الفصل الخامس: ترتيلة الدم.. وعودة الغريب
القارة الرابعة (الغابة السوداء) – الشهر الرابع من العزلة
كان الصمت في الغابة السوداء أثقل من الجبال، لكن داخل جمجمة مصطفى، كان الضجيج لا يتوقف. الجوع لم يعد ينهش معدته فحسب، بل بدأ ينهش "منطقه". أثر لحم الوحش من الرتبة S الذي أكله بدأ يغير كيمياء دماغه؛ المانا الخام كانت تعيد بناء وصلاته العصبية بطريقة وحشية.
في هذا الشهر، توقف مصطفى عن الحديث مع الأشجار، وبدأ يتحدث مع "هو".
كان الانفصام قد تجسد في وعيه ككيان مستقل، أطلق عليه مصطفى اسماً يليق ببشاعته: "الدمّام".
"الدمّام" لم يكن مجرد صوت، بل كان تجسيداً لكل قطرة دم سُفكت، ولكل حقدٍ كتمه مصطفى. كان صوتاً أجشاً، متهدجاً، يضحك في الأوقات التي يبكي فيها مصطفى، ويصرخ بالقتل حين يصمت العالم.
"أترى تلك اليرقات العظمية يا مصطفى؟" همس الدمّام داخل عقله بابتسامة يمكن لمصطفى "رؤيتها" في مخيلته. "إنها تشبه أمعاءك الخاوية.. ما رأيك أن ننزع أحشاءها ونعقد بها حبل مشنقة للقمر؟"
كان مصطفى يرتجف، يضرب رأسه بصخرة ليخرس "الدمّام"، لكنه أدرك في نهاية الشهر الرابع حقيقة مريرة: الدمّام هو القوة الوحيدة التي ستبقيه حياً. بدأ يتقبل وجوده، بدأ يسأله عن أماكن الوحوش، وبدأت تتشكل بينهما علاقة "تكامل" مريضة.
الشهر الخامس: فن المذبحة
بحلول الشهر الخامس، تحول مصطفى إلى "آلة حصد" لا تفهم التعب. لم يعد يقتل الوحوش ليعيش، بل أصبح يقتلها بـ "شغفٍ مختل". تحت إشراف الدمّام، تعلم مصطفى مهارات لا توجد في أي كتاب قتالي:
"رقصة الأوردة": حيث يقطع حنجرة الوحش ويتركه ينزف بطريقة تجعل الدم يرسم دوائر هندسية حوله.
"صمت العظام": القدرة على كسر هيكل الوحش الداخلي بضربة واحدة صامتة دون أن يصرخ.
كان مصطفى يذبح "ذئاب الظل" و"تنانين الأرض" ببرودٍ مرعب. يضحك بهستيريا وهو يغرس أصابعه في أحشائهم، ثم فجأة، يسكن تماماً، ويمسح الدم عن وجهه بحنان غريب، ويقبل رأس الوحش الميت هامساً: "شكراً لأنك منحتني قوتك.. نم بسلام يا صديقي."
لقد تفاهم مع الدمّام؛ أصبحا صديقين. مصطفى هو "العقل الحكيم" الذي يخطط، والدمّام هو "الغريزة المتعطشة" التي تنفذ. أصبح مصطفى يسيطر على أفكار الدمّام، يوجه جنونه نحو الأعداء، ويستخدم هلوساته كـ "رادار" للتنبؤ بالحركات. أصبح شخصية غير مفهومة؛ يقتل بعنفٍ صاعق، لكنه يحزن على الزهور التي يدوسها أثناء القتال.
العودة: هدوء ما قبل الكسوف
قبل المسابقة بـ 30 يوماً – الحدود المصرية الجنوبية
انفتحت البوابة الصدئة لبرزخ الموت. من الضباب الأسود، خرج شخصٌ لا يمكن تمييز ملامحه بسهولة. كان يرتدي عباءة مصنوعة من جلود الوحوش التي دباغها بدمه، شعره الأسود طال لدرجة أنه غطى كتفيه، وسيفه المتهالك أصبح لونه أسوداً قاتماً كأنه مصنوع من مادة تبتلع الضوء.
مشى مصطفى نحو أول قرية حدودية متهالكة. كان يمشي بهدوء غريب، خطواته لا تصدر صوتاً، ووجهه يحمل مسحة من "الحكمة" التي لا تأتي إلا لمن رأى نهاية العالم وعاد. لم يعد يرتجف، ولم يعد يصرخ. كان يبتسم للمارة بـ "حنين" حقيقي، ويساعد كبار السن في حمل أحمالهم بـ "رقة" مفرطة، لكن عينه اليمنى كانت تهتز بين الحين والآخر بوميض أرجواني.. علامة على أن الدمّام يراقب من الداخل.
وقف مصطفى أمام شاشة هولوغرافية محطمة في وسط ساحة القرية. كانت تعرض تقريراً عن إيثان.
ظهر إيثان وهو يرفع رمحه "ناب الشمس"، محاطاً بهالة من النور الأبيض التي تحرق كل شيء. المذيع كان يصرخ: "إيثان.. رتبة S+.. طاقته تعادل انفجاراً نووياً مصغراً.. هو منقذ القارة الثالثة!"
نظر مصطفى إلى الشاشة. رأى "النور" الذي يفتخر به الجميع. شعر بـ الدمّام يضحك في أعماقه: "إنه مشرق جداً يا مصطفى.. هل سنطفئ هذا المصباح؟"
ابتسم مصطفى ابتسامة هادئة، طيبة، لكنها تحمل برودة القبور. مسح بيده على الشاشة المحطمة وكأنه يواسي إيثان، وقال بصوت منخفض، رخيم، ومختل تماماً:
"جميل هو النور يا إيثان.. لكنك لا تعرف أن النجوم لا تلمع إلا لأن هناك 'سواداً' عظيماً يحتضنها. لقد عدتُ يا صديقي أحمد.. عدتُ لأريكم أن الظل ليس ضعفاً.. بل هو الحقيقة التي تخافون منها."
تحرك مصطفى نحو القاهرة، تاركاً خلفه رائحة غريبة.. مزيج من المسك ودم الوحوش، ورعباً صامتاً بدأ يتسرب في قلوب كل من رآه. لقد عاد "المختل الحكيم".. والشهر الأخير قد بدأ.