السلام عليكم..
ــــــــــــــــــــــــ
استيقظ وهج بفزع، ينهض متلفّتًا حوله…
كان وسط عاصفة رمليّة خفيفه ولكنها تعمي الابصار، تلسع الرمال وجهه وتخفي الأفق.
ظنّ أنه عاد إلى صحراء الانتقاء، فتنهد بارتياح.
لكن فجأة، ضربه إدراكٌ كالصاعقة:
أين أميس؟!
هل تزوجته تلك العجوز؟!
لا يعلم لمَ فكر هكذا ولكن
اصطدمت الفكرة بعقله كالسكين، فأوجعته.
«كان صديقًا لي… ليومٍ واحد فقط…»
تمتم ساخرًا، وهو يعتدل واقفًا مع سخريته كان يعلم انه عليه ايجاد أميس وخروج من هذه الصحراء.. حيث انها لم تكن صحراء الانتقاء
.. وفي اللحظة نفسها سمع ضحكة مألوفة.
ضحكة أميس.
تبعها صوت يصرخ من وسط العاصفة:
« ما هذا؟! تخلّيتَ عنّي بهذه السرعة؟!»
انفرجت ملامح وهج، وأخذ يبحث عنه
، ينادي وسط العاصفة:
«أميس! أين أنت؟!»
وبعد لحظة، جاءه صوت خافت، ساخر: «أنا هنا، أيها الخائن!»
تنفّس وهج براحة، وركض نحو الصوت رغم الريح:
«أين؟! لا أراك!»
«هنا، هنا! فقط افتح عينيك!»
تذمّر وهج وهو يتقدّم:
«وكيف أفعل ذلك وسط هذه العاصفة؟!»
ركض بخطى متخبطة، حتى داست قدمه شيئًا صلبًا لا يشبه الرمال.
توقّف، ثم رأى يدًا تبرز من تحت الرمل.
قفز مذعورًا.
فصاح أميس بغضب: «آخ! يدي، ما بك أيها الأهوج؟!»
رد وهج بانزعاج: «أنت بلا عقل! لماذا تتمدد هكذا وسط العاصفة؟!»
قال أميس وهو يزفر: «أنا متعب… تلك الساحرة المجنونة! لا أعلم إلى أين أرسلتنا. سننتظر حتى يحلّ الليل، لعلّي أستطيع تحديد موقعنا.»
سخر وهج: «وستنام هنا؟! وسط الرمال؟!»
رفع أميس حاجبيه وردّ: «وهل لديك فكرةٌ أفضل؟»
فتح وهج فمه ليردّ، لكنه لم يجد ما يقوله.
فاكتفى بالتنهيد.
ضحك أميس ساخرًا، ثم أسند رأسه إلى الرمل، مغلقًا عينيه.
اقترب وهج قليلًا، ثم ابتعد عنه بمسافة، واستلقى على الرمال، وابتسامة ساخرة تزيّن ثغره.
قال وهو ينظر إلى السماء:
«ظننتُ أن تلك الساحرة ستتزوجك… كانت تناسبك، ساخرة مثلك.»
رفع أميس حاجبه، وردّ باستهزاء:
«حقًا؟ بل أظنها تناسبك أنت… قبيحة مثلك تمامًا.»
قال وهج بثقة وهو يغمز: « وهل يهم الجمال؟نحن رجال ولسنا النساءً!»
ردّ أميس بتمتمة وهو ينظر إليه جانبيًا: «حقا؟ هذا سخف! …»
ثم أدار وجهه نحو السماء وأضاف ساخرًا: «إنه عذر الرجال القبيحين.»
رفع وهج حاجبه،
وقال ساخرا:
«وهل ستحمي زوجتك بجمالك؟»
رماه أميس بكوّة من الرمل ضاحكًا ومُغتاظًا: «علينا أن نكون جميلين، وإلا فلن تقبل بنا إحداهن! من يتزوج غولًا قزمًا؟!»
انفجر وهج ضاحكًا: «غولًا قزمًا؟! من أين جئت بهذا؟!»
ضحك وقال..
«ولكنني محق! من سوف تقبل بالقزم قبيح؟!»
ضحك الاثنان معًا بصوت عالٍ، كأن الصحراء نفسها تضحك معهما…
ثم خيّم عليهما الصمت.
سأل وهج بعد برهة: «نحن لسنا في صحراء الانتقاء، أليس كذلك؟»
أومأ أميس برأسه ببطء: «للأسف… نعم. لكنها تشبهها كثيرًا.»
والتفت إلى وهج :
«كيف لاحظت؟ ألست من الجانب الآخر؟»
رمقه وهج بنظرة هادئة غريبة، وقال بصوت خافت:
«فقط… شعرتُ باختلاف الهالة في هذا المكان. لم أعد أسمع صراخ الموتى.»
تجمّد أميس في مكانه، ثم نهض فجأة وقد شحب وجهه:
«أي صراخ كنت تسمعه؟!»
أجاب وهج، محاولًا أن يكون دقيقًا:
«دعني أوضح… ليست صرخات، بل كانت أرواح الموتى—»
لكنه لم يُكمل؛ إذ اندفع أميس، ووضع يده على فمه بقوة، يكمّمه وهمس بحدّة:
«لا تتحدث عن ذلك!.. سيُسمعك أحدهم.»
توسّعت عينا وهج بدهشة، وأزاح يده عنه:
«ماذا؟ مِن يسمعني؟ من يجب أن أحذر منه؟»
أدار أميس عينيه حوله، متفحصًا الظلال، ثم اقترب منه وهمس:
«سمعتُ أن أميراس… كانت متزوجة. وقد أنجبت فتى، كان يسمع أصوات الأرواح.
يقولون إنه لم يُقتل في المعركة، بل اختفى.
وأن نسلها… نجا.
ويُقال إن أحد أحفادها سيولد ليُعيد توحيد الممالك.»
صمت لحظة، ثم أردف بصوت خافت أثقل:
«ولهذا، أي شخص يُشتبه بأنه يسمع الأرواح… يُقتل.»
تأمل وهج وجهه، ثم همس:
«ومن يقتله؟»
ردّ أميس بنبرة شاحبة:
«الجان… جنود الظلام. أولئك الذين خانوا ملكتهم… أميراس.»
لمع شيء في عيني وهج، وسأل بهدوء غريب:
«نعم؟ أكمل...»
عبس أميس، ثم قهقه بمرارة وقال ساخرًا:
«أهذا ما يشغلك؟! أخبرك أنهم سيقتلونك، فتطلب المزيد من القصص وكأنك طفل!»
هتف وهج، وقد نفد صبره:
«وهل عليّ أن أرتجف وأتوسل كي يتركوني؟ إنها مجرد أساطير… لم ارى شخص من نسل الجان من قبل اطلاقا!»
ثم وقف وتراجع ببطء، يستدير مبتعدًا.
ناداه أميس بضيق:
«مهلًا! إلى أين تذهب؟»
تابع وهج سيره دون أن يجيب، فما كان من أميس إلا أن لحق به، غاضبًا، وشيء من القلق يرتجف في صدره.