هسه راح تبدي روايه 💃🏻💃🏻

اللهم صلِّ على محمد وال محمد

بسم الله

ـــــــــــــــــــــــــ

اتّسعت عينا أميراس بهدوءٍ غريب عند سماع سؤاله،

رفعت يدها ببطء إلى ذقنها، وغرقت في صمتٍ عميق، كأنها تنقّب في ذاكرة غائمة لا تخصّها… أو كأنها تلمح ظلًّا من شيء لم يحدث بعد.

كان وهج يحدّق بها بهدوء، ينتظر أن تتكلّم حين تشاء… لا يعرف من تكون، ويظنّها فتاةً عادية تحمل اسمًا يوافق اسم الملكة فحسب.

أما أميس... فكان يرمقها بقلقٍ ظاهر،

يعلم من تكون… ويعرف عن دهاءها وذكاءها وسرعه بديهتها..

ويعلم أن كلماتٍ مثل "العام" و"السنة" لم يكن لها وجود في زمنها..

وأن أميراس هي أوّل من وضع للزمن اسماً، ووسم به عهدها.

ثم نطقت، بصوتٍ لم يكن صوتها وحدها، بل صدى لأرواحٍ غابرة تتكلّم من خلالها:

"العام…؟ لا وجود لمثل هذه العبارة في زماننا... نستخدم كلمه جيرو.. "

توقّفت لحظة، كأنها تنبش ذكرى مدفونة في طيّات زمنٍ بعيد… أو ربما على تخوم مستقبلٍ لم يولد بعد،

أو لعلها أدركت فجأة ما لا ينبغي لها أن تدركه.

قالت بعدها، بصوتٍ غريب وابتسامة أغرب، كمن يروي حلمًا لا يعرف إن كان حلمًا أم نبوءة:

"إن كان تخميني صحيحًا… فنحن في الوقت الذي يسبق حكمي."

أنهت كلامها بثقةٍ لا تخطئها العين،

ثم نظرت إلى أميس، فإلى وهج، بعينين تخترقان المظهر لتغوصا في الأعماق،

وابتسامة مستمتعة تزيّن ثغرها.

فكرت بالهدوء..

تراجعت خطوة إلى الوراء،

ثم استدارت وهمست، دون أن تلتفت، بصوتٍ فيه نغمة استمتاع خفي وثقه انهما سيلاحقان بها:

"تعاليا... لديّ فضول لمعرفة كيف سأملأ ذلك المستقبل..."

وبدأت تمشي عائدة نحو المدينة، بهدوء لا يشبه السكينة، بل الوعد.

تبادلا وهج وأميس نظراتٍ قلقة، وعيناهما تلاحقان خُطا تلك الفتاة التي تمشي كمن يعرف الأرض قبل أن تُخلق.

أمال وهج رأسه قليلًا نحو أميس، وهمس بصوتٍ خافتٍ كخوفٍ يتشكّل:

"لماذا تتكلّم هكذا؟ أخشى أن يكون ما أفكر به... صحيحًا."

نظر إليه أميس بعينين أكثر قلقًا، وأومأ برأسه ببطء، ثم اقترب وهمس بكلماتٍ لم يسمعها سواهما:

"نعم، للأسف... تفكيرك صحيح.

إنها أميراس... قبل أن تسيطر على الممالك."

حدّق بها وهج، غير مصدّق، كأن عينيه ترفضان الحقيقة التي بدأت تتشكّل أمامه.

تمتم:

"لن أصدّق...

كيف وصلنا إلى الماضي؟

لم ألحظ ذلك ألا الآن!.. وهذه البيوت... كلها من طين وقديمه للغايه وسمعت ان المدينه هنان واسعه للغايه مليئه بالسحر وجمال ليست هكذا.. "

سكتا معًا. نظراتهما تتشابك، والخوف ينعكس بين وجهيهما كمرآتين.

وفجأة، نطقا في الوقت ذاته:

"تلك العجوز الحقيرة…!"

نظرا إلى بعضهما بدهشة، وقد أدركا معًا أنّ "فكرتها الأفضل" التي لم يفهماها وقتها في فضاءها ابيض

لم تكن سوى دفعهما نحو هاوية الزمن…

"ولكن هذا جنون!"

