صمت أميس لحظة، كأنما يزن السؤال بين كفيّ التردّد، ثم سأله بخفّةٍ لا تخلو من عمق:
"وأنت؟ ما الذي يجعلك تصرخ هكذا من العدم؟ … كأنك انتقلت إلى هنا لتوّك؟".
...
نظر إليه وهج بهدوء واعتبار، وقال:
"لا أعلم، بالصراحة...ولكن شعرت بعدم راحه حين ذكرت اسطوره من يسمع موتى يتم قتله.. "
تنهد وهو يستدير ليواصل السير، ثم أردف بصوتٍ هادئ:
" وكذلك شعرت بالشك من ردّة فعلك الهادئة … كانت صادقة، لكن غريبة من يستلقي بالصحراء؟."
رفع أميس حاجبه بسخرية يخفي به ارتباكه وقد نجح وهو يسير إلى جانب وهج، وقال:
"تتكلّم كأنك صرخت وبكيت حين وجدت نفسك في الصحراء! ردّ فعلك لم تكن أكثر اهتمامًا من ردّتي"
انظر الى امامه وهو يستمر بالسير بالجانب وهج. وقلد صوت وهج سابقا
"كان نعم صديق.. ليوم واحد.."
ثم اتفت اليه قائلا بأنزعاج
" تبا لك من اين فكرت بأنني يمكن ان اتزوج بالساحرة هي بالعمر جدتي كبرى! "
لفّ وهج رأسه إليه، ثم ضحك:
"هيا كيف لي ان اعلم كانت تبدو معجبه بكِ…"
صمت لحظه ثم اضاف بأبتسامه..
" ولكن نعم ربما لسنا طبيعيين في النهاية."
وضحكا معًا، لحظةً خفيفة وسط صمت الرمال.
ثم قال أميس مازحًا:
"إذًا، هدأت الآن؟ لمَ لا تستمر بالسير كالأميرة المدلّلة الغاضبة كالسابق؟ "
فردّ وهج وهو يبتسم بسخرية:
"نعم، أيها المهرّج الجبان… لقد هدأت."
ضحك أميس قائلاً:
"أنا مهرّج؟ وجبان كذلك؟ يا لها من سخرية! أنا معروف في قبيلتي بشجاعتي، وحكمتي، وبالطبع… بجمالي الأخّاذ."
التفت إليه وهج، ونظر إليه بسخرية واضحة، وقال:
"حسنًا، أُسحب كلامي… أنت مهرّج شجاع، لا خلاف في ذلك...لكن، من تلك التي قالت إن جمالك أخّاذ؟! لا تقل لي إنها والدتك… فالقرد في عين أمه غزال."
قالها ضاحكًا، ثم أسرع في السير حين لاحظ ملامح الغضب ترتسم على وجه أميس.
ركض أميس خلفه، والغضب الممزوج بالضحك يعلو وجهه، وصاح بسخرية أعلى:
"تعالَ إلى هنا يا أيها ذو اللسان الطويل! سأريك من هو القرد... لكن ليس في عين أمّه، بل في عيني أنا، حين أُمسك بك!"
ثم أردف وهو يقترب منه:
"أقسم إنك لو كنت في قبيلتي، لعيّنوك مُضحك المجالس… أو أرسلوك إلى الكهّان ليتأكّدوا إن كنت بشريًا أصلًا!"
ضحك وهج بصوتٍ عالٍ، وهو يسرع أكثر:
"بل سأهرب إلى قبيلتك وأُخبرهم أن ابنهم الجميل يطاردني لأنه لا يتحمّل الحقيقة!"
فجأة، تصلّب وهج في مكانه، كأن شيئًا خفيًّا ضرب قلبه وأخرس ضحكته.
استدار نحو أميس، وصوته هذه المرة خرج مشدودًا، كوترٍ يُوشك أن ينقطع:
"أميس… انظر!"
كان أميس ما يزال يركض، يلهث ضاحكًا، يُلوّح بيده مهدّدًا:
"نعم، نعم، لا تظن أن أوهامك ستجعلني أتراجع عن تشويه وجهك!"
لكن وهج لم يضحك، لم يتحرّك، فقط أشار نحو الأفق.
"أنا جاد… انظر، هناك… أليست تلك مدينة؟"
توقّف أميس على بعد خطوة منه، ينظر إليه أولًا بسخرية، ثم تبعه ببصره، وما إن لمحها حتى تجمّد هو الآخر.
همس ببطء، وقد بدأ صوته يعود إلى طبيعته:
وهو يحاول عدم تصديق ما يظنه
"ربما… تكون سرابًا."
لكن وهج هزّ رأسه، وقال بلهفة، وقد بدأ يركض نحوها:
"لا… ربما تكون حقًا مدينة هِنان!"
صاح أميس خلفه بتحذير:
"انتظر، وهج!"
ركض خلفه، لكن ملامحه تغيّرت… الشك يغمر عينيه شيئًا فشيئًا.
