رقمي نقي، بدأ يشرح ماهية المعدات التي يرتدونها:
"بعد تفشي جائحة 'المتعفنين' وتحول الأرض إلى جحيم إشعاعي، صمم العلماء البدلة القتالية A.24. إنها درع متكامل لا يصد الإشعاع الفتاك فحسب، بل يقوم بتدوير الأكسجين بكفاءة عالية، مما يسمح للمستخدم بالتنفس لفترات طويلة بأقل كمية ممكنة من الهواء النقي."
تابع المسجل سرد ترسانة الأسلحة المخصصة لمواجهة قدرة المتعفنين المرعبة على التجدد:
"للقضاء على خلاياهم المتحولة، صُممت خمسة أسلحة فتاكة:
S.56: قناص يطلق رصاصاً يتجاوز سرعة الصوت، يفجر أنسجة المتعفن قبل أن تبدأ بالترميم.
K.24: نصل خاص قادر على شطر أصلب المواد وعظام المسوخ بيسر.
BS.9: سيف ضخم صُمم لتمزيق الأعداء وتشتيت كتلتهم الحيوية.
AX.00: فأس ارتدادية تشبه 'البوميرنغ'، قادرة على حصد رؤوس عدة متعفنين بضربة واحدة.
BO.76: قنبلة كيميائية تذيب جسد المتعفن وتحوله إلى سائل غير ضار."
وقبل أن يسترسل المسجل في شرحه، امتدت يد فتى بشعر أشقر وعينين خضراوين باردتين، وأطفأ الجهاز بفظاظة. قال جيك بنبرة يملؤها التعالي: "أيمكنك إيقاف هذا المسجل الأحمق عن الثرثرة؟ رأسي يكاد ينفجر!"
انتفض أمير من مكانه والغضب يغلي في عينيه الحمراوين: "ماذا قلت أيها الوغد؟! من تظن نفسك يا جيك لتتحكم فيما نسمعه؟!"
كاد الشجار أن ينفجر لولا تدخل فتاة بشعر وردي وعينين خضراوين تفيضان بالقلق؛ تقدمت قائلة بصوت هادئ يحاول إخماد اللهيب: "أرجوكما.. لا تتشاجرا الآن! نحن في مهمة حرجة ولا نريد مزيداً من المشاكل.. رجاءً."
تنهد جيك بعمق وهو يسند ظهره للمدرعة: "كما تريدين.. سأصمت فقط لأنني منهك من المهمة السابقة، وليس خوفاً من هذا المعتوه."
أحكم أمير قبضته وهو يحاول كبح جماحه: "حسناً.. سأمررها هذه المرة، لكنك ستندم على تطاولك لاحقاً."
رد جيك ببرود مستفز: "سنرى من سيندم أولاً."
التفت ميغا نحو الفتاة ذات الشعر الوردي، وقال بابتسامة ممتنة كسرت حدة التوتر في المدرعة: "شكراً لتدخلكِ السريع يا ليلى.. لولاكِ لكانت الأمور قد خرجت عن السيطرة."
لم تتحمل ليلى الثناء المفاجئ، فاحمرت وجنتاها كحبتي طماطم ناضجتين، وأطاحت ببصرها بعيداً وهي تتلعثم بصوت خجول ورقيق: "الـ.. العفو! لم أفعل شيئاً يُذكر.. فقط لا أحب الشجار."
بعد دقائق من الصمت الذي تلا المشاحنة، بدأت المدرعة تبطئ سرعتها أمام مشهد مهيب؛ برزت محمية وهران كطود عظيم يتحدى الفناء. كانت الأسوار شاهقة، مكسوة بطبقات سميكة من الرصاص واليورانيوم المنضب لصد العواصف الإشعاعية ومنع تسلل ذرات الغبار النووي.
انفتحت البوابات الإلكترونية الضخمة بهدير ميكانيكي منتظم، لتسمح للمدرعة بالعبور إلى الداخل حيث الهواء الأنقى والأمان النسبي. ما إن توقفت الشاحنة واستقرت في مكانها، حتى انفتح الباب الخلفي واندفع أمير للخارج كالسهم.
