أن تكون أحد أفراد عائلة هولمز الشهيرة لم يكن بالشيء الرائع الذي قد يتخيله الجميع فعائلة هولمز ليست عائلة تقليدية بكلا المعنيين الأرستقراطي والعامي.
هذا ما أدركه آخر أفراد عائلة هولمز منذ أن أدرك الصورة الكاملة لعائلته المتكونة من أم مجنونة و أب ميت و أخوين لا يهتمان إلا بأنفسهما وأخت تحاول إثبات نفسها للأخوين الحمقى.
كان إيفان في موقع مأساوي وهل كان يعرف؟ بالطبع وهل يستطيع تغيير هذا؟ لا مع الأسف.
كانت عطلة الصيف هي أكثر ما يحبه إلى الآن فذلك يعني الإفراج بكل بساطة عنه والسماح له بالعودة إلى المنزل إلى أخته الكبيرة وأمه.
لكن جنة العطلة لم تدم طويلاً وجاء يوم الاستيقاظ المشؤوم.
لم يكن يوماً عادياً بل كان يوم عيد ميلاد إينولا السادس عشر.
استيقظ إيفان على صوت صراخ إينولا وهي تقلب "فيرنديل هول" رأساً على عقب.
جرّ جسده من فوق الفراش الدافئ وشعر بتلك الطعنة الثقيلة المألوفة في عمق صدره وأدرك أنه قد تسرع في حركته.
وضع كفه فوق صدره ضاغطاً على ملابس نومه لثوانٍ وتلقى أنفاسه ببطء وحذر حتى استقرت ضربات قلبه.
تنهد بضيق فكرة أن الإفراج الصيفي الذي انتظره طوال أشهر في جحيم المدرسة الداخلية قد تشوه في يومه الأول كانت كافية لجعله يتمنى لو أنه لم يستيقظ.
عندما فتح باب غرفته وجد إينولا تركض في الممر وعيناها تشتعلان بذعر
"إيفان! إنها لم تعد في غرفتها! ملابسها ولوحاتها كل شيء في مكانه لكنها ليست هنا!" صاحت إينولا وهي تهزه من كتفيه.
نظر إليها إيفان ببرود وجفاف بينما كانت يده تقاوم رغبة فطرية في الارتجاف بسبب الحركة المفاجئة.
تمنى لو أن أخته كفت عن تحويل كل شيء إلى دراما بوليسية وتمنى لو أن والدته ذهبت فقط لجمع بعض الأعشاب أو القيام بأي شيء غريب الأطوار كالعادة.
لكن عقله الذي يرى الصورة الكاملة دائماً رغماً عنه حلل إينولا الشعثاء وأعطاه النتيجة كالعادة.
"رجاءً إينولا هلا تتوقفين عن هزي هكذا والصراخ؟" قال إيفان بنبرة هادئة ورسمية لا تناسب عمره وهو يزيح يديها عن كتفه بلطف يحمل مسافة صارمة.
"أمي ليست طفلة لتضيع رتبي الفوضى التي أحدثتِها فإذا صحّ ما تظنينه فهذا يعني شيئاً واحداً يكرهه كلانا"
أخذ دقيقة لوضع أفضل خطة للوقت الحالي ونظم ثقل أنفاسه ثم أردف بهدوء مكملاً
"دعينا ننزل للمطبخ لنرى ما يمكننا إنقاذه من هذا اليوم."
ولكن الأمور لم تُحل في ذلك الصباح ولا في الصباح الذي يليه.
مرّ أسبوع كامل على قصر "فيرنديل هول" وهو غارق في سكون غريب.
أسبوع كامل وإيفان يراقب أخته وهي تمشط الحديقة وتستجوب الخدم وتقلب صناديق أمهم وتفتش بين طيات الجدران بحثاً عن دليل واحد يفسر لمَ قد تغادر أمهم في صباح عيد ميلاد ابنتها.
بينما هو قضى أيامه ببساطة ك المعتاد يقرأ في الصالون أو يرسم وبالطبع لم ينسى أن يراقب إينولا ويرى الحقيقة العارية التي تتجنب هي رؤيتها حيث أن السيدة هولمز رتبت لرحيلها بدقة ولن تعود.
وفي مساء اليوم الثامن بعد أن نفد صبر إينولا تماماً وتحول أملها إلى يأس جلست أمام الطاولة المليئة بقصاصات الجرائد والكتب تحت ضوء الشموع المهتز.
"حسناً إذاً"
بدأ إيفان الذي جلس على مقعده يشير بوجه فارغ إلى الفوضى على الطاولة.
"هل يسمح لي أن أسأل ما هذا يا أختي؟"
أشارت إينولا إلى القصاصات بابتسامة مصطنعة تحاول بها التملص من نظرته المخيفة
"هذا كل ما لدينا من أدلة إلى الآن قد يساعد هذا شيرلوك عندما يأتي."