ذلك المكان… لم تكن مدينة هِنان تبدو صغيرة هكذا…تبدو كأنها بنيت من سنوات قليله وليس من السنوات.. لا! لن تفعلها تلك ساحرة منفية!
فكر أميس مع نفسه بالغضب وهو يركض خلف وهج ليوقفه..
كان وهج غريبا من هنا.. لا يعرف شكل المدينه هنان على عكس أميس..
أمسك أميس بيد وهج بسرعة، وجذبها كمن يحاول كبح طوفان لا يُمكن وقفه:
"وهج، تمهل… إنها ليست كما تركتها آخر مرة."
قالها بحذرٍ مشوب بقلق، فنظر إليه وهج بعينين مفعمتين بعدم الفهم، لكنه لم يجد فرصة للرد.
فجأة، خرجت من بين أبواب المدينة فتاة، بين الناس الداخلين ومغادرين.. تبدو أكبر منهما بقليل،
فقط اعيناها أرجوانية لم ينظر لهما أميس بعد.. واضحه من عباءتها سوداء..
تتقدم بثبات، تخفي وجهها خلف عباءة سوداء تلتف حولها كالليل،
لكن هالة الموت كانت تنبعث منها،
تتراقص كظلال عابرة على رمال الصحراء.
..................
تجمّد كلاهما من الخوف، وركّزا نظراتهما نحو الأرض، غارقين في القلق.
تابعا السير ببطء نحو المدينة، وكلّ خطوة كانت تزيد قلبيهما توترًا.
مرّت الفتاة من جانبهما بصمت، دون أن تلفت انتباههما أو تخاطبهما، كأنها شبح يمشي بين الأحياء.
نظر إليها أميس بطرف عينه، ولاحظ عينيها الأرجوانيتين، مما جعل أنفاسه تتقطع، إذ تذكّر أنها نفس لون عيني ملكة أميراس…
ومع ذلك، تنهد بارتياح خافت حين لم تكلمهما، لكن وهج جمع شجاعته وسألها بهدوء، وصوته يحمل استفسارًا أكثر منه تحدّيًا:
"مرحبًا، أيتها العابرة… أهذه مدينة هِنان؟"
اتفت أميس بالغضب الى وهج وانظر اليه بالحده
وقف الزمن لبرهة. لم تُجِب الفتاة.
لكنها التفتت إليهما، ونزعت غطاء رأسها، فظهر شعرها الأسود الممزوج بخصلٍ من الشيب الأبيض…
عندها شدّ أميس يد وهج بقلق، وهمس بسرعة:
"إنها هي… لا أصدق… ارجوك قل اننا متنا "
نظر إليه وهج بعدم فهم، وقال:
"ماذا؟ لا، لا أظن أننا متنا… ثم، هل تعرفها؟"
تكلم وهج بهدوء، لكن قلقه من حال أميس كان واضحًا، فهي نادرةٌ عليه.
عندها، نظرت إليهما الفتاة بذات الهدوء، وقالت بنبرة رخية:
"نعم انها المدينة هنان"
ثم اضافت وهي ترفع حاجبها
"هل تعرفانني؟"
فردّ أميس، صوته منخفض ومضطرب:
"إن لم يكن في الأمر حرج… هل نعرف اسمكِ؟"
نظرت إليهما بهدوء عميق، عيناها الأرجوانيتان لا ترمشان،
وصوتها خرج ساكنًا، لكنه اخترق العالم من حولهم:
"اسمي… أميراس."
توقّف الزمن.
كأن الكلمات نفسها تجمّدت في الهواء، كأن الريح حبست أنفاسها.
تقلّص حاجبا وهج ببطء، وامتلأ وجهه بعدم الفهم، لكنه شعر بشيء غريب يلامس قلبه.
ألم يتحدث الناس عنها؟
عن البيت الذي لا يُذكر اسمها إلا ويُنبذ، خوفًا من اللعنة؟
عن القصة التي تُروى همسًا، وتُقطع قبل أن تُكمل؟
لماذا يشعر وكأن الاسم وحده يحمل لعنةً خفيّة؟
وإن كان الأمر كذلك… فهل يُعقل أن يُسمِّي عائلة ابنتهم باسم تلك الملكة؟
نظر إلى أميس، فوجد وجهه متصلّبًا، فلقد كان أميس اول من فهم اين هما حقا..
يحاول أن يبدو هادئًا، لكن عينيه امتلأتا بالتوتر، والارتباك لم يُخفِ نفسه.
قال أميس بصوتٍ حاول أن يجعله طبيعيًا، لكن نبرته انكسرت في النهاية:
"سعدتُ بلقائكِ، آنسة… أميراس."
ثم بلع ريقه، وأردف وقد عاد ببصره إلى عينيها:
"نعلم أننا أتعبناكِ… لكن، هلّا أخبرتِنا… في أي عام نحن؟"