كانوا يقفون في أحد أزقّة مدينة هَنان، بعيدًا عن صخب الأصوات.
النهار يلفظ أنفاسه الأخيرة، وضوء الغروب ينسكب على الجدران الطينية، فيما يشعل الناس الفوانيس، ويهرع القليل من الأطفال إلى منازلهم الصغيرة.
حيث في هذا الزمان.. لم يتعاون به سحرة مع البشر.. عكس مستقبل..
......
حدّقا بها طويلاً، وكأنهما يحاولان التأكد أنها لا تسخر..
ضحك أميس ضحكة قصيرة، امتزج فيها الاستغراب بعدم التصديق، ثم قال وهو يعقد ذراعيه أمام صدره، والقلق يشدّ ملامحه:
"وهج…! من نسل التنانين حقا؟ إنكِ تائهة، التنانين لا تغادر الشمال، وحتى في أزمنةٍ بعيدة وُلدتِ فيها، كان معروفًا أن التنانين لا تخرج أبدًا من هناك… حتى ظنّ بعض الخلق أنها مخلوقات نسجها الخيال."
أنهى أميس كلامه وهو لا يزال غارقًا في التساؤل؛ فبين جميع الأجناس، كانت التنانين والجان أشدّ المخلوقات غموضًا وأقلّها معرفةً .
أما وهج، فقد بدا مصدوما ، وكأن ذهنه في أرضٍ أخرى. لم يسمع عن تلك الحكايات من قبل، فقد كان يتيمًا ربّاه شيخ ضرير أثقلته السنين، فلم يهتم بغير معيشته. سمع بوجود الممالك، لكنه لم يُلقِ لها بالًا، وجاء إلى هذه الأرض — هَنان — لغرضٍ خفيّ لا يعرفه سواه.
لكن الآن… أن يُقال له إنه من نسل التنانين؟!
يال سخريه...
رفعت أميراس بصرها إليهما، بعينين تقرأ ما وراء الصمت، ثم مرّرت أصابعها بين خصلات شعرها الأسود الممزوج بخيوط داكنة، وأرجعته خلف كتفيها، وقالت بهدوءٍ مشوبٍ بيقين لا يتزعزع:
"ممّا فهمتُ من قولك يا أميس… أن التنانين لم يتغيّر حالها حتى في المستقبل. لكن عيني لا تخطئ… لقد شعرتُ بهالة التنانين تجري فيك يا وهج، كما شعرتُ بهالةٍ خافتة من نسل السحرة تسري فيك يا أميس… حتى وإن حاولتَ إخفاءها."
ارتبك الاثنان على نحوٍ مضاعف وعلى حد سواء فسأل وهج بسرعة:
"شعرتِ بها؟!"
أومأت أميراس بهدوء، فشدّ وهج يديه وهو يقول بنبرة ثابتة تخفي قلقًا في عينيه:
"وماذا يثبت أنكِ محقّة؟ وأنني من نسل التنانين كما تقولين؟"
نظرت إليه أميراس بتفهم، ثم تقدّمت إلى الأمام، تخبئ رأسها تحت عباءتها السوداء، وخطواتها تحمل ثقل القرار، وقالت:
" لدي اثبات.. دعونا نذهب إلى مكان… أكثر عزلة."
تبادل أميس ووهج نظراتٍ قلقة للحظة، ثم تبعا خطوات أميراس.
كانوا يبتعدون عن المدينة شيئًا فشيئًا، حتى خبت أصواتها تمامًا، ولم يبقَ سوى وقع خطواتهم فوق الرمال الجافة. الهواء ساكن، كأن الصحراء تحبس أنفاسها.
ظل وهج صامتًا، غارقًا في أفكاره، بينما اقترب أميس من أميراس وسألها بصوت منخفض:
"كيف عرفتِ أنني أخفيها؟"
كان يقصد قولها قبل قليل: "أشعر بهالة نسل السحرة… حتى وإن حاولتَ إخفاءها."
التفتت إليه نظرة قصيرة، وكأنها تزن الكلمات قبل أن تنطق بها، ثم أعادت بصرها إلى الأمام وقالت بهدوء:
"ذكرتَ أن والدتك من نسل السحرة، أليس كذلك؟ في البداية ظننت أن الهالة السحر التي تحيط بك أثرٌ من الانتقال عبر الزمن. لكن الآن… أستطيع أن أقول بيقين إنك تحمل طاقة السحرة نفسها."
مدّت يدها نحو معصمه دون أن يمانع، وأخذت تحرك إبهامها ببطء فوق بشرته، تتمتم بكلماتٍ غريبة لا يعرفها الا قاده السحرة.