استسلم الصغير بقلبة من عينيه وقال بهدوء
"إذاً كل ما لدينا من أدلة هي بعض الجرائد التي كانت تقرأها أمي وبعض الكتب؟ جيد جداً أعتقد بأنني سأتصالح مع حقيقة أنني بلا والدين بعد اليوم."
وبركلة أصابت قدمه بدقة صكت إينولا على أسنانها مهددة إياه
"كن جاداً يا إيفان!"
سحب المسكين قدمه المصابة وألقى عليها نظرة غاضبة قبل أن يمرر الأمر كالعادة.
رفع طرف الجريدة بإصبعين ونظر إليها بتحليل وجفاء ثم تركها
"أنا جاد تماماً لقد انتهى أمرنا ببساطة إن كانت هذه هي الأدلة التي خلفتها أمنا."
"مهلاً لا يزال لدينا شيرلوك أنا متأكدة بأنه سيعرف أين أمنا."
أخذ إيفان نَفَساً حذراً وسحب منديلاً ناصعاً من جيب سترته ليمسح به طرف إصبعيه.
"حسناً يا إينولا دعينا من هذه الأوراق للحظة.
أنتِ رتبتِ هذا- " صمت قليلاً مشيراً إلى الفوضى
" اين ما يكون هذا رتبتيه بانتظار شيرلوك ومايكروفت.
ولكن هل فكر عقلكِ المنشغل بالألغاز في تفصيل واحد عابر؟ كيف سيعرف الإثنان الآخران بهذا ما لم نرسل لهما برقية؟"
فركت كفيها بتردد قبل أن تجيب بصوت منخفض
"أنا ذهبتُ إلى مكتب البريد في القرية صباح اليوم وأرسلتُ برقية عاجلة لمايكروفت ليعود فوراً ومعه شيرلوك لحل الأمر!" أنهت كلماتها بحماس حالما ذكرت شارلوك كان اليقين يتألق في عينيها وهي تلفظ اسمه .
أغمض إيفان عينيه لثوانٍ وشعر بضغط غير مرئي يعتصر قفصه الصدري بسبب كمية التهور الذي واجهه للتو.
شدّ قبضته داخل جيب سترته ليمنع أصابعه من الارتعاش ثم فتح عينيه ونظر إليها بخيبة أمل
"أرسلتِ برقية؟ أمي غائبة منذ أسبوع كامل وأول ما فكرتِ فيه بعد أن فقدتِ الأمل هو استدعاء الوصي القانوني بنفسكِ؟ إينولا هل تحبين فكرة الحبس إلى هذه الدرجة؟"
"الحبس؟ أنا استدعيتُ شيرلوك لإنقاذ أمنا!" اندفعت إينولا بحدّة ردا على هذا الاتهام.
سحب إيفان نفساً بطيئاً قبل أن يلقي نظرة عليها
"شيرلوك لن يخطو خطوة واحدة دون إذن الأخ الأكبر الذي يملك المحفظة يا أختي العبقرية.
لقد أرسلتِ البرقية لـ مايكروفت الذي يرى فينا مجرد بنود مصروفات مزعجة و بمجرد أن تطأ قدمه عتبة فيرنديل هول سيرى فقط كل ما لا يليق بنظرته ل مكانتنا.
والتنظيف في قاموسه يعني إرسالكِ إلى أقرب مدرسة داخلية مخصصة لتقويم الفتيات الجاهلات وتدريبهن على أن يكنّ زوجات مطيعات "
وأشار إلى نفسه في النهاية
"بالضبط كما فعل معي سيرميكِ في مدرسة داخلية وصدقيني لن تحبي تلك المدرسة استطيع رؤية هذا من الان.
والآن وبفضل تلك البرقية الغبية فتحتِ الباب للسجان بنفسكِ."
وقف ببطء ضاغطاً بيده الأخرى على حافة الطاولة
"العاصفة تستغرق أياماً لتصل من لندن لكنها ستصل حتماً.
وبدلاً من تجميع الورق غير النافع أنصحكِ بوضع خطة لكيفية إقناع مايكروفت بأنكِ صالحة للعيش في المجتمع البشري بنظره."
"لن يكونوا كذلك يا إيفان سوف يساعدوننا أنا متأكدة صدقني فحسب."
كانت تنظر له بإصرار واثقة تماماً مما جعله يوافق مرغماً في النهاية عاجزاً لا بل متأكداً بأنها لن تفهم الا عندما تنصدم في الواقع
"حسناً كما تريدين-"
وقبل أن يكمل انقضت عليه بعناق خانق استقبله بلطف محتضناً إياها أيضاً.
تنهد فقط رداً على كل هذا وفي مكان في قلبه وبعيدا عن أرضية عقله الواقعية تمنى أن يكون ما تقوله أخته صحيحاً ولو ب احتمالية قليلة.
كانت اينولا هي الوحيدة التي لا تزال تحمل قلب مناسب في هذه العائلة وكل ما يريده هو أن لا ينكسر هذا القلب أبدا.
يتبع..
ت.م/ حسنا
الهمتني افلام اينولا كتابة هذه الرواية لذا ها نحن ذا 🙃.