وقف أمير في ساحة المحمية، ومد ذراعيه للأعلى بقوة وكأنه يحاول احتضان السماء، وزفر نفساً عميقاً من صدره قبل أن يهتف بسعادة غامرة: "أخيراً! لقد خرجت من تلك الشاحنة الكئيبة! شعرتُ وكأنني كنتُ محبوساً في زنزانة ضيقة لخمس سنوات.
ما إن وطأت قدما جيك أرض المحمية حتى رآه أمير، فلم يفوت الفرصة لاستفزازه. اقترب منه بابتسامة خبيثة قائلاً: "ما خطب وجهك العابس أيها الأشقر؟ هل الرحلة كانت قاسية على أعصابك الرقيقة؟ أم أنك تحتاج لـ 'لهاية أطفال' لتهدأ قليلاً؟"
استدار جيك نحوه، وعيناه تقدحان شرراً، ورد بنبرة مخنوقة من الغيظ: "فلتصمت فوراً أيها الغِر.. قبل أن أفقد صبري وأغرس نصل سكين في حنجرتك!"
تكهرب الجو بينهما مجدداً، لتقف ليلى في المنتصف وهي ترتجف توتراً: "أأ.. أرجوكما! كفّا عن الشجار، نحن بالكاد وصلنا!"
صرخ الاثنان في وجهها في آنٍ واحد: "هذا الوغد هو من بدأ! إنه لا يفهم الكلام!"
على عتبة المدرعة، وقف ميغا وفوكس يراقبان المشهد بيأس، فضربا جبهتيهما بكفيهما في حركة متزامنة. تنهد فوكس قائلاً: "يبدو أن الجينات المسؤولة عن النضج قد تعطلت لديهما تماماً.. سيظلان طفلين للأبد."
رد ميغا وهو يحاول كتم ضحكته: "دعهما وشأنهما، سيفرغان طاقتهما ويهدآن.. المهم الآن، هل لا يزال كايزر نائماً بالداخل؟"
أجاب فوكس ببرود: "نعم، لم يتحرك قيد أنملة منذ بداية رحلة العودة."
في زاوية مظلمة من المدرعة، كان يربض فتى بشعر أخضر مموج تميزه خصلة صفراء، وضخامة جسدية توحي بأنه جبل من العضلات. كانت هناك ندبة عميقة تمتد من فمه حتى أذنه، تضفي على ملامحه هيبة مرعبة رغم غطيطه العميق.
اقترب ميغا منه وبدأ يهز كتفه بقوة: "كايزر! استيقظ يا رجل.. لقد وصلنا! هيا، افتح عينيك!"
لكن كايزر كان في عالم آخر، ولم يبدِ أي استجابة. حك ميغا مؤخرة رأسه بحيرة: "لا فائدة.. نومه أثقل من جبال الأطلس!"
هنا، استل فوكس خنجراً لامعاً من جيب بدلته العسكرية، وقال بلهجة قاطعة: "تنحَّ قليلاً يا ميغا.."
تعجب ميغا: "ماذا؟ ماذا ستفعل بهذا النصل..؟"
وقبل أن يكمل سؤاله، انطلق الخنجر من يد فوكس كالبرق نحو رأس كايزر. وفي جزء من الثانية، وبحركة غريزية خارقة، فتح كايزر عينه اليمنى وأطبق يده على النصل قبل أن يلمس جلده بسنتيمترات قليلة!
صرخ ميغا مذعوراً: "فوكس! هل جننت؟! كدت تقتله!"
رد فوكس ببرود مخيف وهو يستعيد هدوءه: "ما المشكلة؟ لقد نجحت الخطة واستيقظ.. أليس هذا ما أردناه؟"
المشهد الرابع عشر: كنز ون بيس
خرج صوت كايزر من أعماق حنجرته، خمولاً وممزوجاً بنبرة غضب مكتومة: "ماذا حدث؟ هل وصلنا فعلاً؟ ومن هذا المعتوه الذي يرمي الخناجر على رفاقه؟"
رفع فوكس يده بلامبالاة: "أوه، إنه خنجري.. أنا من فعل ذلك."
