حين رأى وهج القلق الحقيقي في عيني أميس، فتوقّف في الهواء كمن فاق من حلم، ثم هبط بجانبه وهو يلهث.
'اوه تبا'همس تحت انفاسه
نظر حوله، فوجد الرمال تمتد إلى الأفق، بلا قافلة، بلا أثر، بلا ظلّ.
سأل بصوت خافت:
«من أين جئنا؟ أيّ اتجاه كنّا فيه؟»
ردّ أميس هامسًا:
«لا أعلم… كلّ شيء يبدو متشابهًا هنا.»
هبت ريح خفيفة، كأنّها تنقل أنينًا بعيدًا في الصحراء، وصوتٌ خافت يتردّد كهمسة لا تُفهم.
تجمّدا.
تكرّر الصوت، خافتًا، لكن حادًّا بما يكفي ليخترق القلب.
تمتم وهج:
«هل… هل سمعتَ ذلك؟»
أومأ أميس برأسه ببطء، ثم قال وهو ينظر خلفه:
«كان من هناك…»
استدارا معًا نحو مصدر الصوت، لكن لم يكن هناك أحد.
فقط كثبان الرمل، ومكان غريب بدا كأن الرمال تحفّ به على شكل دائرة.
اقترب وهج خطوة، وهمس كأن شيئًا ما يجذبه:
«انظر… ما هذا؟»
أمسك أميس بذراعه فجأة بقوة وقال بخوف:
«لا تقترب! قد تكون هذه… إحدى بقايا لعنة أميراس!»
نظر وهج إليه وقال ببطء:
«ألم يقل رئيس القافلة… إن الحديث عنها يجلب اللعنة؟»
صمت الاثنان، والريح تزمجر بينهما كتحذير.
ثم همس صوتٌ ثالث، قبيح وأجش، لا يشبه أحدًا منهما، من خلف كثيبٍ قريب:
«هل تُريدان معرفة قصة اللعنة؟»
التفت كلاهما وتراجعا.
كانت عجوز قبيحة تقف خلفهما.
«مَن… مَن أنتِ؟»
قال أميس بخوف، وهو يمسك ذراع وهج ويتراجعه معه إلى الخلف.
ضاقت العجوز بعينيها الصفراوين، وقالت بصوتٍ هامس، تسمح لهما بابتعاد مسافة:
«أنا؟ لنقل… عابرة سبيل. الأهمّ مني… أتريدان معرفة قصة أميراس؟ أم أن الخوف قد زُرع بالفعل في قلبكما؟ اصبحتما جبانان؟»
وأنهت كلامها بضحكة خبيثة.
---
حدق أميس في وهج، مشدِّدًا قبضته على ذراعه، ونظر إليه نظرةً تحمل معنًى واضحًا: لا تتجرأ على التفكير في الأمر.
ثم أعاد بصره إلى العجوز وقال بحدّة:
«كلا، لا نريد. هيا، وهج، دعنا نعود.»
حاول سحبه، لكن وهج تملص منه وقال ببرود:
«لا، لسنا جبانان! اخبرينا قصة تلك الملكة؟»
نظر إليه أميس بغضب وقال بحدّة:
«ما هذا الهراء؟ لا تُكلم الغرباء! أيها الغبي، سأرحل!»
استدار أميس لينصرف، فصاح به وهج وهو يسير خلفه:
«ماذا؟ لستُ غبيًا! وأيضًا، ألستَ غريبًا عني وقد تحدثتَ إليّ؟!»
استدار أميس بغضب وقال:
«نعم، وأنا أُكلم الغرباء الأغبياء والجاهلين أمثالك فقط!»
فصاح وهج، وقد احمرّ وجهه:
«هي! انتبه لكلامك… أيها الجبان!»
بقيا يتجادلان، يتقاذفان الكلمات كأنّها حجارة.
أما العجوز، فقد كانت تحدّق بهما بتعب، ثم تنهدت وقالت:
«آه… الأولاد! مهما مرّت القرون، يبقون كما هم.»
ثم نقرت عصاها في الرمل بقوة، فتمزّق الهواء فجأة، وابتلعتهم دوّامة بيضاء.
وجد الاثنان نفسيهما في عالمٍ غريب… أبيض بالكامل… صامت… كأنّه خارج الزمن.
تجمّدا في مكانيهما، ثم استدارا نحو العجوز، يحدّقان بها وبالفراغ العجيب الذي أصبحا فيه.
صاح وهج بذعر وعدم فهم:
«مهلًا! أين نحن؟! وكيف فعلتِ هذا؟!»
اما أميس لقد اصفرّ وجهه وعرف من هي.. وقال مرتعشًا:
«...أنتِ من سحرة؟!»
ضحكت العجوز وهي تداعب قبضة عصاها، مستمتعةً بخوفهما، ثم قالت بارتياح:
«أخيرًا… توقفتما عن جدالكما السخيف.»
ثم أضافت، وقد بدا عليها الضيق:
«كنتُ في البداية أنوي أن أقصّ عليكما قصة أميراس، وأجعل لعنتها تصيبكما، لتنتقل إلى أولادكما وأحفادكما إلى الأبد…»
توقفت لحظة، ثم أردفت بنبرةٍ ساخرة:
«لكن بعد أن رأيتُ شخصيّتكما، شعرتُ أنكما مزعجان لدرجة أن حتى مجنونة مثلي قد لا تتقبل الزواج بكما… لذا، لن أفعل.»
تبادلا نظرات متوترة، ثم قال أميس:
«لا أعلم إن كان علينا أن نفرح بذلك... أم ننزعج من وقاحتكِ.»
حدق بها وهج بريبة، ثم التفت إلى العجوز قائلًا:
«ما سبب تغيّر قراركِ..؟!»
نظر أميس إليها أيضًا بحدّة، وهما يتراجعان خطوة بعد أخرى، يزيدان المسافة بينها وبينهما...
ضحكت العجوز بخبث، وقالت وهي تميل برأسها قليلًا:
«لأنني خطرت لي فكرةٌ أفضل... أتريدان معرفة ما هي؟»
قالتها بنبرة مشبعة بالدهاء، وعينيها تتلألآن بالخبث.
تبادل أميس ووهج نظراتٍ هادئة، لكن عبوس وهج كشف أنه فهم ما أراد أميس قوله رفض..
ومع ذلك، لم ينبس ببنت شفة.
فقال أميس بحدّة:
«لا. أعيدينا إلى صحراء الانتقاء!»
حدقت العجوز به، ثم سألت بنبرة مستفزّة:
«ماذا؟ أأنت خائف؟»
رفع وهج حاجبيه بامتعاض، والغضب يتأجج في عينيه بسبب استفزازها لأميس، لكن الأخير لم يُعر الأمر اهتمامًا، ورد بصرامة:
«نعم، أنا خائف. والآن، أعيدينا إلى صحراء الانتقاء، حالًا.»
رمقته العجوز بنظرة مملة، عيناها الصفراوان ضاقتا كأنهما تحدّقان في شيء تافه.
ثم تمتمت بخبث وغموض:
«صحراء الانتقاء؟… حسنًا.»
وفجأة…
انهار الضوء حولهم، وخيّم صمتٌ كثيف كأن الزمن انقطع، ثم انطفأت أعينهما وسقطا فاقدين للوعي.
... يتبع