ساد صمتٌ ثقيل في القاعة المستديرة. ركزتُ نظري على يدي الموضوعة على الطاولة؛ كانت ترتجف بوضوح، خيانة جسدية لم يستطع عقلي السيطرة عليها

غير أنه كان غارقاً في أفكارٍ لا حصر لها:

"المصب.. أرواح تائهة.. عالم غريب. اللعنة، ما الذي جاء بي إلى هنا بحق الجحيم؟ هل أنا أحلم؟

سخرتُ من نفسي داخلياً. يبدو أن قدري هو أن أكون بطلاً في رواية بائسة يستهلكها المراهقون فعلاً هذا اذا كنت بطلا اصلا ... لكن الفارق هنا أن الشعور حقيقي، والرطوبة التي تنخر عظامي واقعية جذا

تنحنح الكاهن بتململ، فاستجمعتُ شتات نفسي ونطقتُ بسؤالي الأخير، والذي كان بالنسبة لي شيئاً أحتاج بشدة لفهمه مهما يكن:

اعرف بالتأكيد أن لكل عالم قوانين وضوابط تحكمه.. فما هي قوانين هذا العالم التي جاءت بي إلى هنا؟"

مال نحوي قليلًا، وعيناه تلمعان ببريق غير مطمئن:

"أنت لا تفهم حتى سؤالك."

تجمدتُ.

"أنت لم تأتِ إلى هنا…"

توقف، ثم همس:

"أنت سُحبت."

شعرتُ بشيء بارد يمر في ظهري.

"روحك قُبضت… وانتُزعت من عالمك… وزُرعت في جسد هنا."

صمت.

يقول تاريخ هذا العالم أن 'المصب' هو الأصل والأم لكل العوالم، لذا تُجلب الأرواح إليه قسراً لتسد ثقوبه وتساعد في تماسكه."

مال بجسده نحوي، وبرقت عيناه بجنون مألوف:

"فهي بسيطة بشكلٍ مُهين."

اقترب أكثر:

"القوة… أو لا شيء."

ساد الصمت.

"إن كنت قويًا… ستأخذ.

وإن لم تكن… ستُؤخذ."

حسناً، قد لا يبدو هذا عادلاً، لكن هذا العالم ليس عادلاً على أي حال."

صمت لبرهة ثم أكمل:

"هذه الكاتدرائية تابعة لـ 'لورد الظلال'، هذا الحاكم الذي أخدمه هو كيان سماوي في هذا العالم، وبالطبع ليس الوحيد؛ هنالك 9 كيانات و12 شيطاناً.. ليس موضوعنا الآن. على كل حال، لورد الظلال يمتلك جوانب خمسة: الظل، الظلام، الموت، الفراغ، واللاشيء. الأرواح النقية التي تنجرف إلى هذا العالم تستقر عادةً في الإقليم الذي يملك تقارباً روحياً معها. وبما أنك هنا.. فأنت تملك تقارباً مع أحد هذه الجوانب بالتأكيد."

قبل أن أرد—

اهتزّ الهواء فجأة.

تجمدتُ في مكاني.

"انظر."

لم يرفع صوته.

لكن الظلال حوله… تحرّكت.

خرجت من جسده ببطء… كدخان كثيف، ثم تكثّفت… وتشكلت.

سيوف.

رماح.

معاول.

أجسام حديدية سوداء… تطفو حوله بصمتٍ مريب.

تراجعتُ لا إراديًا حتى اصطدم ظهري بالكرسي.

شعرتُ ببرودة حادة تقترب من عنقي.

ابتسم.

"لا تخف…"

هذه الاسلحة هي التي كنتُ أضرب بها ذلك الباب اللعين. كانت لدي عادة كي لا أُجن؛ أُخرج أسلحتي وأُفرغ غضبي في الفولاذ.

ناظرته وعيني علي تجسيداته المخيفة :

"هل كل من هنا يملكون هذه القدرات؟ كيف أعرف قدرتي؟"

"نعم ولا.." أجاب ببرود وهو يلاشي أسلحته الظلية. "الأرواح النقية تأتي بجوانب، أما سكان المنبع فليسوا جميعاً ذوي قدرات.."

حك رأسه فجأة وأردف: "اللعنة، لقد خدعتني يا فتى.. ألم نتفق على ثلاثة أسئلة فقط؟ لقد جعلتني اجيب اكثر مما يجب ! يبدو أني كبرتُ في السن وبدأتُ أنسى ويتم خداعي بسهولة."

ثم نظر إليّ مباشرة:

"انتهت أسئلتك."

سكتَ لثانية، ثم تابع بلهجة آمرة:

"الآن.. استدعِ 'هيكل رونيتك'.

ترددتُ:

"كيف؟"

"لا تفكر كثيرًا…"

أشار إلى رأسه:

"الأمر يبدأ من هنا… وينفّذ من هنا."

ثم طرق صدره بإصبعه.

"فكّر… أو اطلب… أو فقط… انوِ."

سكت.

"وأرني… ما أنت."

قبضتُ يدي بقوة وقلت: "حسناً، سأحاول وأرى.. ولكن هل يجب أن أخبرك عن قدراتي؟

أغمضتُ عينيَّ. حاولتُ تجاهل رعشة جسدي وتركيز كل ذرة من إرادتي في تلك النقطة المظلمة خلف جفوني

تنفستُ بعمق، وقلتُ في سري:

[ استدعاء الهيكل ]

مضت برهة.. ولم يحصل شيء.

كررتُ المحاولة مرة، مرتين، ثلاثاً.. ركزتُ حتى شعرتُ بصداع يضغط على صدغيّ، لكن لم يحدث أي تغيير أمامي، ولم أشعر بأي نبضٍ غريب في جسدي. فتحتُ عينيَّ على فراغ القاعة الباردة.

ناظرني الكاهن، ثم نظف حلقه وقال بنبرة غلب عليها الفضول:

"أنت ذكي بالطبع، لا يجب أن تخبرني بكل شيء.. ولكن لا بأس ببعض التلميحات، فقد أوضحتُ لك الكثير من الأشياء!"

رأى نظرتي التائهة فاستطرد: "ما بك؟ يبدو أنك مصدوم.. ماذا رأيت؟ أخبرني."

قلتُ بعصبية وانفعال لم أستطع كبته:

"لم أرَ شيئاً! اللعنة، ما الذي من المفترض أن أراه؟ لم يحدث شيء أصلاً مهما حاولت. هل تحاول خداعي لتضحك عليَّ أم لترى ردة فعلي فقط؟"

ساد صمتٌ أثقل من سابقه. تغيرت تعابير وجه كاريمان من التسلية إلى ذهولٍ حقيقي، وسكنت حركاته تماماً وهو يهمس بذهول:

"كيف لم يحصل شيء؟ من المفترض أن تظهر لك واجهة تعريفية فورية، تبرز فيها كل بياناتك وقدرة جانبك.. عيبك .. وبما أنك من عالم آخر فبتأكيد لديك قدرة جانب. كيف لم يظهر لك شيء؟"

كانت كلماته كصفعة باردة. هبطت عليَّ تلك الفكرة المرعبة التي جعلت أطرافي تتجمد: هل أُرسلتُ إلى هذا الجحيم وأنا مجرد إنسان عادي؟ هل سأكون مثل "الماشية" وسط كائنات تملك قوى سماوية وشيطانية؟ هل هذا هو قدري؟

لاحظ الكاهن نظراتي الكئيبة، وقاطع سلاسل أفكاري قائلاً:

"انظر يا فتى.. سأكون واقعياً معك؛ في عالمٍ مثل 'المصب'، الإنسان الذي لا يملك قدرات أو جانباً هو 'لا شيء'، ولا يملك أي شيء. واللاشيء هنا يعني الموت.. والموت ليس نهاية، بل ربما هو مجرد بداية لنوعٍ آخر من العذاب."

سكت قليلاً ليراقب أثر كلامه، ثم أضاف:

"لكن.. تذكر أيضاً أن أحد جوانب 'لورد الظلال' هو 'اللاشيء'، وأنا لم أرَ هذا الجانب يتجسد من قبل قط. لذا لا تيأس وتذهب لتنتحر الآن.. اصبر قليلاً."

ابتسم بسخرية وهو ينظر بجانبي:

"انظر مثلاً.. هذا غريب، ولكن تلك الشيطانة الصغيرة ارتبطت بك بطريقة أو بأخرى، وهي ليست ضعيفة بأي حال من الأحوال. من المفترض ألا تملك وعياً أو عقلاً، فإذا امتلكتهما.. فتصور كيف ستتضاعف قوتها؟ أمرها غريب بصراحة، تبدو بشرية ولكن لا يمكن أن تكون كذلك.. يمكنني معرفة ذلك من نظرة واحدة امتلك عينان تستطيعان رؤية الروح

لاول مرة بدا لي ان تلك الفتاة لم تبدو شاردة الذهن كانت وكانها تعي ما يقوله الكاهن وتنظر الي بتقة وكان هذا نوع من التفاخر الغير مشروط مع لمسة من الطفولية

2026/03/31 · 3 مشاهدة · 893 كلمة
Raad Dark
نادي الروايات - 2026