1 - القمر القرمزي القانون المكتوب

---

الفصل الأول: القانون المكتوب

هناك ليالٍ لا تولد فيها النجوم.

بل يولد فيها الشر.

وتلك الليلة… وُلد القمر قرمزياً.

لم يكن بدراً. كان جرحاً مفتوحاً في كبد السماء، معلقاً فوق حي "الأمل" كعين شيطان تنزف. ضوءه لم يُنر الشوارع، بل لطخها. لطخ الجدران بلون الذبح، ولطخ القلوب برعب قديم لا اسم له.

الرياح كانت تعوي كأرملة، والأغصان العارية ترتطم بزجاج النوافذ كأصابع هياكل عظمية تستجدي الدخول. والعالم كله كان نائماً، متواطئاً مع الصمت.

في الطابق الثاني من بيت هادئ، كانت نايشا، ابنة الأربعة عشر ربيعاً، غارقة في نوم لا يشبه النوم.

شعرها الأسود مبعثر على الوسادة، وشامة صغيرة ترقد بسلام تحت عينها اليسرى.

لكن يدها… يدها اليسرى كانت ترتجف تحت الغطاء.

وفي كل مرة يرتجف فيها قلبها،

تظهر ذرة غبار أبيض

على طرف سبابتها. ثم تختفي.

دُم… ومضة… دُم… ومضة.

كانت هذه هي الليلة التي تُتم فيها الرابعة عشرة. الليلة التي تستيقظ فيها اللعنة. أو الهبة.

في مكان لا يخضع للجغرافيا، غُمست ريشة من عظم في محبرة قرمزية. شُطب اسم من سجل كُتب على غلافه "الأحياء"… وكُتب بحقد في سجل آخر، جلده بشري، عنوانه:

"الحبر"

.

لأن هذه المرة، الفريسة تكتب.

طق.

استيقظت نايشا ليس على صوت، بل على غيابه. الصمت كان له وزن، له رائحة. رائحة طباشير رطب وغبار مقاعد قديمة.

نظرت إلى الساعة الرقمية بجانب سريرها: 3:13 فجراً. الأرقام الحمراء تنبض كأنها تحتضر.

ثم انفتح الباب.

لم يدخل الضوء. خرج الظلام.

كان كثيفاً، حياً، يزحف كالدخان لكنه أثقل. ابتلع ضوء القمر القرمزي، ثم ابتلع سريرها.

وعندما لمس قدميها…

صرخ

.

صرخة لم تسمعها الأذن، بل شعرت بها العظام. تراجع الظلام للحظة، كأنه لمس جمرة. ثم تكاثف بغضب مضاعف، وهاجم.

سُحبت من بطنها. لم تكن تُرفع، بل تسقط إلى الأعلى.

طااخ.

الألم كان حقياً. ركبتاها اصطدمتا ببلاط بارد، قاسٍ، تفوح منه رائحة مطهر رخيص و… شيء آخر. رائحة غبار. غبار طباشير.

رفعت رأسها، وقلبها يطرق في أذنيها:

دُم. دُم. دُم.

ممر طويل ميت. خزائن صدئة على الجانبين، بعضها مفتوح يخرج منه سواد كثيف. مصابيح النيون في السقف ترمش باحتضار.

وفي آخر الممر، ساعة حائط ضخمة تشير عقاربها إلى 3:13.

إنها مدرسة "الأمل". لكنها ميتة.

"تأخرتي."

الصوت جاء من خلفها. جافاً، مشروخاً، كمسجل قديم تُرك في المطر لسنوات.

استدارت نايشا، والرعب يجمد دمها.

"طالبة" تقف أمامها. مريول كحلي ممزق، حوافه مهترئة. شعر أسود طويل يغطي وجهها بالكامل كستار.

في يدها اليسرى سجل غياب أسود، غلافه متشقق كجلد محروق. وفي اليمنى… طباشورة.

طباشورة بيضاء. لكنها كانت ترتجف بعنف كلما لهثت نايشا، كأنها قطعة حديد منجذبة لمغناطيس.

وسائل أحمر لزج يقطر منها:

طق… طق… طق…

رفعت الطالبة رأسها ببطء ميكانيكي. لم يكن هناك وجه. فقط جلد أملس مشدود بلون العاج القذر.

وفجأة، انشق خط أفقي في منتصفه. فم بلا شفاه، مخيط بخيط أسود سميك.

ورغم الغرز… ابتسم.

"القانون واحد." خرج الصوت من بين الغرز كفحيح.

"البشري الذي يُكشف… يُمحى."

تقدمت خطوة.

طق.

صدى كعبها المعدني تردد في الممر الفارغ كطلقة في قبر.

"لكن أنتِ… أنتِ بالذات يجب أن تُمحى قبل أن تتعلمي."

توقفت، وأمالت رأسها كأنها تشم.

"رائحتكِ… ليست دفئاً فقط. رائحة…

غبار

. رائحة البداية."

رفعت الطباشورة، لكنها لم تشر بها إلى صدر نايشا. أبعدتها. كأنها تخاف أن تلمسها.

"قلبكِ يدق بصوت عالٍ. وفي عالم الصامتين، النبض خيانة.

لكن نبضكِ… يكتب

. كل دقة حرف. لو اجتمعت الحروف… كتبتِ نهايتنا."

في تلك اللحظة، دوّى الجرس.

جرررس… جرررس… جرررس…

صراخ معدني يمزق الأعصاب ويحفر في العظام.

"الحصة الأولى بدأت." قالت الطالبة بلا وجه.

"إذا رن الجرس ثلاثاً ولم تكوني في مقعدك… يأتون للتفتيش. والتفتيش يبدأ من الداخل. من ذكرياتك. من اسمك."

وبحركة سريعة كالعنكبوت، غرزت الطباشورة في الجدار الإسمنتي. صرخت الطباشورة وهي تكتب، صرير يكسر الأسنان:

القاعدة 1: لا تعترفي أنكِ بشرية… أو ستؤكلين.

القاعدة 2: لا تتنفسي بصوت عالٍ… أو سيسمعون الحروف.

القاعدة 3: إذا سألوكِ من أي فصلٍ أنتِ… أنتِ من 3/ب. فصل المنسيات. الفصل الذي أُحرق.

عند كلمة "أُحرق"، وخز قوي ضرب سبابة نايشا اليسرى. نظرت إليها بذهول.

كان عليها غبار أبيض. غبار طباشير. من أين؟

ألقت الطالبة "نظرة" أخيرة، بلا عيون.

"اركضي. مقعدك في آخر الصف. على الطاولة محفور اسمك الثاني: منسيّة. مثل كل شمعة حاولت أن تكتب… وأطفأناها."

وبنفس السرعة التي ظهرت بها، ذابت الطالبة في ظلام الممر، تاركة سجل الغياب مفتوحاً على الأرض.

زحفت نايشا على ركبتيها، ونظرت.

الاسم الأول في الصفحة كان يشع باللون القرمزي، رطباً، كأنه كُتب الآن:

نايشا

.

مكتوب بخط يدها. بانحناءات حروفها. بشامتها الصغيرة على حرف الياء.

لكن تحت الاسم، بضغط خفيف كأنه كُتب بظفر، كانت هناك كلمة غير مكتملة:

امحـ…

قبل أن تفهم، شعرت بحرارة في سبابتها. الغبار الأبيض عليها تكاثف.

وبدون وعي، بدون فهم، مسحت به الحرفين "امحـ" من على الصفحة.

اختفيا.

كأنهما لم يكونا.

وفي نفس اللحظة، صرخة ألم مكتومة جاءت من عمق الممر. صرخة الطالبة بلا وجه.

الجرس لا يزال يرن.

ونايشا تحدق في سبابتها.

وفي الغبار الأبيض الذي بدأ يسيل منه…

قطرة دم

.

لكن فجأة…

سكت الجرس.

السكون انقضّ على الممر كسكين. حتى صوت تنفسها اختفى. كأن المدرسة كلها كتمت أنفاسها تنتظر شيئاً.

من آخر الممر، حيث تشقق الباب الخشبي، جاء صوت جديد.

تك… تك… تك…

صوت بندول ساعة. بطيء. متعمد. يقترب.

والطباشورة البيضاء التي سقطت من يد الطالبة بلا وجه بدأت تتحرك وحدها على البلاط البارد. تخط كلمة واحدة بخط مرتجف خائف:

اهربي.

تك… تك… تك…

الصوت صار خلفها تماماً.

ظل طويل، أنحف من الظلام نفسه، انسكب من فتحة الباب المتشقق ووقف فوق نايشا.

لا وجه له. لا جسد له. فقط معطف أسود يتحرك بلا هواء، ويد عظمية تمسك بسجل أسود، وقلم من عظم.

همس الصوت مباشرة داخل رأسها بلا فم:

"وجدتكِ يا نايشا."

السجل انفتح وحده.

والاسم القرمزي

نايشا

بدأ يتحرك على الصفحة، كأنه يحاول الهرب من الحبر.

والغبار الأبيض على سبابتها…

اشتعل بضوء أبيض حارق

.

---

نهاية الفصل الأول

---

أسئلة للنقاش:

1. تتوقعون من هو "السيد" اللي ظهر في آخر لحظة؟

2. ليش الطباشورة كتبت "اهربي"؟ هل هي تحمي نايشا ولا خايفة على نفسها؟

3. لو كنتي مكان نايشا، بتهربين ولا بتواجهين؟

2026/05/13 · 6 مشاهدة · 943 كلمة
eee eee
نادي الروايات - 2026