ساد صمت ثقيل خلف الفولاذ، ثم عاد الصوت الساحر ينساب بهدوء:
"حسناً، أود أن أعرب عن حسن نيتي وأكشف لك من أنا؛ فالمجهول دائماً ما يكون مرعباً. ومن حقك أن تسأل، ومن حقي أن أجيب.. أو لا أجيب!"
تنهد صاحب الصوت، وأكمل بنبرة يغلفها الفخر والأسى:
"كنت فيما سبق كاهناً يعمل في هذه الكاتدرائية.. نعم، كنت كذلك، والآن أنا سجين فيها، يا للسخرية! لقد مرت سنوات طويلة لدرجة أني كففت عن إحصائها. أنا كاهن حاكم الظلال، كاريمان كراد."
صمت قليلاً قبل أن يتابع كأنه يقرأ أفكاري:
"ربما تسأل نفسك: لماذا أنا مسجون؟ حسناً، اتهموني بممارسة الهرطقة، لكني لم أفعل.. كل ما في الأمر أني فتحت عيني على الجهل الذي غرقوا فيه تحت تأثير 'شيطانة الرغبة'. لم يسمعوا تبشيراتي، حتى انتهى بهم الأمر بإبادة أنفسهم جميعاً بأيديهم.."
تغيرت نبرة صوته فجأة لتصبح أكثر حدة:
"أشم رائحة شيطانية بجانبك.. احذر تلك الفتاة، فهي ليست بشرية؛ إنها من نسل 'شيطانة الرغبة'. ربما لا تبدو مؤذية الآن، لكن السؤال الحقيقي: هل وجدتها حقاً؟ أم أنها هي من وجدتك؟"
ثم أردف وكأنه يمد يداً غير مرئية للصلح:
"لقد أجبتك على بعض أسئلتك وبنيت لك جسر الثقة، وسأجيب على البقية إذا فتحت الباب وكنت في ضيافتي. لا داعي للذعر، فأنا مكبل بسلاسل مقدسة تمنعني من التحرر."
نظرت إلى الطفلة بجانبي، ولم أر في عينيها سوى الخوف والبراءة؛ بدت لي كأميرة صغيرة تنحدر من سلالة أرستقراطية عريقة. نظرت إلى الباب مرة أخرى وصرخت:
"سيد كاريمان، كيف لي أن أثق بشخص متهم بالهرطقة ويدعي أن طفلة صغيرة هي شيطانة؟ هل تحاول خداعي؟ أنا لست طفلاً!"
أكملت بتحد:
"ثم ما الفائدة من فتح الباب ونحن نتحدث الآن؟ لم تجبني بعد، أين أنا بالضبط بحق هذا العالم اللعين؟"
خطوت خطوات مقتربة من الباب، ورغم رغبتي في فتحه، كان الشك ينهش قلبي:
"يمكنني فتحه، لكني لا أثق بك. لقد قلت اسمك لكنك لا تزال مجهولاً، ومن يضمن أنك لا تكذب؟ أعطني برهاناً أو علامة واحدة تجعلني أتشبث بهذا الأمل الصغير."
جاء صوت كاريمان هادئاً كجريان الماء تحت الجليد:
"تفكيرك سليم يا فتى، هذا يعجبني.. يبدو أن تلك الشيطانية لم تؤثر على منطقك بعد، ربما لأنها تكتفي حالياً بإظهار صورتها البريئة أمامك."
ضحك بصوت خافت وأكمل:
"أنا لا أملك برهاناً ولا صكوك براءة، كيف لسجين أن يملك ذلك؟ لكني أملك المعرفة، وأملك الخريطة التي ستخرجك من هذا التيه. أنا كائن عاقل، فما الذي يثير ذعرك؟ هل تظنني وحشاً أو رجساً منبوذاً؟"
"ثق بهذا، وافتح الباب لتحررني ونغادر هذا المكان الكئيب سوياً.. فحتى حاكم الظلال تخلى عنا في النهاية."
كان في صوته كآبة ثقيلة غطت سماء روحي. نظرت إلى الباب الذي بدا كجدار قلعة، بمقبضيه الحديديين ونقوشه الرونية الغريبة، وقلت في نفسي: "سأختار تصديقك، فروايتك تبدو معقولة، وماذا سأخسر؟ إذا كنت وحشاً، فما هو أسوأ ما قد يحدث؟ أن تقتلني؟ ربما أموت وأتحرر من هذا السجن اللعين!"
فجأة، أمسكت الفتاة بطرف قميصي وأشارت إلى فتحة صغيرة أسفل الباب؛ كان هناك مفتاح صغير عالق بها. ما إن وضعت يدي عليه حتى اشتعلت النقوش الرونية بنور باهت، وبدأ الباب يهتز بعنف متساقطاً منه غبار العصور.
تراجعت بخوف بينما انفتح الباب من تلقاء نفسه.
انكشف خلف الباب ظلام دامس، وفي داخله رأيت رجلاً مسنداً إلى الحائط، بشعر أشقر طويل وجسد هزيل مربوطاً بسلاسل فضية. كانت الغرفة زنزانة موحشة، سلاسل كثيرة تتدلى من الجدران، لكن الصدمة كانت في الهياكل العظمية المتناثرة تحت القيود؛ لقد مات السجناء جميعاً بفعل الزمن وتحولوا لعظام، ولم يبق حياً سواه.
تحرك الرجل ذو الثلاثين عاماً، بشعره المشعث وصدره العاري وسرواله الحريري الأسود. ومع دخول الضوء، كان كاريمان مغمض العينين، ثم وبمنتهى الهدوء، سحب يديه من السلاسل الفضية وكأنه ينسل من قفازات حريرية؛ لم يكن مربوطاً حقاً!
تقدم نحونا بخطى وئيدة وقال:
"لا تخف.. لقد فككت السلاسل منذ زمن بعيد، لكني كنت لا أزال سجيناً خلف ذلك الفولاذ.. أشكرك لأنك كنت مفتاحي."
تراجعت والذعر يلف قلبي، وصرخت:
"توقف! تكلم.. من هناك؟"