"ما بك، وهج؟! لا تسِرْ هكذا، توقّف!"

صرخ أميس وهو يركض خلفه.

وحين لم يردّ وهج، علا صوته أكثر، ممزوجت بالقلق:

"انتظر حتى يحلّ الليل! أستطيع تحديد موقعنا بالنجوم!"

استدار له وهج فجأة، وفي عينيه شرر:

"ولماذا؟! من تكون حتى تُصرّ على مساعدتي؟!

نحن لا نعرف شيئًا عن بعضنا سوى الأسماء!"

حدّق به أميس، وارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة ممزوجة بحدة:

"حقًا؟! الآن فقط أدركت ذلك؟!"

ازدادت ملامح وهج انزعاجًا، وصوته خرج حادًا:

"كلا... كنتُ أفكر بذلك منذ البداية.

لكن كل شيء يجري بسرعة...

الأحداث تتدافع، وأنا بالكاد أفهم ما يحدث."

ثم أضاف، بانفعالٍ تصاعد في نبرته، مزيج من القلق والغضب:

"لا أعلم أين أنا... كل شيء معقّد! بدأ الأمر بمجرّد السير في صحراء مجهولة، مليئة بالجثث، وصراخ الأرواح، ثم ألتقي بغريبٍ يتصرّف كأنني أعرفه منذ عقود!ثم نضيع، وتظهر الساحرة... ثم ترسلنا الى لا اعلم اين...!"

توقف لحظة، كأن أنفاسه تثقل، ثم انفجر بحدة أكبر:

"ثم يقول لي هذا الغريب… ويلمّح أنني ربما من نسل أميراس؟! ما هذا الجنون، بحقّ السماء؟!"

ساد الصمت...

وشدّت العاصفة أنفاسها حولهما، كأنّ الريح تترقّب ما سيُقال.

لقد بلغ وهج حدّ الانفجار، وفي حدّته ظهرت هشاشة لم يُرد لها أن تُرى.

آن لأميس أن يُجيب... لا ليُهدئ، بل ليشعل النار بتساؤلٍ، أو يدفعه صوب الحقيقة.

سكن الهواء لحظة، وكأن الصحراء صمتت احترامًا لغضب وهج.

نظر أميس إليه بهدوء… لا شماتة في عينيه، بل شيء أعمق… كأنّه يرى ضايع وهج انعكاس ذاته..

تقدّم خطوة، وقال بصوتٍ منخفض، يحمل صدقًا هادئًا:

"أعلم أنه جنون، وهج...ولستُ هنا لأجعل الأمور أسهل."

رمق السماء لبرهة، ثم أعاد نظره إليه، وقال:

"أنا مثلك... لا أفهم كل ما يحدث ربما قليل . لكنني لا أصرخ، لا لأنني أقوى، بل لأنني خائف... وحاول لا اخيفك معي.. "

هربت ضحكه مريرة من وهج فأبتسم اميس

ثم أردف بثقل:

"ولكن انا اشعر بأنك لست عاديًا، سواء كنت من نسلها أم لا…لست من بني بشر وهذا واضح لكنك الآن، شئت أم أبيت، صرت جزءًا من هذه القصة.

أما اللعنة؟ لعلّها ليست علينا بعد حيث ان تلك ساحرة لم تقولها لنا.....وانا لا اشعر بها..."

انهى أميس كلامه بالهمس.. لم يسمعه وهج

حدّق به وهج مطولًا، وكأن الكلمات تنخر في داخله، ثم سأل بصوتٍ أخفض، يحمل قلقًا:

"لكن... كيف عرفتَ بأصوات الأرواح؟ وكيف تعرّفت على الساحرة؟"

صمت أميس بالهدوء وتعبيره غير قابل لقراءه ثم

أجابه أميس دون تردّد، بهدوءٍ لا يُخفي صدقه ولكنه يخفي بعض اشياء:

"سمعتُ أجزاءً من قصتها... لا أعرف كيف وحّدت الممالك، ولا كيف انتهى حُكمها، ولا تفاصيل معركتها... ولا حتى من كان خصمها."

ثم ابتسم، كأن ذكرى مرّت بخاطره، وقال بالهدوء :

"كنتُ أسافر كثيرًا مع أبي عبر الصحارى…وكان يقول لي دائمًا: إن ظهرت لك ساحرة، تجاهلها وابتعد... لا تثق بهن أبدًا... بعضهنّ كنّ يتجاهلننا، أما الأخريات… فكنّ يرميننا بعيدًا،إما إلى أطراف وجهتنا، أو إلى مسارات مجهولة...لكننا دائمًا كنا نعود، عبر النجوم."

انهى كلامه بالهدوء

حدق به وهج بالصمت وشعر بأن أميس يخفي امرا..ولكنه شعر بالصدق كلامه سابق فقال بالهدوء..

"امر هكذا اذن.. "

فكر مع نفسه واضاف

"كنت افكر كذلك.. الم يذكر رئيس تلك القافله بأنه القصه تنقل من اجدادكم فكيف لا تعرفها من اباك؟ "

قالها وهج بنبرةٍ أهدأ، وإن كان صوته يُخفي حنينًا تسرّب حين سمع عن والد أميس .

ابتسم أميس ابتسامة باهتة، لا فرح فيها، بل شيءٌ أقرب إلى الذكرى، وقال:

"أبي… لم يكن يحبّ الحديث عن القصص، خصوصًا عن تلك الملكة، مع احترامه الشديد لها. كان يتكلّم بالقليل… كان يقول دائمًا إن بعض الحكايات ثقيلة، تُحنى لها الرؤوس لا الآذان. وكنت صغيرًا، أملّ من تكرارها، فأعرض عنها… ثم، حين كبرت، لم يعُد هناك من يروي."

أطرق لحظة، ثم أردف:

"كل ما قاله عن تلك القصة كان مقتطفات… تحذيرات، إشارات، كلماتٌ متفرقة كأنها قُطعت من نصٍّ مفقود. ربما خاف أن يُعرّفني عليها… أو خاف عليّ منها."

ثم نظر إلى وهج بعينين فيهما صدقٌ أعمق من الكلمات، وقال:

"لهذا أنا أسير معك، يا وهج… لا لأنني أعرف كل شيء، بل لأنني لم أعرف ما يكفي حين كان الوقت يسمح، ولن أكرّر الخطأ. أشعر أنني معك… ربما أستطيع أن أعرف ما خاف منه أبي.. واشعر انني سأعرف ما بحث عنه معك يا وهج."

ثم سكت لحظة بالشرود

حدق بها وهج بالهدوء كأنه يفكر بعده الامور..

وسأله أميس بخفة:

"وأنت؟ ما الذي يجعلك تصرخ هكذا من العدم، ثم تصمت وكأنك تخاف من ذاتك؟"

2025/08/11 · 3 مشاهدة · 681 كلمة
نادي الروايات - 2026