تنهدت، وهمّت بالرحيل.
لكن وهج صاح فجأة، كمن أدرك فوات الفرصة:
"انتظري..."
استدارت إليهما ببطء، بعينين ساخرَتين ونبرة باردة:
"ماذا الآن؟ هل قررتما أخيرًا الكلام؟"
أجاب أميس بهدوء متماسك، يخفي خلفه اضطرابًا:
"لا يمكننا قول كل شيء... سمعتُ عن حكمتكِ بالمستقبل ، ولا شكّ أنكِ تدركين أن الحديث عن المستقبل قد يُفسده."
أومأ وهج برأسه مؤيّدًا، وأضاف بنبرة شبه جادّة:
"بل قد يُنهي نسيج الزمان والمكان ذاته!"
سادت لحظة صمت، نظرت إليهما بعينيها الأرجوانيتين، نظرة خالية من الاندهاش، قبل أن تزفر تنهيدة ضجرٍ ثقيلة:
"تتحدثان وكأنكما لا تعلمان أن مجرد وجودكما هنا... غيّر المستقبل فعلًا."
ارتسم العبوس على ملامحهما، ثم تمتم وهج، وكأنه يُقرّ بجُرم:
"نحن نعلم... لكن لا نريد أن نُفسده أكثر."
حدّقت بهما لحظة، دون أي أثر للشفقة، ثم استدارت وهمست:
"حسنًا... فليكن. أتمنى لكما التوفيق."
بدأت تخطو مبتعدة، لكن صوت أميس لحقها بأستنكار :
"أستتركينا هنا… هكذا؟!"
توقفت، وقالت دون أن تلتفت، بنبرة لا تعرف الحنان:
"هل أنتما طفلان؟ لا أظن ذلك. تبدوان اعماركما محصوره من الخامسة عشرة الى التاسعة عشرة… وهذا يكفي لتدبرا أمركما."
ثم أضافت ببرودٍ ساخر:
"وأنا لا أرعى أطفالًا… ولا أرى أنكما مفيدان لي."
"لسنا أطفالًا!" صاح وهج بغضب، وركض خلفها، يكاد لسانه يسبق خُطاه:
"وايضا أريد أن أعرف قصتكِ! لماذا يخاف الجميع منكِ؟! ولماذا انتهى حكمـ"
لكن أميس أدركه قبل أن يُكمل، فوضع كفّه على فمه بسرعة، وعيناه تلمعان بتحذيرٍ صامت.
رفعت أميراس حاجبها بدهشة خافتة، كمن تلقى إشارة من قدرٍ خفي
صمتوا ثلاثتهم أميراس تفكر بالهدوء وأميس يضرب رأس وهج بالاحباط،
ثم قالت بالهمس بنفسها..
:
"كنتُ أظن أنني بلغتُ غايتي... وأنني سأُحكم قبضتي على الممالك في المستقبل.
لكن يبدو أن القصة... أعمق بكثير مما تبدو."
صمتت لحظة، تفكر مع نفسها بهدوء ثقيل، ثم رفعت بصرها إليهما.
نظرتها كانت ساكنة… لكنها أرسلت قشعريرة في ظهريهما، كما لو أن شيئًا من العالم الآخر يحدق فيهما.
قالت بصوت هادئ لا يخلو من غموض:
"حسنًا… سأساعدكما ، لكن بشرط: أن تجيبا عن سؤال واحد."
تبادل أميس ووهج النظرات، ثم تقدم أميس خطوة، وقال بحذرٍ وقلق:
"وما هو سؤالكِ؟"
كان يعلم — كما علّمه والده — أن التدخل في أمور الزمن قد يقود للهلاك، ومع ذلك، لم يجد مهربًا.
ابتسمت أميراس، وقد فهمت ان أميس لن يقول شيئا ، ففكرت بالطريقه اخرى بأستفاده منهما فقالت:
"أخبراني… هل أنتما مفيدان؟ … أم مجرّد طفلين، يتوهمان البطولة؟"
حدّق وهج بأميراس بانزعاج، وقال بحدة لم يستطع كبحها:
"لسنا أطفالًا! لِمَ تُكرّرين هذا مرارًا؟ تتحدثين كما لو كنتِ عجوزًا شمطاء، بينما في الحقيقة… تبدين أصغر منّا!"
ثم أكمل، رافعًا رأسه بثقة:
"ونعم، إجابةً على سؤالك: نحن مفيدان… جدًّا."
حدّقت به أميراس بدهشة خافتة، ثم قالت بنبرة مستغربة:
"أنا لستُ عجوزًا، هذا مؤكد… لكنني بالتأكيد أكبر منكما.
فأخبراني… ما هي فائدتكما؟"
قهقه وهج بخفة وقال:
"حقًا؟ كم عمركِ إذًا؟ أنا أبلغ السادسة عشرة! وأنت يا أميس؟"
قال أميس بتردد :
"في نهايات السادسة عشرة أيضًا…"
رفعت أميراس حاجبًا، وقالت بسخرية لاذعة:
"أما تعلّمتما أن سؤال النساء عن أعمارهن… وقاحة؟"
ثم استدارت قليلًا وقالت
"لكن بما أنكما لا تزالان في عمر الفضول… فأعلمكما أنني بلغتُ السابعة عشرة قبل أشهر."
صدما من تصريحها، وحدّقا بها بدهشة متبادلة…
فقد كانت نحيلة جدًا، أشبه بظلٍ يمشي… لا أثر فيه لسنٍّ يتجاوزهما.
