أتذكر أني نمت بالأمس في سريري بعد يوم طويل ومتعب.. ما إن وضعت رأسي على المخدة حتى دخلت في نوم عميق.
إذاً لماذا أنا هنا بحق اللعنة؟ وما هذا المكان؟ كان أمامي باب كبير فولاذي كأنه بوابة تؤدي للجحيم..
كان الباب الفولاذي الضخم يئن تحت وطأة ضربات وحشية.. ضجيج مرعب يصم الآذان وكأن عشرات المسوخ يدقون عليه بمعاول ثقيلة من حديد بارد.
كنت أقف في الجهة المقابلة، في دهليز الطابق السفلي للكاتدرائية السوداء، حيث الرطوبة ورائحة البخور العتيق تخنق الأنفاس.
بجانبي كانت طفلة صغيرة تشبثت بيدي بقوة كادت تقطع دورتي الدموية. كانت ترتدي فستاناً قوطياً مزخرفاً بالدانتيل الأسود؛ تماماً كالغرفة التي وجدتها فيها بالطابق العلوي، تلك الغرفة التي بدت كضريح ملكي مزين بنقوش رونية غائرة تروي قصصاً منسية لم أفهمها.. بدت وكأنها سحر عتيق نُقش ليبقى للأبد.
بدت الفتاة في الثانية عشرة من عمرها، بوجه ملائكي وبياض سحيق كالثلج.. هل هي بشرية؟ أم كائن ينتمي للظلال؟ لا أدري حقاً، لكنها كانت ترتجف خوفاً وضياعاً.
بعد برهة، ناظرتُ الباب وصرختُ بصوت حاولت أن يكون ثابتاً:
"من هناك؟"
في ثانية واحدة انقطع الضجيج كأنما بُتر بسكين.
ساد صمت أثقل من صوت الطرقات نفسه.. صمت جنائزي دام لعشرات الثواني، قبل أن أسمع تنهيدة عميقة خلف الفولاذ. تنهيدة لم تكن بشرية تماماً، بل كانت تحمل ثقل الجبال.
"أنا هناك.. افتح الباب وكن في ضيافتي"
كان الصوت ساحراً رخيماً، كأنه عزف منفرد لغابة في ليلة مقمرة، أو غناء عندليب في مقبرة مهجورة. صوت يملك سلطة غريبة على الروح، يهمس لغريزتك بأن تطيع.. وأن الأمان يكمن خلف ذلك الفولاذ البارد.
تراجعتُ خطوة للخلف، ونبضات قلبي تقرع في صدري كالمعاول التي توقفت للتو. همست بصوت مرتعش:
"هل أنت.. إنسان؟"
مرت الثواني كالدهور دون رد. ترددتُ، ثم أكملت متسائلاً بضياع:
"هل تعرف أين أنا بالضبط؟ استيقظت ووجدت نفسي في هذه الكاتدرائية المشؤومة.. هل أنا ميت؟ هل هذا هو الجحيم؟ أم أنا عالق في حلم لعين؟"
سمعت حفيف أرجل خلف الباب؛ لم تكن خبطات أحذية، بل كانت أشبه بزحف الحرير على الرخام البارد.
ضحك الشيء خلف الباب ضحكة مكتومة، ثم قال بصوته الساحر:
"أتسألني من أنا؟ هل أنت متأكد أنك تود أن تعرف؟"