سأله كايزر وهو يرمقه بنظرة حادة: "ولماذا، بحق الجحيم؟"
أجاب فوكس وهو يغلق سترته: "ميغا حاول إيقاظك بكل الطرق السلمية وفشل..فنومك أشبه بنوم دب في سباته الشتوي!".
تنهد كايزر بعمق، وعدل من وضعية رقبته محدثاً صوتاً ميكانيكياً خفيفاً، وقال بنبرة هادئة ولكنها تحمل تهديداً مبطناً لفوكس: "حسناً.. سأمررها لك هذه المرة، لكن ضع في حسبانك أنني إذا استيقظتُ في المرة القادمة بفعل نصلك، فإن ما سيحدث بعدها لن يكون خطئي."
رد فوكس ببروده المعتاد وهدوئه المستفز: "أجل.. أجل.. بالطبع، سأضع ذلك في اعتباري."
تدخل ميغا ليلطف الأجواء، ووضع يده على ذراع كايزر الضخمة: "هون عليك يا صديقي، فوكس كان يمزح بطريقته الخاصة، وهو يعلم يقيناً أن خنجره لن يخدش حتى جلدك."
تثاءب كايزر بعمق، ثم نهض من مقعده الذي بدا صغيراً على حجمه، وقال وهو ينظر لميغا بتقدير: "حسناً يا ميغا، كما تريد.. سأعتبرها مجرد 'منبه' عنيف."
ترجل كايزر من المدرعة، وفجأة تجمدت نظراته المتعبة وتحولت إلى حدة الصقر. كان هناك رجل بالغ يسير نحوهم بخطى واثقة، يرتدي بدلة قتالية متطورة تحمل شارة بنفسجية فريدة من نوعها؛ رمز التنين المتوهج على صدره. كان يشبك يديه خلف ظهره، ويحيط به ثلة من الحراس المدججين بالسلاح.
توقف الرجل وقال بصوت جهوري يحمل سلطة القائد: "أخيراً وصلتم يا فريق 'مخلب النمر'.. أخبروني، كيف كانت مهمتكم الأولى في هذا العالم المحترق؟"
وقف كايزر باستقامة عسكرية تامة، ورفع رأسه بشموخ قائلاً: "أيها الجنرال مصطفى، بصفتي قائد فريق 'مخلب النمر'، أعلن رسمياً أننا أنجزنا المهمة بنجاح، وقمنا بتأمين الأهداف المطلوبة."
جال الجنرال مصطفى ببصره بين أفراد الفريق، يتفحص وجوههم واحداً تلو الآخر، ثم عقد حاجبيه متسائلاً بنبرة قلقة: "أين المرشدان اللذان أرسلتهما معكم لتأمين طريقكم؟"
ساد صمت ثقيل للحظات قبل أن يرد كايزر بنبرة ثابتة ولكن حزينة: "للأسف أيها الجنرال.. لقد استشهدا أثناء الاشتباك الأخير. لم نتمكن من إنقاذهما، لكننا حرصنا على دفن جثتيهما في منطقة آمنة بعيدة عن التلوث الإشعاعي، لنضمن بقاء أجسادهم بسلام."
خفض الجنرال رأسه للحظة، وبدا التأثر واضحاً في عينيه رغم صرامته: "خسارة أخرى تضاف لسجل أرواحنا المفقودة.. لقد فقدنا جنديين عظيمين اليوم، ولكن أحسنت صنعاً يا كايزر بتأمين دفنهما. نحن نريد لأرواحهما أن ترقد بسلام، بعيداً عن دنس 'المتعفنين'."
من خلف كايزر، انحنى أمير نحو ميغا وهمس بصوت خفيض، عيناه الحمراوان لا تفارقان الرجل المهيب أمامه: "ميغا… من هذا الرجل؟"
رد ميغا بنبرة استغراب خفيفة: "ألا تعرفه حقاً؟!" ثم أضاف وهو يشير برأسه نحو الجنرال: "إنه الجنرال مصطفى. يعتبر من أعظم القادة الأربعة في العالم، وهو يمثل الشعب العربي لبلادنا. وتلك الشارة على صدره… أقصد رمز التنين… هي إشارة واضحة لاتصاله بمنظمة R.S.C.O."