قالها وهج بصوتٍ متوترٍ متكسّر، كأن الغضب يحاول أن يغطي على رعبٍ داخلي.

"أنا لا أعرف كل شيء عن الممالك تلك خمس ام سبع أي كان... لكن إرسالنا إلى الماضي؟! هل يستطيع كل نسل السحرة هذا؟! هل كل من وُلد في غرب الظلال يُحرك الزمن كما يُحرّك الغبار؟!"

لم يُجبه أميس فورًا، بل تنفّس ببطء، كمن يخشى أن تنهار عليه الكلمات إن نطق.

ثم قال، وقد خفّت نبرته كمن يبوح بسرّ ثقيل:

"لا... ليس كل سحرة الغرب يملكون هذا…بل قلة نادرة، نُسميهم 'كاسري السِرب'…وهي… هي كانت منهم، تلك العجوز.تبدو منفية.. حيث ان وشم لم يبدو بيدها.." تمتم كلامه اخير بالهمس ثم اضاف

"لكن حتى بين الكاسرين، نادراً ما يجرؤون على العبث بالخط الزمني…"

سكت قليلًا، ثم نظر إلى وهج وهمس:

"ولعلّها فعلتها لأنها… لا تريد لأميراس أن تصبح ما أصبحت عليه."

ارتجف شيء في قلب وهج..

"تقصد… أنها أرسلتنا لنمنعها؟"

ثم صمت، وأضاف بنبرة أقسى:

"أم لنموت هنا؟"

ابتسم أميس ابتسامة يائسة:

"كل شيء ممكن… إن كانت اللعبة بيد ساحرة تلعب بالزمن..."

سكتا قليلًا. لم يكن في الهواء سوى رجع نبضَيهما المتسارع.

كانت أميراس تمشي بهدوء نحو المدينة، كأن لا شيء يستحقّ العجلة، وكأنها تنتظر منهما أن يلحقا بها.

حدّقا بها من الخلف، وتبادلا نظراتٍ جديدة، مثقلة بالضيق والحيرة، ثم تنهّدا بانزعاجٍ مشترك، وقد فهم كلٌّ منهما ما يدور في ذهن الآخر دون حاجة لكلمة.

وفجأة، ركضا خلفها.

كانا بالزمن لا يعرفان به احد.. فقط تلك فتاة..ليس بيد حيله.. سيحاولان ان لا يقولا شيئا بالمستقبل لها..

"مهلًا، ملـ… أقصد، أميراس! تمهّلي!"

صاح وهج وهو يركض إلى جانب أميس، يتلعثم بين الألقاب والدهشة.

أما أميس، فواصل الركض بصمتٍ مطبق، كأن الرعب لا يزال يطوّق صدره؛ إذ يعرف القصص التي سمعها عنها، على عكس وهج، الذي لم يعِ بعد حجم الخطر الذي يركض نحوه.

استمرّت بالسير بهدوء، لا تلتفت ولا تسرّع، كأنها تعلم تمامًا متى سيصلان.

اقتربا منها شيئًا فشيئًا، حتى وصل وهج إلى جانبها، يسير بمحاذاتها بأنفاسٍ لاهثة، بينما بقي أميس على مسافة قريبة خلفهما، يراقب بصمتٍ مضطرب.

عبس أميس ساخرًا في نفسه:

"ذلك الغبي… يتّجه نحو النار كما تفعل الحشرات."

لكن رغم سخريته، لم يتخلّف. أسرع خطاه، وانضمّ إليهما.

"إذن… ما اسماكما؟"

سألت أميراس بصوتٍ هادئ، وفيه نغمة غريبة من الفرح… كأن وجودهما بجانبها يُرضيها، وربما لأنها عرفت ــ بطريقة لا تُقال ــ أنها ستحكم العالم.

تكلّم وهج بسرعة وثقة:

"اسمي وهجناك."

توقّفت فجأة، وحدّقت به.

"وهج… ماذا؟" همست بدهشة واستغراب.

فانفجر أميس ضاحكًا، وقد تبدّل حذره منها إلى سخرية من رفيقه.

ردّ وهج بإحباط، وهو يتنهد:

"إنه وهجناك!"

ابتسمت أميراس بهدوء، وأومأت برأسها.

"حسنًا… إنه فريد من نوعه. لكنني سأناديك وهج، حسنا؟"

عبس قليلا، لكنه وافق رغم كل شيء.

"حسنًا.سعدت بالقائكِ"

ولمّا لاحظت أميراس انزعاجه، أسرع أميس وقال، وهو يضحك:

"لا تقلقي عليه… أنا اسمي أميس."

نظرت إليه أميراس بهدوء، ثم قالت:

"حسنًا… سعدت بلقائكما."

سارت بهما إلى منطقة شبه معزولة، كأنها تلّ رمليّ خلف المدينة، نادر الأشجار.

تردّدا قليلًا… لكنهما لا يعرفان أحدًا سواها.

وجلست بالجدع الشجره قديم

أشارت لهما بالجلوس، فتبادلا نظراتٍ سريعة، ثم هزّا كتفيهما وجلسا على الرمل.

قالت أميراس بهدوء، وعيناها تتفحّصهما دون أن تبدو متوترة:

"والآن… السؤال الأهم."

توقّفت لحظة، ثم أضافت بنبرة أدق:

"من أنتما؟… أو لأكون أكثر وضوحًا: من أين أتيتما؟"

تبادل وهج وأميس نظرة قصيرة ومر فهم بالكتمان بينهما ، ثم تنفّس أميس أولا لانه على معرفه بالواقع بالمستقبل والممالك اكثر من وهج ، فقال بصوتٍ خافت:

"نحن… من الجنوب."

مرّت لحظة صمت، وأميراس تحدّق فيهما طويلًا، كأنها تُنقّب في عيونهما عن حقيقة لا تُقال.

ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة. عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت:

"هل الغباء لديكما وراثي؟… أم أنكما اجتهدتما في تعلّمه؟"

اشتعل وهج وأميس من سخريتها، لكن قبل أن ينبس أحدهما بكلمة، تابعت أميراس بنبرة غامضة، أقلّ حدّة وأكثر عمقًا:

"سألتكما: من أين أتيتما؟… أعني من أيّ مستقبل؟ وأيّ مستقبل بالضبط؟"

تقدّم أميس خطوة، ونظر إليها بشكّ حاد، وقال بحدّة:

"ومن قال إننا من مستقبل؟… إنكِ أنتِ من تنسجين الأوهام، لا نحن."

ابتسمت أميراس ابتسامة بطيئة، ثم أمالت رأسها قليلًا، وقالت وكأنها تُحدّث نفسها:

"غريب… إذًا يُقسم أحدكما باسم ملكٍ ما يزال حيًّا؟ ملك مملكة البشر لاكون متساهلة حيث انتما من الجنوب كما تقولا، وليفسّر أحدكما أيضًا: لماذا سألتما عن العام في وقتٍ لا يُقاس فيه الزمن بذلك الشكل؟"

رفعت بصرها إليهما، وبدا أن عينيها قد اشتدّ بريقهما، كأن فيهما شررًا من زمنٍ آخر.

"لستُ حمقاء يا أميس… ولا عمياء يا وهج. لقد رأيتُ ما يكفي لأُميّز رائحة الزمن في كلماتكما."

فنظر وهج الى أميس بالقلق.. هل نقول؟ سأله بالنظرات؟

وهز أميس كتفه بلا اعلم

اقتربت منهما بخطوة بطيئة حين لاحظ ترددهما و قالت بصوتٍ خافت:

"لكن لا بأس… ما دمنا قد بدأنا بالكذب، فل كذب معًا حتى النهاية وابقيا في دوامه زمان ضاعان."

ثم استدارت، وبدون أن تنظر إليهما، أضافت:

"احكيا لي كل شيء… أو عودا من حيث أتيتما، هذا إن استطعتم."

ــــــــــــ

يتبع..

2025/08/11 · 2 مشاهدة · 1172 كلمة
نادي الروايات - 2026