وفجأة، انبثق من معصمه ختمٌ متوهّج، نقشٌ قديم يتلألأ بضوء أحمر داكن، كالدم الممزوج بالذهب، على هيئة جمجمة بشرية ترتدي رداء السحرة.
ارتعش أميس، وسحب يده بسرعة، وعيناه تتسعان بالرهبة:
"كيف علمتِ بهذا؟… السحرة وحدهم يعرفون أمر هذه الأختام وكيفية إظهارها!"
اقترب وهج بخطوات مترددة، وعيناه تتنقلان بين وجه أميس والختم الباهت.
ثم نظر إلى أميراس بصوت هادئ، لكن يقطر بالجدية:
"أأنتِ من سلالة السحرة أيضًا؟"
التفت أميس إلى وهج وقال بهدوء:
"لا، ليست منّا… عيونها أرجوانية، بينما لون عيون السحرة ذهبيّ مائل إلى الصفرة. أما أنا، فأضع تعويذة تخفيه، فتجعل عينيّ سوداوين."
كان يشرح له بهدوء، فيما استمرت أميراس تسير أمامهما بخطوات ثابتة، غير مكترثة لما يدور خلفها.
سأل وهج وهو يحدّق في قرص الشمس الغارب:
"وربما هي أيضًا تضع تعويذة؟"
قطّب أميس حاجبيه وقال بنبرة حازمة:
"لا… لو كانت كذلك، لتفاعلت علامتي معها. فالسحرة، حتى وهم متخفّون، يتعرفون على بعضهم عن طريق هذه العلامة."
أنهى كلامه وهو يمرر يده فوق معصمه الآخر، ليخفي الختم من جديد بتعويذته، حتى تلاشى بريقه تمامًا.
أومأ وهج برأسه متفهّمًا، وتبادلا نظرة خاطفة حملت سؤالًا واحدًا:
"إذن… كيف ألقت التعويذة ان لم تكن ساحرة؟"
انجذبت أعينهما إلى ظهر أميراس وهي تمضي أمامهما.
هز أميس كتفيه ببرود قائلاً:
"لا أعلم."
تقلصت ملامح وهج قليلًا، لكنه أدرك الحقيقة… فامرأةٌ حُفرت سيرتها في الذاكرة لسنوات طويله وبنت مملكة تجمع جميع اجناس بالسنوات لا يمكن أن تكون ضعيفة في بداياتها.
وفجأة، توقفت أميراس عن السير، واستدارت إليهما، في عينيها بريق يشوبه الحذر.
همست وكأنها تحدث نفسها:
"حسنًا… هنا لن يرانا أحد."
اقتربت بخطوات ثابتة نحو وهج، وابتسامة هادئة ترتسم على شفتيها:
"إذن… تريد أن أثبت كلامي؟ "
سألت بصوت منخفض، يقطر باختبارٍ خفي.
أجابها وهج بثبات:
"نعم."
هبّت نسمة باردة مع حلول الليل، فزاد برود الجو، بينما بقي أميس يراقبها بصمت، حدّق في كل حركة لها بعين حذره.
اتسعت ابتسامتها، ومدّت يدها إليه.
مد يده نحوها بهدوء، لكنها أمسكتها، وقلبتها لتكشف راحته، ثم عضّت إصبعها بقوة حتى سال الدم، وأخذت ترسم به رموزًا غريبة، منقوشة على طريقة السحرة القدماء.
تصلّب أميس في مكانه، وعينيه تضيقان بتركيز، أما وهج فظل ثابتًا، وإن كان قد تفاجأ بحرارة دمها وهي تلامس بشرته… كانت تغلي!
واصلت رسم الرموز وهي تقول بصوت غامض:
"تم عزل تنينك عنك… وإبقاءك في حالة شبه بشرية. لا أعلم من فعلها… لكن من المؤكد أنه ساحر قوي للغاية."
سكتت لحظة، تاركة كلماتها تتغلغل في أعماقهما، قبل أن تضيف بابتسامة خافتة:
"هل تريد العودة إلى هيئتك الأولى؟ سيكون الالم لا يطاق"
تبادل أميس وهج نظرة صامتة، وكأن فكرة واحدة مرت بينهما، قبل أن يقول وهج بثبات:
"لا بأس ."
ابتسمت أميراس بهدوء، ثم أبعدت يدها قليلًا وهي تقول:
"حسنًا… ما اسمك الكامل مجددًا؟"
أومأت لأميس كي يقترب منها. لم يفهما تمامًا مقصدها، لكن لسبب غامض، كانا يثقان بها، حتى وإن لم يعرفا السبب.
