مددت يدي لأربت على رأسها.
بدا الأمر وكأنه فعل صدر مني دون وعي، دافع غريزي لم أستطع كبحه.
رفعت يدي ببطء… ووضعتها على شعرها.
في اللحظة التي لامستها فيها… تجمدت.
لم يكن مجرد لمس، بل صدمة كهربائية سرت في أوصالي.
شعرت بالغرابة الشديدة؛ بدا الأمر وكأنها امتداد لا يتجزأ مني، قطعة من روحي كانت مفقودة وعادت لمكانها.
سحبت يدي فورا بحدة، وأنا أنفث أنفاسي المضطربة:
"ما هذا؟"
راقبني الكاهن بعيون حادة، وقال بهدوء وثقة:
"يبدو أنك لاحظت الأمر.. صحيح؟"
لم ينتظر إجابتي، بل تابع:
"على أي حال، لدينا مشكلة أكبر الآن. هذا المكان أصبح خطيرا. اختفى أغلب من كان هنا، وهاجر الآخرون لقلاع أكثر أمانا."
ناظرته بصمت وجفاف حلق:
"إذا.. ماذا سنفعل؟"
"ماذا سنفعل؟ بالطبع سنخرج من هنا!"
وقف كاريمان عن كرسيه، لكنه توقف فجأة وكأنه تذكر شيئا:
"لكن أولا، وقبل كل شيء.. ماهو اسمك؟"
ناظرته بحيرة. صحيح، في معمعة الخوف لم أجد فرصة لأخبره.
"آه.. معذرة، لم تسألني أصلاً.. على أي حال، اسمي هو..."
انفتحت شفتاي، لكن لم يخرج شيء.
كان صوتي مكتوما، وكأن الفراغ يلتوي حول حنجرتي ويلغي موجات صوتي قبل أن تخرج.
أصابني رعب شديد؛ شعرت بظهري يتصبب عرقا باردا، وتوترت عضلات فكي.
همست في داخلي بذعر:
"اللعنة.. ما الذي يحدث؟"
لاحظ الكاهن توتري وجحوظ عيني:
"لما سكت؟ ما هو اسمك!"
حاولت مرة أخرى، لكن الكلمات اختنقت في حلقي وكأن يدا خفية تعصر حبالي الصوتية.
قلت بعد برهة بنبرة مرتجفة:
"ربما لن تصدقني.. لكنني لا أستطيع قول اسمي. حاولت، ولكن شيئا ما يمنعني، وكأن الكلمات ماتت في حنجرتي."
تابعت بتوتر متصاعد:
"هل يحدث هذا عادة للمسافرين بين العوالم؟"
ناظرني بريبة واحتقار:
"بالطبع لا! من المعاق الذي يعجز عن قول اسمه؟"
زفر بضيق وتابع بسخرية:
"بدأ الأمر يصبح غريبا معك يا فتى. أولا لا يظهر هيكلك، والآن لا تستطيع ذكر اسمك.. هل أنت ملعون؟ أم ارتكبت خطيئة ليعاقبك أحد السامين؟"
فكر قليلا، ثم هز كتفيه:
"ربما هذا بسبب قدرة جانبك غير المعروفة.. لا تقلق. سأناديك بـ الفتى.. أو ربما اللاشيء؛ يبدو متوافقا معك تماما."
ضحك بسخرية وهو يتجه نحو الباب:
"هيا يا لاشيء.. لنذهب. يجب أن أحذرك، المكان بالخارج خطير، فلا تكن حملا ثقيلا علي."
أجبت بابتسامة باهتة وتبعته، وخلفي كانت الفتاة تتبع خطاي بصمتها المعهود.
"بما أنني بلا قدرات، فأتمنى أن تحميني على الأقل.. وما هو الخطر الذي ينتظرنا بالخارج بالضبط؟"
توقف الكاهن عند غرفة صغيرة مظلمة، مليئة بالأسلحة القديمة والدروع المهترئة.
اقترب من سيف قصير يشبه الخنجر الفضي؛ كان حادا من طرفيه، مزينا بزخارف رونية دقيقة جدا لا تكاد ترى، ومقبضه نحيل وخفيف.
ناظرني وقال وهو يرمي السيف نحوي:
"هذا يناسبك الآن.. حاول أن تحمي نفسك على الأقل."
تغيرت نبرته للجدية وهو يحدق في ردهات الكاتدرائية:
"بالخارج توجد وحوش شرسة، رجسات بغيضة، وشياطين فضيعة متعددة الأنواع. بعضهم قد يتخذ أشكالا بشرية.. الأقوياء منهم على الأقل."
تابع وهو ينظر للنوافذ العالية:
"لن نخرج الآن. سننتظر الصباح؛ ليكون المكان أقل رعبا والقمر الأحمر غائبا."