تمتم أميس دون أن يقصد، وقد خانته ملامحه:
"لكن… لا تبدين كذلك."
فجأة، لمعت عينا أميراس، ورفعت خنجرها بسرعة، حادًّا كالبرق، وقالت بحدّة:
"لا تُحدّقا في جسدي، يال وقاحتك."
أدار كلاهما وجهه على الفور، وأخفى أميس ارتباكه بسعلة خفيفة، ثم قال بنبرة هادئة:
"نعم… كما قال وهج، نحن مفيدان.
أنا أستطيع تحديد مواقعنا عبر النجوم، وأجيد التعويذات السحرية للعلاج… والانتقال الآني.. واستدعى "
نظرت إليه أميراس ووهج بدهشة ظاهرة، ثم ضيّقت عينيها بشكّ:
"ولكنك.. لا تبدو من نسل السحرة …"
ردّ أميس بثقة هادئة:
"والدتي من نسل السحرة، ووالدي من البشر."
ارتسمت على وجه أميراس دهشة أكبر، كأنّ الكلمات شقّت طبقة قديمة في ذاكرتها:
"هل… استطاعت الأجناس في المستقبل أن تتجاوز الجاحز بينهما؟ "..
حدّقا بها وهي شاردة، غارقة في صمتٍ كأنه نداءٌ من ماضٍ بعيد...
كانت تُخطّط، تُفكّر، تزن كلّ شيء في عقلها.
فمال وهج نحو أميس، وهمس بانزعاج خافت:
"لِمَ لم تخبرني من قبل؟"
أجابه أميس بابتسامة ساخرة خفيفة:
"لم تسأل."
زمّ وهج شفتيه، وتمتم بحدّة مكبوتة:
"وكيف لي أن أشكّ؟ لم تستخدم أي تعويذة!"
ردّ أميس بنفس الهدوء:
"لأن استخدامها عندي… مقصورٌ على الضرورة فقط."
واستمرّا في التهامس، كأنّ ما بينهما أقدم من الحاضر،
حتى اقتربت منهما أميراس بخطوات رشيقة، وقالت بصوت رخيم هادئ:
"دعني أتحقّق من صدق ما قلتَ… لا اتّهمك بالكذب، لكن اقتران الجنسين بهذا الشكل… نادرٌ في هذا الزمان."
أومأ أميس برأسه في هدوء، وقد فهم قصدها دون شرح.
ابتسمت أميراس ابتسامة باهتة، ثم عضّت إصبعها بقوة، حتى سال الدم بغزارة،
وقالت بلا اكتراث يُذكَر:
"تفضّل."
كان دمها غريبًا… قانٍ بشدّة، يغلي كأنه حيّ.
مدّ أميس يده، وهمس بكلماتٍ كأنها من زمنٍ ضائع،
وفي عينياه السوداء بدات تصفر بصمت، حتى اكتساهما بياضٌ شاحب.
خرج من كفّه نورٌ خافت، انساب على الجرح…
فما لبث أن التأم ببطءٍ مهيب.
رفعت أميراس نظرها إليه، وقالت بدهشة لم تُخفها تمامًا:
"أوه… أنت صادق حقا سحرك.. مميز"
تنفّس أميس بفخرٍ خفي، كأنما راح يزهو في سره،
فها هي الملكة التي لطالما احترمها والده مدحت سحره.
قلب وهج عينيه ساخرًا، لا من قدرة أميس، بل من غروره الطارئ،
فالتفت إليه أميس وهمس بابتسامة مائلة:
"وأنت؟ ما فائدتك الآن؟"
تجهّم وهج، ولم يجد ردًا،
فعلا صوت خفيف كنسمةٍ ساخرة من بين شفتي أميراس،
ضحكتها كانت بين الدهشة والمرح، وقالت وهي ترمق وهج بنظرة فاحصة:
"ألا تعرف أصلك؟يال غرابه"
تجمّد الاثنان، وحدّقا بها بصمتٍ ثقيل،
كأن سؤالها نبش في صدر وهج بابًا صدئًا نسيه الزمن…
قال وهج بحدةٍ لا تخلو من القلق:
"وهل تعرفين والداي؟"
هزّت أميراس رأسها نفيًا، وأجابت بصوتٍ مفعمٍ بالغموض:
"كلا… كيف لي أن أعلم؟ أنتما من مستقبلٍ لا أفهمه، وأنا من ماضٍ لا يُروى.
فأي أرضٍ حملتكم؟ وأي أرضٍ لفظتني؟"
رمقها وهج بنظرة مشوبة بالفضول، ثم سألها بلا اكتراثٍ ظاهر،
كمن يخفي ارتجافةً في صدره:
"إذًا كيف عرفتِ أنني أجهل أصلي؟!"
التفت أميس إليه ببطء، وقد لمح الآن ذلك الشرر الحزين في عيني رفيقه…
الشرر الذي كان يشتعل كلّما ذُكر أميس والده.. فشعر بالضيق.. أكنت قاسيا عليه بلا ان ادراك؟
فكر أميس بالحيرة مع نفسه ورجع الى الارض واقع بالصوت أميراس هادئ
قالت أميراس بهدوء، وكأنها تلقي الحقيقة لا السؤال:
"نادِرًا ما رأى تنينًا خارج اراضي الشمال…"
عندها سقط البيان على المكان كالصاعقة،
واتّسعت عينا أميس ووهج في آنٍ واحد…
"تنين؟.. "تمتم وهج وقد جف حلقه
.....
يتبع
(تم تذكر مواقع التنانين الوصفه بالفصل0 عودوا له لمراجعه )