استمتعوا
حين فتح عينيه، وجد نفسه واقفًا أمام مكتب الاستقبال.
"......."
أول ما أدركه كان فخامةً مبالغًا فيها، ونظامًا مفرطًا بلغ حدّ الغرابة.
مشهدٌ مصقولٌ أكثر مما ينبغي ليُعدّ واقعًا. عرّف هذا المكان بأنه 'ردهة فندق مألوفة'. ورغم أنّ طرازه الكلاسيكي صار نادرًا في العصر الحديث، فإن جوهره كان بلا شك فندقًا.
"......؟"
...اكتشف خللًا.
'حكمٌ لا يستند إلى أساس منطقي.'
استيقظ وعيه بسرعة.
'لماذا... ظننتُ أنه مألوف؟'
حتى لو كان الأمر بغير واعي، فكل حكمٍ لا بدّ له من سبب. وهذه المرة، لم يكن السبب سوى المعلومات البصرية التي تلقّاها كما هي، دون تأثيرٍ للعاطفة.
"......."
يشعر بألفةٍ تجاه أشياء لم يسبق له أن رآها.
كأرضيةٍ من بلاط الرخام.
وأعمدةٍ وجدرانٍ ذات طابعٍ كلاسيكي.
ولا وجود لأي إنسانٍ في المكان.
وثريا ضخمة.
ومزهرياتٍ وأصيص نباتات.
'و... قطة.'
لحظة.
'قطة؟'
كتلة ظلٍّ ممدودة فوق مكتب الاستقبال.
عينان دائريتان على نحوٍ غريب، وفمٌ مقوّس كالهلال. سوداء أكثر مما ينبغي لتُسمّى قطة، وهيئتها رخوة، وتعابيرها متطرفة.
كان إي يون وو يعرف اسم ذلك الكيان. الشريك في الملكية مع المُشغِّل لهذا الفندق. ' شريك الملكية (كو أونر)' .
"كوكو."
اسمه الرسمي. كوكو.
كما لو أنه استجاب لندائه، ابتسم وهو يميل رأسه نصف ميل. لم يكن الرأس يتبع النظر، بل كأن النظر هو الذي يجذب الرأس قسرًا، في حركةٍ غير طبيعية. انبعث شعورٌ بالنفور الممزوج بالغرابة في الأجواء.
القط الذي ليس بقط أجاب.
"نعم."
"مرحبًا."
"مرحبًا."
"......."
اتّضح الجواب.
'هذا فندقٌ داخل لعبة.'
لعبة محاكاة إدارة فندقٍ مرعب،
فندق واحد: النعيم داخل الكابوس .
'اختصارها: هو وون.'
لماذا يرى حلم هذه اللعبة الآن تحديدًا؟ وهل هذا حقًا حلم؟
وكأنما ليجيب عن هذا التساؤل، مرّ الحوار السابق في ذهنه.
— نحن مقرّبون، أليس كذلك؟
— من تكون؟
"......."
[جارٍ تنفيذ التحديث]
— عفوًا؟
[يُعاد تشغيل اللعبة]
"......."
يبدو أنه ليس مجرد حلم.
وبناءً عليه، خلص إلى نتيجة مفادها أنه قد اختُطف.
"...حوار...."
"نعم."
"لنتحاور."
"نعم."
"نعم."
***
العالم، رغم ادعائه عكس ذلك، يسير على نحوٍ فوضوي إلى حدٍّ كبير.
وحياة إي يون وو لم تكن استثناءً. فقد كانت خططه الحياتية تُقاطعها باستمرار أحداث غير متوقعة، سواء كان حظًا أو سوء طالع. ولم يكن ذلك حاله وحده، بل حال جميع البشر.
أطلق إي يون وو على ذلك اسم 'المتغيرات'.
"وإذا لم يكن في ذاكرتي خلل."
"نعم."
"فإن المتغير، بحسب تعريفه، هو عنصرٌ يمكن أن يتبدّل تبعًا للظروف أو الشروط. ويُطلق أيضًا على العوامل التي يصعب التنبؤ بها أو الحالات المتغيرة."
"نعم."
"لذا فإن الحياة، مهما خُطّط لها بإحكام، لا تسير كما يُراد. وأنا أعلم ذلك جيدًا. لقد تأثرت حياتي، حتى الآن، بمتغيراتٍ كثيرة، صغيرة وكبيرة، إلى جانب إرادتي وتوقعاتي."
"نعم."
"أطلتُ الحديث قليلًا، لكن ما أريد قوله هو..."
سأل إي يون وو القط.
"أليس هذا مبالغًا فيه؟"
أجاب القط الأسود مثف الفَانتا بلاك، كوكو.