اقترب أميس ووقف بجانبها، فأجاب وهج:
"اسمي وهجناك."
وما إن أنهى كلماته، حتى لمح أميس كيف بدأ جلد صديقه يمتص دم أميراس. تشققت بشرته، والألم يمزقه من الداخل، ودموع الدم انحدرت من عينيه، بينما نزف فمه، ليطلق بعدها صرخة ألم مدوّية.
"ماذا فعلتِ به؟!"
قال أميس بقلق وهو يندفع نحوه، لكن أميراس قبضت على ذراعه بقوة، وعيناها تنظر اليه بالهدوء:
"قلت ان الالم لا يطاق ألم تسمعني؟ " ثم اضافت
".. ولا تتسرع أنت ساحر، فتصرّف بطبيعتك."
كانت نظرتها حادة، تحمل لمحة اتهام خبيثة، وكأنها تختبره… أو تختبر طبيعة العلاقة بينهما.
بعد كل شيء يجب ان تعرف طبيعتهما..
أسيتراجع كالسحرة؟
ام
سيبقى كالصديق؟
أفلت أميس ذراعه منها بعنف، وقال بحدّة:
"لقد اعتبرني صديقًا قبل أن يعرف حقيقتي واثق بي ."
لم تجب، بل اكتفت بمتابعته بهدوء ولمحه من رضا تنبض في وجهها، فيما جسد وهج يتضخم، وقشور صلبة تنبت على جلده، وقوة غريبة تتصاعد من أعماقه.
اقترب أميس منه بلا خوف، فتنهدت أميراس واقتربت هي الأخرى، وهمست:
"هذا طبيعي… إنه لم يتحول في حياته من قبل، ولهذا يشعر بهذا الألم. دعه يعتاد على جسده الجديد."
رمقها أميس بقلق ممزوج بالحدّة، ثم أعاد نظره إلى صديقه وهو يقول بسرعة، وكأنه يبحث عن أي حل:
"وكيف أساعده؟ هل يمكن للسحر أن يخفف الألم؟"
هزّت رأسها نفيًا، وقالت بنبرة حازمة:
"بل سيزيد الأمر سوءًا… فالسحر هو من جعله هكذا."
اصفر وجه أميس وهو يحدّق في صديقه، قد فهم انها محقة...
لا يمكن اصلاح السحر بالسحر خصوصا عند يتعلق امر بالتنانين..
......
عيناه تائهتان بين وهج والوحش الذي صار أمامه.
لاحظت أميراس ارتعاشة وجهه، فتنهدت بهدوء، كأن هذا المشهد ليس بغريب عليها.
"لا تقلق سيكون بخير... حسب ما اظن"
انهت كلامها بالهمس لم يسمعه أميس
استمرّ التحول، وتكاثرت البرودة حتى غلفت الصحراء بقشعريرة غامضة. هبّت رياحٌ حاملةً ذرات الرمل، لكنها لم تكن رياحًا عادية، بل كأنها تنفسٌ لعاصفة ثلجية قادمة من أعماق الأرض.
نما جسد وهج أمام أعينهما، تمددت عظامه تحت الجلد، وتسلّلت القشور البيضاء لتغطي جسده بالكامل. ثم ظهر أمامهما تنين أبيض ضخم، أجنحته تمتد لتبتلع السماء الليل، وعيناه تشعّان بحُمرة نارية حادة.
حدّق بهما للحظة، ثم أطلق زئيرًا مدوّياً هزّ الأرض تحت أقدامهم. وضعت أميراس يديها على أذنيها بلا مبالاة، كأنها تعرف أن الصوت لن يؤذيها، بينما اتسعت عينا أميس بالقلق، لكنه لم يخلُ من لمحة فخر غامضة تخترق قلبه.
وضع التنين رأسه على الأرض، حدّق بهما بحدة ليست موجّهة لهما.
اقترب أميس ببطء وقلق
فقالت له أميراس بالسرعه وحذر: "انتظر!"
تحركت أمامه، واقفت بثبات أمام التنين، وقالت بهدوء:
"هل صديقنا وهج لا يزال هنا؟"
نظر التنين إليها بلا تردد، وكأن الوحش نفسه يسأل عن وجود ذلك الصديق. في تلك اللحظة، ارتسمت على وجه أميراس ملامح قلق مفاجئ، أثار دهشة أميس الذي نظر إليها باستغراب.
نظرت الى أميس بالقلق.. "ربما رحل؟ "
حدق بها أميراس بالعدم فهم قبل ان يحل فجر ادراك عليه..
"نعم؟! "
ـــــــــــــــيتبع..
شكل وهج راح يودع ملاعب؟ 🌚🦦