اتسعت عينا أمير بذهول، وهو يحاول استيعاب حجم المكانة: "يا إلهي… هذا رجل له مكانة رفيعة حقاً!"
---
ينتقل المشهد إلى الجنرال مصطفى، الذي كان لا يزال واقفاً في مكانه بثبات الجبال. قال بصوت حازم لكنه يحمل نغمة أبوية خفيفة:
"حسناً يا فريق 'مخلب النمر'، توجهوا إلى قاعة الفحص، ثم اذهبوا لترتاحوا…" توقفت عيناه على كايزر للحظة، ثم أضاف: "وأيضاً أيها القائد… أنتظر منك تقريراً عن مهمتك."
رفع كايزر يده بسرعة إلى جبينه في تحية عسكرية محكمة، ورد بصوت ثابت لا يخلو من فخر: "علم!"
---
بعد أن ابتعد الجنرال مع حرسه، توجه الفريق نحو قاعة الفحص. كانت ممرات المحمية واسعة، جدرانها من الخرسانة المسلحة تتخللها أنابيب تهوية ضخمة تئنّ كأنها تتنفس.
عندما وصلوا، انفتحت الأبواب الإلكترونية بهسهسة خفيفة، ليكتشفوا مكاناً أشبه بمختبر صغير لكنه متطور. في وسطه، وقف رجل يرتدي بدلة مختبر بيضاء، ونظارات طبية سميكة تحدق في لوحة تحكم مضيئة. بجانبه، كانت هناك كبسولة متطورة شفافة، يحيط بها أذرع آلية وأجهزة فحص دقيقة.
نطق العالم بصوت روتيني رتيب، كمن كرر هذه الجملة آلاف المرات: "حسناً يا فريق 'مخلب النمر'… ليتقدم أول شخص إلى كبسولة الفحص."
لم ينتظر جيك طويلاً. رفع يده ببرود، وتقدم خطوة: "سأدخل أولاً… لأنتهي من هذا سريعاً."
نظر إليه العالم من فوق نظارته، ثم قال: "حسناً… ولكن فلتنزع بدلتك أولاً. فهي تعرقل الفحص."
تنهد جيك وهو يخلع البدلة بحركات متسرعة، متمتماً: "حسناً… أصلاً كانت تزعجني طوال اليوم!"
أعطى البدلة للعالم دون أن ينظر إليه، وتوجه نحو الكبسولة. ما إن دخل حتى بدأت الماسحات الليزرية تعمل، تفحص جسده من رأسه إلى أخمص قدميه. استمر الأمر لثلاث دقائق كاملة، صامتة باستثناء أزيز الأجهزة.
عندما اكتمل الفحص، نظر العالم إلى الشاشات أمامه وقال: "اكتمل الفحص… نسبة الإشعاع في جسدك 0%."
ثم رفع رأسه نحو البقية: "من التالي؟"
رفعت ليلى يدها بخجل، صوتها بالكاد مسموعاً: "أ-أنا التالية…"
دخلت الكبسولة، وكرر العالم الإجراء نفسه. بعدها، رفع فوكس يده بثقة، ثم أمير الذي كان لا يزال ينظر إلى جيك بحذر. اكتمل فحصهما دون مشاكل.
أخيراً، رفع ميغا يده بابتسامة خفيفة: "حان دوري."
دخل الكبسولة، وعندما اكتمل فحصه وخرج منها، نظر إليه العالم ثم التفت نحو كايزر الذي كان واقفاً في الخلف متكئاً على الحائط: "أنتظرك يا كايزر."
ابتسم كايزر ابتسامة عريضة، ولأول مرة منذ استيقاظه بدا مفعماً بالطاقة: "لا تقلق… فأنا معك دائماً!"
بينما كان كايزر يستعد لدخول كبسولة الفحص، التفت إليه ميغا من الخارج ولوّح بيده قائلاً: "كايزر، سأسبقك إلى الداخل، حسناً؟"
أومأ كايزر برأسه الثقيل، وابتسامة خفيفة تلوح على شفتيه: "حسناً، ولكن إياك أن تنسى ترك شريحة لحم من طبخ والدتك لي!"
