4 - ​"صدى الكسوف: تمزيق الميزان الفصل 4

الفصل الرابع: تشريح "الظل".. وقرارات الغرف العائمة

​نيويورك العائمة – القارة الأولى (الحصن الطائر "نيو أرك")

بعد مرور شهرين على زيارة أحمد لإيثان في القاهرة

​مر شهران منذ ذلك اللقاء البارد في قصر عابدين، شهران زاد فيهما توهج "إيثان" كبطل قومي، بينما غاص اسم "مصطفى" أكثر في طي النسيان. اليوم، وفي قلب الحصن الطائر "نيو أرك"، اجتمع جيل العشرين الأقوى في العالم. القاعة الدائرية كانت تطل على المحيط الأطلسي من ارتفاع شاهق، والأرضية الكريستالية كانت تنقل بيانات حية عن تدفقات المانا في الكوكب.

​كان الحضور يمثلون قمة الهرم البشري: جوليان (أمريكا)، أرئيل (إسرائيل)، فيكتور (روسيا)، هانز (ألمانيا)، لونج-وي (الصين)، جين-هو (كوريا)، كينجي (اليابان)، ذو الفقار (العراق)، عمر (ليبيا)، زيد (بلاد الشام)، وبالطبع أحمد وإيثان.

​ملف "النكرة": تشريح التاريخ

​بعد الانتهاء من مناقشات تقاسم "ميزان الطاقة"، وقف إيثان. وبحركة هادئة من يده، استدعى شاشة هولوغرافية ضخمة انبعث منها ضوء رمادي باهت، يتناقض مع فخامة القاعة.

​"أحمد.." بدأ إيثان بصوته الرخيم الذي يحمل برود الجراحين. "منذ لقائنا في القاهرة قبل شهرين، وأنت تطرح سؤالاً واحداً عن شخص مفقود. وبما أنني لا أحب الغموض في ملفات وطني، فقد أمرت المخابرات الجينية بنبش تاريخه بالكامل. إليكم 'المعجزة' التي يراهن عليها صديقنا أحمد."

​ظهرت على الشاشة صور باهتة لحي "الجمالية" المدمر. بدأ إيثان يقرأ بتفصيل ممل ومستفز:

​الاسم: مصطفى (بلا لقب عائلة).

​تاريخ الميلاد: عام الكارثة، 2026.

​السجل العائلي: قُتل والده ووالدته في "انفجار الرنين" الأول. عاش يتيماً في الملاجئ العامة التي دمرتها الوحوش لاحقاً.

​التاريخ الصحي: عانى من سوء تغذية حاد في طفولته، مما أدى لضعف في نمو "نواة المانا" لديه.

​التقييم الجيني: في سن الخامسة عشرة، خضع للاختبار الإلزامي. النتيجة: رتبة F. نسبة نقاء الرنين: 12.4%.

​الحياة العملية: اشتغل "جامع خردة" في المناطق الحمراء. كان يجمع بقايا النحاس والحديد من الأبنية المنهارة ليشتري كسرة خبز.

​توقف إيثان عن القراءة ونظر لأحمد بسخرية: "تخيلوا.. شخص لم يستطع حتى تفعيل 'درع طاقة' بسيط من المستوى الأول، يقرر قبل خمسة أشهر (أي بعد لقائه بأحمد مباشرة) أن يتجه إلى البوابة الجنوبية للقارة الرابعة. البوابة التي لم يخرج منها مطور برتبة B حياً قط."

​النقاش الحاد: سخرية الأباطرة

​انفجر أرئيل بضحكة عالية، كادت تمزق صمت القاعة: "12% نقاء؟ يا إلهي! أنا أملك كلباً آلياً بنسبة نقاء 40%! هل هذا هو الشخص الذي تدافع عنه يا أحمد؟ 150 يوماً في الغابة السوداء لهذا الحطام البشري تعني أنه لم يعد موجوداً حتى في سجلات الموتى. لقد هُضم وتم إخراجه كفضلات للوحوش منذ زمن طويل."

​جوليان تنهد بملل وهو يعدل ياقته: "أحمد، أنت بطل من رتبة S في الخليج. مكانتك تحتم عليك الترفع عن هذه الترهات العاطفية. العلم يقول إن الرتبة F تموت من 'الضغط الجوي' للمانا في القارة الرابعة دون الحاجة لوحش يلمسها. رئتاه قد انفجرتا في أول كيلومتر. انتهى الأمر."

​انتفض أحمد من مقعده، وانفجرت رماله الذهبية لتغطي الطاولة الكريستالية، مما جعل كينجي (الياباني) يضع يده على سيفه "الكاتانا" بحذر.

"أنتم تتحدثون عن الأرقام!" صرخ أحمد وعيناه تلمعان بدموع الغضب. "أنا ومصطفى أكلنا التراب معاً! رأيته وهو يقاتل كلاب الشوارع من أجل علبة طعام فاسدة ولم ينكسر. مصطفى ليس 12%.. مصطفى هو 100% من الإرادة التي لا تملكونها خلف دروعكم اللامعة هذه!"

​ذو الفقار (العراقي) تدخل بصوته الرخيم: "أحمد.. نحن في بغداد نعرف الصمود جيداً. لكن هناك فرق بين الصمود والانتحار. 150 يوماً؟ حتى لو كان بطلاً من رتبة S، سيحتاج لجيش ليصمد تلك المدة في القارة السوداء. صديقك.. لقد صار جزءاً من الرماد."

​إيثان أضاف ببرود قاتل: "لقد أرسلتُ فرقة مسح للطوارئ إلى حدود البوابة الجنوبية الشهر الماضي بناءً على إلحاحك يا أحمد. لم يجدوا شيئاً. لا سيفاً، لا ثياباً، ولا حتى أثراً لنبض حراري. مصطفى لم يعد له وجود في هذا العالم."

​النهاية: صمت الشهر الأخير

​غادر الجميع القاعة بضحكات خافتة ونظرات إشفاق تجاه أحمد. بقي أحمد وحيداً في الشرفة العملاقة لـ "نيو أرك"، ينظر للسحب التي تسبح تحت قدميه.

​كانت الكلمات تتردد في أذنه: "12%.. حشرة.. سماد للوحوش.."

قبض أحمد على سياج الشرفة حتى تشقق الكريستال تحت ضغط يده. نظر نحو اتجاه القارة الأفريقية، نحو تلك البقعة السوداء التي ابتلعت أعز أصدقائه.

​"مرت أربعة أشهر منذ رحيلك يا مصطفى.. وشهران منذ أن وعدتُ نفسي بأنك ستعود،" همس أحمد بصوت مكسور. "العالم كله يسخر مني لأنني أؤمن بك. إيثان يشرح تاريخك كأنه يشرح جثة هامدة."

​تنهد أحمد بعمق، ونظر إلى الساعة الرقمية في معصمه.

"بقي شهر واحد. شهر واحد فقط على بدء التصفيات الكبرى في القاهرة. إذا مر الثلاثون يوماً القادمة ولم تظهر من ذلك الجحيم.. سأضطر لتصديقهم. سأضطر لدفن ذكراك في قلبي والاعتراف بأنك.. قد هُزمت."

​ساد الصمت في الحصن الطائر، ولم يكن هناك سوى صوت الرياح العاتية في الأعلى، بينما كان أحمد يصلي في سره أن تظهر تلك "النسبة الضئيلة" التي تكسر قوانين العلم.. وتعود من الموت.

2026/03/04 · 2 مشاهدة · 743 كلمة
Desha Elpop
نادي الروايات - 2026