كانت السماء بلون الصدأ، ورائحة الموت تزكم الأنوف لدرجة أن الغربان توقفت عن النعيق. جثث جنود و شيوخ طائفة شيطان مبعثرة كأوراق الشجر الخريفية على طول المنحدر.

في وسط هذا الحطام، كان يسير رجلٌ واحد. لم يكن يرتدي درعاً، ولم يكن يصرخ صرخات حرب. كان كيم يونغ يسير ببرود مرعب، ثوبه أسود مثل غراب و قبعته قشية لم تتسخ أطراف ثوبه بقطرة دم واحدة، رغم أنه كان يمشي فوق بحيرة منها.

أمام عرش الجمجمة، وقف الشيطان السماوي لأول مرة في التاريخ، يرتجف.

"من أنت؟!" صرخ الشيطان السماوي، وهو يطلق طاقة سوداء كادت تشق الجبل.

لم يجب كيم يونغ. رفع يده فحسب، وبدت السماء وكأنها تنحني له. في تلك اللحظة، لم يكن مجرد فنان قتالي، كان قد بلغ "ذروة قتالية". بتلويح بسيفه في الهواء، تحطمت القوانين المكانية. سقط العظماء الذين أرعبوا الموريم لعقود كدمى مقطوعة الحبال.

لقد سقط الطائفة الشيطاني في ليلة واحدة، على يد رجل أطلقوا عليه لقب المدمر. لكن قبل أن تصل جيوش المسار الأرثوذكسي لتهنئة المنقذ، كان الرجل قد اختفى، تاركاً خلفه أسطورة يهمس بها القليلون فقط في الغرف المغلقة.

بعد 7 سنوات

كان البخار يتصاعد بكثافة في مطبخ مطعم "النصل الهادئ"، محولاً المكان إلى ما يشبه ساحة معركة ضبابية. وسط هذا الضباب، وقف كيم يونغ ممسكاً بقطعة قماش قديمة، يمسح جبهته بتعب وهو ينظر إلى كومة من البصل.

"يونغ! هل انتهيت من تقطيع الخضار؟ الزبائن بدأوا يطرقون الباب بالفعل!"

جاء صوت سونغ مين من وراء الستار، متبوعاً بصوت سحب الكراسي الخشبية على الأرضية. تنهد كيم يونغ وابتسم بخفة، ثم أجاب بصوت هادئ:

"بقي القليل فقط يا عزيزتي. هذا البصل اليوم يبدو قاسي العريكة بشكل غريب."

دخلت سونغ مين المطبخ، ملامحها تحمل مزيجاً من الجدية والدفء. اقتربت منه وأخذت السكين من يده، وضعتها جانباً ثم عدلت له ياقة قميصه التي كانت ملتوية.

"أنت دائماً تجد أعذاراً غريبة للبصل. هل أنت متأكدة أنك كنت تجيد استخدام الأدوات الحادة قبل أن نلتقي؟"

ضحك كيم يونغ بحرج، وحك قفاه بيده. "ربما نسيت القليل، أنتِ تعرفين أنني كنت مجرد مسافر تائه قبل أن أجدكِ."

نظرت إليه سونغ مين لثوانٍ، عيناها الجميلتان تلمعان بشك خفيف سرعان ما تبدد بابتسامة. "مسافر تائه لا يجيد حتى إشعال النار بشكل صحيح في البداية.. حسناً، أسرع. هناك شاب غريب يجلس في الزاوية منذ ساعة، يبدو أنه لا يملك ثمن وجبته."

خرجت سونغ مين لخدمة الزبائن، بينما عاد كيم يونغ لعمله. أمسك بالسكين مجدداً. للحظة خاطفة، لم يتجاوز زمنها رمشة عين، تغيرت قبضة يده. لم يعد يمسك سكين مطبخ، بل بدا وكأن يده تلتحم مع المعدن.

في تلك اللحظة، عبرت مخيلته صورة ضبابية.. سماء سوداء تمطر رماداً، وصوت تحطم سيوف تحت قدميه. اهتزت يده قليلاً، ليعود إلى واقع المطبخ.

"مجرد ذكريات قديمة.." همس لنفسه، ثم بدأ بالتقطيع. كانت السكين تتحرك بإيقاع موسيقي، سريع جداً لدرجة أن البصل كان يتساقط في الوعاء كأنه ينهمر من السماء.

---

في صالة المطعم، كان الجو صاخباً. مجموعة من المقاتلين الشباب من مدرسة قتالية محلية يضحكون بصوت عالٍ. وفي الزاوية البعيدة، كان يجلس شاب يرتدي ملابس خضراء باهتة، يحمل سيفاً ملفوفاً بخرقة بالية.

اقتربت منه سونغ مين بوعاء من الماء الدافئ. "سيدي، هل قررت ماذا ستطلب؟"

ارتبك الشاب، ونظر إلى السيف الموضوع على الطاولة ثم إلى سونغ مين. "أنا.. في الواقع، أنا أبحث عن عمل. لست جائعاً."

قرصت معدة دي-هيون في تلك اللحظة بالذات، مصدرة صوتاً سمعه الجميع. احمر وجهه خجلاً.

"يبدو أن معدتك لا توافقك الرأي،" قالت سونغ مين بلطف. "انتظر قليلاً."

عادت بعد دقائق وهي تحمل طبقاً ضخماً من النودلز الساخنة مع قطع اللحم المحمر. خلفها، كان كيم يونغ يمسح يديه بـ مريلة المطبخ ويراقب المشهد بفضول.

"كل أولاً، ثم نتحدث عن العمل،" قال كيم يونغ وهو يجلس على الكرسي المقابل للشاب.

بدأ دي-هيون بالأكل بنهم، بينما كان كيم يونغ يراقبه بهدوء. لاحظ كيم يونغ الندوب على يد الشاب، وطريقة وضعه لقدميه تحت الطاولة.

"أنت تلميذ من طائفة السحاب الأخضر، أليس كذلك؟" سأل كيم يونغ فجأة.

توقف دي-هيون عن الأكل، ونظر بحدة إلى كيم يونغ. "كيف عرفت؟ ثيابي ممزقة ولا تحمل أي شعار."

هز كيم يونغ كتفيه ببساطة. "طريقتك في إمساك العيدان تشبه طريقة إمساككم للسيف الطويل. وضعية دفاعية حتى وأنت تأكل."

تنهد دي-هيون وانخفضت طاقته. "كنت تلميذاً هناك. لكنني طردت لأنني.. لأنني لم أكن أتبع القواعد بشكل جيد. يظنون أنني ضعيف لأنني رفضت ضرب تلميذ أصغر مني."كانت تظهر ملامح استياء على وجهه

"القواعد أحياناً تكون مجرد قيود لمن لا يملكون قلباً،" قال كيم يونغ بلهجة بدت أكبر من عمره بكثير، مما جعل دي-هيون يحدق فيه باستغراب.

---

فجأة، انفتح باب المطعم بقوة. دخل ثلاثة رجال يرتدون ملابس فاخرة، وتفوح منهم رائحة الغرور. كان يتزعمهم شاب يحمل مروحة ورقية مطرزة بالذهب.

"أين صاحب هذا المكان القذر؟" صاح الشاب وهو يغلق مروحته بحدة.

تقدمت سونغ مين بسرعة، ملامحها متغيرة. "أنا المديرة، كيف يمكنني مساعدتكم؟ ونرجو خفض الصوت، لدينا زبائن."

ضحك الشاب بسخرية. "الزبائن؟ هؤلاء الرعاع؟ أنا 'لي غوان'، ابن مستشار المدينة. سمعت أنكم تبيعون طعاماً هنا دون دفع ضريبة الحماية لجمعية 'النمر القابع'."

وقف كيم يونغ ببطء، ملامحه هادئة جداً، ربما أهدأ من اللازم. "ضريبة الحماية؟ نحن ندفع ضرائبنا للدولة يا سيدي. لا أعتقد أننا بحاجة لحماية إضافية."