"نعم."
"ليس مبالغًا فيه؟"
"نعم."
"هل لديكِ نية للحوار أصلًا؟"
"نعم."
"بدأتُ أقلق إن كنتُ أنا المجنون."
"لا."
اليوم الرابع والأربعون منذ احتجازه داخل فندق الرعب في اللعبة.
وقد فشل إي يون وو للتو في محاولته الإقناعية رقم 172.
***
باحثٌ في الأربعين من عمره، يستيقظ ليجد نفسه مديرًا تنفيذيًا لفندق داخل لعبة، بعمر 19 عامًا.
"......."
...أي شخصٍ سليم العقل سيدرك مدى عبثية هذه الجملة.
في اليوم الأول من الاحتجاز، وبعد أن استوعب هذه الحقيقة، أمسك إي يون وو بالقط كوكو وانهال عليه بالأسئلة.
"أليس تسجيل الأعمال محظورًا لمن هم دون التاسعة عشرة؟ ألا توجد مشكلة قانونية؟"
"نعم."
"وهل من الممكن أن تحتج منظمات حقوق الإنسان على الحوادث التي تقع هنا؟ الموارد المستخدمة هنا قد تنتهك قوانين المخدرات والقوانين الطبية."
"لا."
"الظواهر المرعبة هنا قد تُعدّ قتلًا بالإهمال أو اعتداءً. إضافة إلى أن هذا المبنى لا يلتزم بقوانين البناء والسلامة، أليس كذلك؟"
"لا."
"هل تظن أن هذا القط فوق قوانين العصر الحديث؟"
"نعم."
"يبدو أنكَ مجنون، سيدي."
يا له من قط وقح.
كما يُتوقع من فندقٍ مرعب، كانت نظرته للعالم جريئة إلى حدٍّ مفرط.
وبالطبع، لم يُؤخذ برأيه.
وهكذا، أصبح إي يون وو مجرمًا. وكان ذلك من أكثر الأمور التي صدمته في حياته.
"يأتون بشخصٍ كان سيعيش بسلام ويأكل ويشرب، ثم يضعونه في هذا الوضع...."
أما القط، فاكتفى بالنظر إليه دون رد.
ومع ذلك، بذل إي يون وو جهدًا كبيرًا للهروب. حتى أنه حاول القفز من النوافذ أو السطح معتمدًا على جسده الشاب.
"هاه؟"
لكن لم يكن ممكنًا مغادرة المكان ماديًا.
"هل يعني هذا أن النوافذ لا تُفتح لأن مرحلة التدريب لم تنتهِ بعد؟"
"نعم."
"حسنًا، دعني أسأل. إذا أنهيتُ مرحلة التدريب كما في اللعبة، هل ستُفتح أبواب الفندق؟"
"نعم."
"وهل يعني ذلك أنني سأتمكن من مغادرة هذا المكان نهائيًا؟"
"لا."
"هل لديكِ ضغينة ضدي؟"
"لا."
"إذًا ما المشكلة؟"
حتى لو جمع كل ما اقترفه من أخطاء، فحدوث هذا يبدو مستحيلًا. لعل الكون قد تآمر عليه، مضيفًا حتى خطايا حياةٍ سابقة لا يعلمها.
"......."
لكن الأمر لم ينتهِ عند هذا الحد.
كانت 'هو وون' لعبة غير ودودة. لعبة يتعلم فيها المرء بالموت.
وبرفقة كوكو، الذي كان يمثل الفندق ذاته، مات وعاد للحياة مراتٍ لا تُحصى.
"...لم أصل بعد إلى سنّ الخرف."
يقسم بشرف مختبره، أنه بدأ يفقد صوابه.
حتى بات يشك، للمرة التاسعة والثمانين، أنه في غيبوبة أو يعاني من اضطراب إدراكي.
فالشباب المتجدد، ثم البعث من الموت أي حديثٍ هذا؟
'لكن ما يحدث الآن يتجاوز حدود الهراء.'
وكان أكثر ما يغيظه أنه لا يستطيع إنكار واقعية ما يشعر به بحواسه.
"إن خرجتُ من هنا... سأتصل فورًا بوكالة ناسا. لا يمكن تفسير هذا إلا بتكنولوجيا خارج الأرض. يجب أن أُسهم في تقدم البشرية وأخلّد اسمي في التاريخ."
"لا."
"هل متُّ من الإرهاق؟ أم دخلتُ في غيبوبة؟ لا تفسير لهذا الوضع إلا إن كنتُ في حالة نباتية أحلم بهذا العبث."
"لا."
