تراجعتُ خطوات سريعة للوراء، كانت عيناي معلقتين بذلك الجسد الهزيل الذي يتحرك نحوي ببرود كأن الجاذبية لا تعنيه. تعثرتُ ببروز صخري وسقطتُ أرضاً، والطفلة لا تزال متشبثة بطرف قميصي كظلٍ لا ينفصل.
ناظرني كاريمان بابتسامة هادئة لا تتناسب مع عتمة المكان، وابتسم بسخرية قائلاً بصوته الرخيم:
"ما بك يا فتى؟ هل أبدو كشبح مخيف؟"
لم تكن المشكلة في كلماته، بل في عينيه؛ كانتا تشعان ببريق غير مستقر، بريق رجلٍ يسكن في منطقة رمادية بين العقلانية والجنون.
توقف أمامي مباشرة، كانت تفصلنا شعرة واحدة. انحنى قليلاً ليكون بمستوى طولي، وشعرتُ بأنفاسه الباردة تلامس وجهي. مد يده ببطء ووضعها على كتفي.. كانت قبضة نحيلة لكنها ثابتة كالموت. ثم قال بلهجة اجتماعية لبقة:
"أعتذر عن الفوضى.. العزلة تجعل المرء ينسى آداب الضيافة، وأنا حقاً لم أتكلم مع أحد منذ أمد طوييييل.."
ضغط على كتفي قليلاً وهو يتفحصني بنظراته الفاحصة:
"تبدو شاباً كامل الحيوية عن قرب.. شيء نادر في هذا المكان الكئيب."
فجأة، انحرفت عيناه نحو الفتاة بجانبي. تجمدت ابتسامته، وتغيرت تعابير وجهه في لحظة لتصبح أكثر حدة وبروداً. غابت النبرة الودودة وحلَّ محلها احتقار عميق وهو يهمس:
"أين وجدت هذا الشيء؟"
ناظرتُ الكاهن الذي كان يرمق الفتاة بنظرة مخيفة، بينما كانت هي تبادله النظر ببرود غريب.. كأنما نمر مفترس يناظر أرنباً لا يهاب الموت. مددتُ يدي أمامها لحمايتها دون إدراك مني، وكأن شيئاً غامضاً بداخلي يحثني بقوة على حماية هذه الصغيرة.
نطقتُ بصوتٍ متماسك:
"وجـ.. وجدتها في الأعلى. كانت نائمة داخل شرنقة، مربوطة هناك كأنها قربان.. فككتُ وثاقها وأنقذتها."
تابعتُ محاولاً استجماع شتات منطقي:
"حقاً يا سيدي الكاهن، لا أفهم ما يحدث هنا. ما هذا المكان؟ يبدو الأمر وكأني انتقلت لعالم آخر.. مثل تلك الروايات التي يستهلكها المراهقون في عالمي."
أبعدتُ الفتاة ببطء ووضعتها خلف ظهري مرة أخرى في فعل غير واعٍ، ووقفتُ بصلابة أمام الكاهن:
"لقد وعدتني بأن تجيب على كل شيء. حاولتُ التحدث مع هذه الفتاة لكنها لم تنطق بحرف، كأنها بكماء، لا تتحرك إلا عيناها."
ناظرني الكاهن بمزيجٍ من الصدمة وبعض التفهم، ثم تمتم:
"يبدو أني فهمتُ الآن.. لقد اختارك هذا الكائن البغيض وارتبط معك روحياً؛ إنه يراك بمثابة 'أُمٍ' له في هذه اللحظة."
ضحك بابتسامة متسلية وأكمل:
"منذ وقتٍ طويل لم أرَ هذا الوحش.. إنه خطير ومميت، كائن كاسر يعشق الدماء، لذلك أستغرب هدوءه الآن.. اللعنة، رأسي بدأ يؤلمني من كل هذا الهراء. اتبعني.. لنذهب إلى القاعة المستديرة."
تابعتُ السير خلفه، والفتاة الصغيرة تتبع خُطاي بصمتٍ مطبق. صعدنا أدراجاً لولبية مهترئة، وتجاوزنا منعطفاتٍ مظلمة كثيرة؛ كانت هذه الكاتدرائية متاهة حجرية صُممت ليُضيع الروح قبل الجسد.
وصلنا إلى القاعة الكبرى.. ضريح منسي بسقف شاهق وثريات فضية يغطيها الغبار. نوافذ "روزيت" العملاقة تبتلع ضياء القمر لتنشر ظلالاً قرمزية كأنها دمٌ مراق على الرخام البارد. في المنتصف، طاولة من الأبنوس محاطة بكراسي تشبه شواهد القبور.
جلس الكاهن في الكرسي الرئيسي وكأنه يمارس سلطة استعادها أخيراً. أمرنا بالجلوس، ثم سرح بصره في السقف وتنهد:
"يا إلهي.. كم اشتقتُ لهذا المكان، واشتقتُ لزملائي الحمقى."
فجأة، انقبضت أساريره وناظرني بعينين جاحظتين:
"اسمع يا فتى.. المعرفة هنا هي القوة. سأجيب على ثلاثة أسئلة فقط.. لقد نلت إجابة مجانية حين عرفتُك على الوحش الذي يتبعك. هيا.. تفضل واسأل."
ناظرتُ الكاهن المجنون، ونطقت بالسؤال الذي ينهش عقلي:
"ما هذا المكان؟ ولماذا أنا هنا؟"
ابتسم كاريمان ابتسامة "صالحة" وقال بوضوح:
"هذا المكان هو 'العالم'.. نحن نسميه 'المصب'، فهو يجذب الشتات من عوالم مختلفة ويزج بهم في هذا الجحيم الأبدي. هناك 'أرواح نقية' تنجرف إلى هنا من عوالم أخرى، وهناك 'أبناء المنبع' مثلي تماماً.. يبقى لك سؤال واحد، اختره بعناية."