اقترب لي غوان من كيم يونغ، ونظر إليه باحتقار. "أنت الطباخ؟ تبدو كشخص لم يحمل سلاحاً في حياته. هل تعرف ماذا يحدث لمن يعارضنا؟"

مد لي غوان يده ليدفع كيم يونغ من صدره، لكن شيئاً غريباً حدث. يد لي غوان لم تلمس كيم يونغ، بل انزلقت وكأنها اصطدمت بجدار من الزيت. تعثر لي غوان وسقط على الطاولة المجاورة، محطماً طبقاً من المرق.

"أوه، اعتذر!" قال كيم يونغ بلهجة كوميدية وهو يمد يده ليساعده. "الأرضية زلقة جداً اليوم، لقد طلبت من دي-هيون تنظيفها لكنه لم يبدأ بعد."

استشاط لي غوان غضباً. "أيها الوغد! هل تجرأت على لمسي؟"

استل لي غوان سيفه، لكن قبل أن يخرج النصل تماماً من غمده، وضع كيم يونغ يده بلطف على مقبض سيف لي غوان، معيداً إياه لمكانه.

"سيدي، السيوف للقتال في الساحات، وليس في المطاعم. ستخيف الزبائن، وسونغ مين ستجعلني أنظف الدماء طوال الليل إذا حدث شيء."

شعر لي غوان برعب مفاجئ. يده التي كانت تمسك السيف تجمدت. لم يشعر بأي طاقة تنبعث من كيم يونغ، لكنه شعر بـ فراغ غريب، كأنه يقف أمام هاوية لا قاع لها. جفت حنجرته، ولم يستطع نطق كلمة واحدة.

"هيا، اذهب الآن، سأعتبر أن الطبق الذي كسرته هدية منا،" أضاف كيم يونغ بابتسامة دافئة قلبت كيان الرجل.

هرب لي غوان وأتباعه دون النظر خلفهم. عاد الهدوء للمطعم، ونظر دي-هيون إلى كيم يونغ بعيون متسعة.

"كيف فعلت ذلك؟ لم تتحرك حتى!"

التفت كيم يونغ إليه وهو يجمع الحطام. "فعلت ماذا؟ لقد تعثر هو فقط. هل رأيت؟ هذه الأرضية تحتاج لمسح. دي-هيون، بما أنك تبحث عن عمل، هل تجيد استخدام الممسحة؟"

نظر دي-هيون إلى كيم يونغ، ثم إلى سونغ مين التي كانت تضحك وتلوم زوجها على خرقه، وأدرك أن هذا المكان ليس مجرد مطعم نودلز عادي.

"سأفعل! سأمسحها حتى تلمع!" قال دي-هيون بحماس.

---

في وقت متأخر من تلك الليلة، بعد أن نام دي-هيون في الغرفة الصغيرة الملحقة بالمطعم، وقف كيم يونغ في الشرفة يراقب القمر.

كانت يده تتحرك في الهواء بشكل لا إرادي، كأنه يمسك شيئاً غير مرئي.

"مازلت تفكر في الماضي؟"

ظهرت سونغ مين خلفه، ولفعت كتفيه بوشاح دافئ.

"لا،" أجاب كيم يونغ وهو يضمها إليه. "كنت أفكر فقط.. هل نضع التوابل الحارة في حساء الغد؟"

ضحكت سونغ مين ودفنت رأسها في صدره. "أنت غريب يا يونغ. لكنك طباخي المفضل."

في تلك اللحظة، بعيداً في الجبال، كان شيخ كبير ينظر إلى النجوم بقلق، هامساً لرفيقه:

"هل تشعر بذلك؟ النصل الذي حطم السماء قبل سنوات.. يبدو أن غلافه قد بدأ يهتز."

لكن في مطعم "النصل الهادئ"، لم يكن هناك سوى رائحة المرق، وصوت ضحكات زوجين وجدا السلام في عالم لا يعرف سوى الحرب.

2026/04/21 · 3 مشاهدة · 1218 كلمة
ahmed Nitoush
نادي الروايات - 2026