"آمل فقط أن يكون قد تم الإبلاغ عن اختفائي. كنتُ سأطلب النجدة من الشرطة، لكنني لا أستطيع حتى إجراء مكالمة، فضلًا عن أنني عدتُ في عمر التاسعة عشرة..."
كلما فكّر في الأمر، ازداد عبثية. إلى حدٍّ يعجز معه عن الكلام.
"هل ترغب في قتالي؟"
"لا."
"إن لم ترغب في رؤيتي أموت من ارتفاع ضغط الدم، فأرجو أن تكون إجاباتك أكثر جدية."
وفي اليوم الرابع من الاحتجاز، تعلّم إي يون وو أن الإنسان يمكن أن يموت حقًا من ارتفاع ضغط الدم وحده.
"......."
"......."
وبعد تلك الوفاة المخزية، لم يستطع الكلام لنصف يوم.
"......."
"مرحبًا."
"......."
"لا، لا... مرحبًا...."
"......."
"مرحبًا...."
كان صوتًا واهنًا على نحوٍ لا يليق بقط.
"مرحبًا، نعم، لا، مرحبًا...."
غرق إي يون وو في صدمةٍ عميقة، بينما راح كوكو يدور حوله في قلقٍ واضح، لا يستقرّ على حال.
ورغم أن وجهه ظلّ مبتسمًا كابتسامة قط شيشاير*، فإن حركاته المرتبكة وارتعاش أطرافه الأربعة كشفت عن اضطراب هذا الكيان القِطّي الغريب.
* القط المخطط الي بقصه اليس في بلاد العجائب
كانت أشبه بطفلٍ يراقب الموقف بحذر. ولم يلبث إي يون وو أن عاد إلى حالته المعتادة.
"...صحيح أنني ارتبكت بسبب وضعٍ غير متوقع، لكن لا داعي للقلق. كل ما في الأمر أنني احتجتُ إلى بعض الوقت لاستيعاب موقفٍ يناقض المنطق."
"مرحبًا."
"أفترض أن هذا يعني أنك تسأل إن كنتُ بخير، أليس كذلك؟"
كان اهتمامها لطيفًا، غير أنه بصراحة لم يكن بخيرٍ حقًا.
'أبدأ أتساءل إن كان يجوز أصلًا تعريف كائنٍ بهذا القدر من الهشاشة كإنسان.'
ولو أراد تشبيهًا، لكان أشبه بجِلٍّ هشّ.
فعلى خلاف الكائنات الحية المعتادة، كان هذا الجسد يمتصّ الصدمات الخارجية بالكامل، وكذلك الداخلية. وكان بقاؤه حيًا لأربعة أيام تحت تهديد تمزّق الأوعية الدموية أمرًا يدعو للإعجاب.
'لكن... حين أتصرف كأنني شخصية داخل اللعبة، لا أواجه مشكلة في الحركة.'
كأن يموت بفعل عناصر الرعب في الفندق، أو يمشي ويجري بسرعةٍ ثابتة أمور طبيعية لشخصية داخل لعبة.
في هذه الحالات، لا يشعر بالألم، ولا تتراجع لياقته أو قوته.
'لكن إن قمتُ بأفعالٍ غير منصوصٍ عليها، تظهر المشكلة.'
كالانحناء مثلًا.
في اللعبة، يوجد فعل 'الانحناء'، لكن 'الانحناء ثم النهوض' غير معرّف. أي إنه وظيفة غير موجودة.
وهكذا، أصبح إي يون وو إذا جلس ثم نهض، يُصاب بدوارٍ شديد.
"......."
"نعم، لا، نعم، لا... مرحبًا...."
"مرحبًا."
"مرحبًا."
"هل هناك سببٌ لكون متانة هذا الجسد بهذا السوء؟"
"نعم."
"لا... عذرًا، لقد صغتُ السؤال بشكلٍ خاطئ."
كان كوكو لا يجيد من لغة البشر إلا القليل.
"إذًا..."
أكثر الفرضيات احتمالًا هي أن 'جسد إي يون وو البشري قد اندمج مع جسده كمشغّل داخل اللعبة، مما تسبب في خلل' .
فمن غير ذلك، يستحيل تفسير بقائه حيًا بهذا الجسد.
"إن تصرّفتُ كشخصيةٍ في اللعبة، فهل يعني ذلك أنني لن أشعر بالألم على الأقل؟"
"نعم."
"أهذا صحيح... أشكركِ على إجابتك اللطيفة."
"نعم."
"أن أشعر بلطف خاطفي... يبدو أنني بدأتُ أفقد صوابي."
"لا."
"هذا ما يُسمّى بمتلازمة ستوكهولم، على ما أظن."
—يتبع.
(\ (\
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter