---﷽﷽
---
الباب الخشبي لم يكن يفتح لوحده.
كان يتنفس.
كل مرة ينفتح فيها بضعة سنتيمترات، يخرج زفير بارد يحمل رائحة مطر أول الشتاء. وكل مرة ينغلق، يسحب معه صوت خطوات الطلاب بلا الوجوه كأنه يبتلعهم.
نايشا لم تسأل نفسها إن كان هذا فخ.
يدها تحترق، والهمس خلفها يقترب:
"ن… ن… نايشا…"
زحفت داخل الباب.
الظلام ابتلعها فوراً.
لكن هذه المرة، لم يصرخ. لم يهاجم.
بل لفّ عليها كغطاء ثقيل، وسحبها للأسفل.
هوووش
سقطت.
سقوطاً لا ينتهي. لا ألم، لا صدمة. فقط شعور بأن الجاذبية نسيت اتجاهها.
وعندما فتحت عينيها، كانت واقفة.
في مكان مختلف.
غرفة صف.
مقاعد خشبية قديمة، سبورة متشققة، ونافذة واحدة تطل على سماء زرقاء صافية. لا قمر قرمزي. لا دم.
هواء نقي. دافئ.
حقي جداً… لدرجة أنها خافت.
على السبورة، مكتوب بالطباشير البيضاء بخط طفولي مرتجف:
"مرحباً نايشا. تأخرتِ 10 سنوات."
ارتجفت سبابتها. الغبار الأبيض على الجرح لم يعد يحترق. بل نبض بهدوء، كقلب صغير مطمئن.
"مستحيل…" همست.
الباب خلفها أغلق بهدوء.
ولم يعد هناك ممر. لم يعد هناك ظلام.
بدلاً منه، وقفت أمامه فتاة.
بنفس عمرها. بنفس الشعر الأسود. بنفس الشامة تحت العين اليسرى.
لكن عينيها كانتا ميتتين. فارغتين.
"أنا أنتِ." قالت الفتاة.
"أو… ما تبقى مني قبل أن يأكلني السيد."
نايشا تراجعت خطوة.
"كذب."
الفتاة ابتسمت ابتسامة مكسورة.
"لو كان كذب، لما اشتعل غباركِ لما لمستِ السجل.
السيد لا يخاف إلا من شيء واحد:
نسخة منه… قررت أن تكون حية."
رفعت الفتاة يدها. على راحتها، كان مرسوماً حرف "ن" بنفس الجرح الذي على يد نايشا.
"كل فتاة دخلت 3/ب، تركت جزءاً منها هنا.
أنا تركتُ شجاعتي.
واحدة تركت صوتها.
واحدة تركت اسمها."
اقتربت خطوة.
"والآن… جئتِ لتأخذيها."
من خلف السبورة، خرج صوت خشخشة.
السجل الأسود. لكنه أصغر. أقدم. غلافه مكتوب عليه:
"3/ب - الذاكرة"
فتحته الفتاة.
الصفحات كانت فارغة. إلا صفحة واحدة.
مكتوب فيها بالحبر القرمزي:
"نايشا. العمر: 14. الحالة: محو جزئي. الملاحظة: خطرة. لا تُكمل."
"إذا كملتِ المحو، بتتحرين." قالت الفتاة.
"بس كمان… بتتحرين أنا. وبنرجع وحدة.
وتذكرين ليش دخلتِ المدرسة أصلاً."
نايشا شعرت برعشة في رأسها.
ومضات.
غرفة معيشة. أم تصرخ. باب يُقفل.
"اكتبي اسمكِ يا نايشا… وإلا سننساكِ."
سقطت على ركبتيها.
تذكرت.
هي اللي دخلت المدرسة المهجورة قبل 10 سنين. هي اللي كتبت اسمها على جدار فصل 3/ب.
وهي اللي… ما طلعت.
"لا." همست.
"أنا ما مت."
الفتاة هزت رأسها بحزن.
"لا. بس جزء منكِ مات هنا.
والسيد يحتفظ فيه.
السؤال هو: بتأخذينه وترجعين كاملة؟
ولا بتتركينه وتمحينه للأبد… وتكمّلين ناقصة؟"
السجل الأسود انفتح على صفحة جديدة.
والقلم العظمي ظهر وحده، واقفاً فوق اسمها، ينتظر.
وفي الخارج، بدأ صوت الطلاب بلا الوجوه يدق على الباب.
طق… طق… طق…
---
نهاية الفصل الثالث
---
أسئلة للنقاش:
1. تتوقعون نايشا بتختار تكمل وتسترجع ذكرياتها، ولا تمحي الجزء الميت فيها؟
2. ليش السيد يحتفظ بأجزاء البنات؟ وش يستفيد؟