ضحك ميغا وهو يستدير نحو البوابة الداخلية: "سأفعل بالتأكيد.. بانتظارك!"
اجتاز ميغا البوابات الإلكترونية، ليجد نفسه يسير في أروقة طويلة لا نهاية لها. كانت الجدران الشاهقة مبنية من خرسانة مسلحة بطبقات من الفولاذ البارد، تضيئها مصابيح نيون خافتة تصدر أزيزاً مستمراً. كان صدى خطواته يتردد في المكان، مما زاد من شعوره بالضآلة داخل هذا الحصن الجبار.
همس ميغا لنفسه وهو يلتفت يميناً ويساراً بخطوات متباطئة: "هذا المكان ضخم جداً.. في كل مرة أضيع في هذه الممرات وكأنها تتغير من تلقاء نفسها!"
توقف فجأة وضرب كفه بجبهته: "تباً! أين يمكنني أن أجد خريطة لهذا المكان؟"
بعد وقت ليس بالطويل من التخبط، وجد ميغا نفسه يقف أمام مفترق طرق عريض. تنهد براحة عندما وقعت عيناه على لوحة معدنية مثبتة على الجدار تحمل خريطة هندسية مفصلة للحصن.
قال ميغا وهو يتنفس الصعداء: "الحمد لله.. أخيراً وجدت دليلاً!"
اقترب من الخريطة وبدأ يمرر إصبعه على الخطوط المتقاطعة بتدقيق شديد: "حسناً.. لنرى، إذا كانت قاعة الفحص هنا، وقد انعطفتُ يميناً في الممر السابق، فهذا يعني أنني الآن في هذا المفترق.."
عقد حاجبيه بحيرة وهو يطالع المسارين أمامه: "الخريطة تقول إن أحد الطريقين يؤدي إلى منطقة التدريب القتالي، والآخر يؤدي إلى منطقة الطعام واستراحات السكن.. ولكن، لا أعرف أيهما اليمين وأيهما اليسار على أرض الواقع!"
تراجع ميغا خطوة للوراء ووقف أمام الممرين المظلمين، يراقب الفراغ أمامه بتذمر: "الآن.. أيهما أختار؟ لماذا لا يضعون لوحات توجيهية بسيطة تبين المكان المقصود؟ هل يكلفهم طلاء الأسهم على الجدران الكثير؟!"
بعد تفكير عميق دام لثوانٍ، أدرك أن الوقوف هنا لن يطعمه لحم البقر الذي وعد به أصدقاءه. أغمض عينيه للحظة، وقرر الاعتماد على بوصلته الداخلية.
فتح عينيه وقال بنبرة متشككة ولكن حازمة: "يبدو أنني سأعتمد على حدسي.. سأتجه يميناً!".
بمجرد أن سلك ميغا الطريق الأيمن، بدأ الجو العام يتغير بشكل ملحوظ. الأروقة الواسعة بدأت تضيق تدريجياً، وجدران الفولاذ الباردة أصبحت تضغط على أنفاسه وكأنها تختنق. أضواء النيون التي كانت تنير المكان بدأت تخفت شيئاً فشيئاً، ليحل محلها ظلام كئيب يثير الريبة.
توقف ميغا في منتصف الرواق المظلم، وشعر بانقباض في صدره. تمتم لنفسه: "يبدو أن حدسي قد خانني هذه المرة.. هذا المسار خاطئ تماماً، عليّ العودة إلى ذلك المفترق قبل أن أضيع هنا!"
استدار ميغا ليعود أدراجه، لكن أذنيه التقطتا أصواتاً غريبة قادمة من آخر الرواق؛ خطوات متسارعة، لهثات مكتومة، وصوت دويّ ارتطام قوي. تحرك فضوله العميق، ودفعه لاستكشاف مصدر الضجيج. تقدم بخطوات هادئة وثابتة، يكتم أنفاسه حتى لا يصدر أي صوت.
في نهاية الرواق، وجد ضوءاً خافتاً يتسرب من شق باب أسود معدني بحجم عادي، لا يحمل أي لافتة. دفع ميغا الباب ببطء شديد والتقط نظرة سريعة للداخل.. وما رآه جعله يتسمر في مكانه!
كان هناك رجل بشعر أسود فاحم، يرتدي بدلة قتالية مختلفة تماماً عن بدلات فريقهم، يحمل بيده السيف الضخم BS.9. لكن الصدمة لم تكن في السلاح، بل في الخصوم؛ الرجل كان يواجه متعفنين حقيقيين داخل أسوار المحمية!
كانت تحركات الرجل أشبه برقصة مميتة، يقفز برشاقة مرعبة هنا وهناك، ويتلاعب بالسيف الثقيل وكأنه غصن شجرة، قاضياً على المسوخ بضربات حاسمة ومتقنة، لتتطاير أشلاؤهم في الهواء.
كان ميغا يراقب بعينين واسعتين، غارقاً في تفاصيل هذا العالم العنيف ومأخوذاً بتلك المهارة الخيالية. سأل نفسه بذهول: (من هذا الرجل؟! كيف يمكن لجسد بشري أن يحرك سيفاً بهذا الحجم بتلك الخفة؟ وماذا تفعل هذه المسوخ هنا؟)
وبينما كان عقل ميغا يسبح في بحر من الأسئلة، شعر فجأة بيد ثقيلة وصلبة ترتكز على كتفه من الخلف.
ارتعب ميغا، وسرت قشعريرة باردة في عموده الفقري. استدار بلمح البصر، ليجد نفسه وجهاً لوجه أمام الجنرال مصطفى، الذي كان ينظر إليه بنظرات لا يمكن قراءتها، متسائلاً بنبرة هادئة وحازمة في آنٍ واحد: "ماذا تفعل هنا أيها الجندي الصغير؟ أليس من المفترض أن تكون في منطقة الاستراحة مع رفاقك؟"
رد ميغا وهو يحاول استيعاب الصدمة، وبدأ يحك مؤخرة رأسه بتوتر محاولاً إخفاء ارتباكه: "الـ.. الجنرال! أنا آسف جداً سيدي، لقد ضللت طريقي في هذه الأروقة."
ظل الجنرال مصطفى يحدق في عيني ميغا لثانية بدت وكأنها دهر، قبل أن يقول بلهجة أمر: "حسناً أيها الجندي.. عد فوراً إلى منطقة الاستراحة، فوالدتك قلقة جداً في انتظارك."
تنفس ميغا الصعداء ورد بسرعة: "حسناً سيدي، سأعود فوراً!"
استدار ميغا مبتعداً عن المكان بخطوات سريعة، لكن قبل أن يُغلق الباب الأسود تماماً خلف دخول الجنرال، التفت ميغا التفاتة أخيرة. في تلك اللحظة الخاطفة، التقت عيناه بوجه السياف المجهول الذي أنهى لتوه معركته؛ كانت هناك ندبة عميقة بخط مائل تقطع وجه الرجل بالكامل، تمنحه مظهراً مهيباً ومرعباً.
حُفرت تلك الصورة في ذهن ميغا الحالم، وقال في نفسه بتصميم: (هذا الوجه وتلك الندبة.. هذا الرجل لن أنساه أبداً!).
ينتقل المشهد إلى خارج كوكب الأرض المتهالك متجها عند مركز مجرة درب التبانة، كان كوكب صغير الحجم يدور بصمت حول الثقب الأسود المركزي لمجرة درب التبانة. كوكب نوفا، الذي لا يتجاوز حجمه بلوتو، بدا تافهًا أمام عظمة المجرة، لكنه كان يحمل سرًا قادرًا على زعزعة التوازن نفسه.
عاصفة عنيفة اجتاحت سطحه، رياح متوهجة تضرب الصخور، والسماء تشتعل بألوان غير مألوفة، كأن الكون يختنق. من أعماق الكوكب، نبض ضوء غريب، قوي ومتكرر، كأنه نداء استغاثة. وفي قلب ذلك الصمت الكوني، همس صوت مجهول:
«قد حان الوقت.»