الفصل السادس: مأدبة الظلال.. واحتراق المسرح
استاد القاهرة الدولي – يوم التصفيات الكبرى
كان الاستاد يغلي بصورة غير مسبوقة. لم يكن مجرد حدث رياضي، بل كان "كرنفال بقاء". ثلاثون ألف حنجرة تصرخ باسم إيثان، الذي كان يجلس في مقصورة النخبة كإلهٍ إغريقي نُحت من الضوء، وبجانبه الوفود العربية التي جاءت لتراقب "المعجزة المصرية" وما ستفرزه هذه الأرض من مقاتلين.
في المقصورة، كان أحمد يقف عند الحافة، قبضتاه مشدودة لدرجة أن عظام يده برزت بيضاء. رماله الذهبية كانت تتحرك في دوائر مضطربة حول قدميه، تعكس العاصفة التي تضرب قلبه.
"أين أنت؟" همس أحمد لنفسه، وعينه تمسح مئات المقاتلين الذين اصطفوا في الحلبة تحت أشعة الشمس الحارقة. "بقي دقائق.. اظهر يا مصطفى.. لا تخذل نبضي."
بجانبه، كان ذو الفقار (العراق) يتكئ على كرسيه ببرود الجبال، وعمر (ليبيا) يعبث بخيط من النار بين أصابعه، بينما كان زيد (الشام) ينظر للحلبة باحتقار.
"لا تتعب عينيك يا أحمد،" قال زيد ببرود. "من يغيب خمسة أشهر في القارة السوداء لا يعود في موعد المسابقات.. هو الآن جزء من التربة."
الإعلان المزلزل: معركة البقاء
صمتت الموسيقى فجأة، وانطلقت أبواق المانا لتعلن بدء المراسيم. وقف المذيع في منتصف الهواء عبر منصة طائرة، وصاح بصوتٍ هز الأركان:
"يا شعب مصر العظيم! بظهور المعجزة إيثان وحجزه للمقعد الأول، لم يتبقَ سوى مكانين اثنين فقط لتمثيل الوطن في بطولة القارة! القواعد اليوم تغيرت بقرار سيادي.. لا توجد جولات، لا يوجد حكام. المنافسة هي (باتل رويال)!"
ضج الاستاد بصيحات الدهشة.
"مائة مقاتل سيدخلون الحلبة الآن.. آخر اثنين سيصمدان فوق أرجلهما هما من سيرافقان إيثان. ابدأوا!"
ظهور "الغريب"
بينما انطلق المقاتلون يمزقون بعضهم البعض في فوضى من السيوف والطاقة، خرج من نفق اللاعبين المظلم شخصٌ يمشي بخطىً وئيدة، هادئة، لا تتناسب أبداً مع صخب المعركة.
كان يرتدي عباءة سوداء ممزقة الأطراف، يفوح منها بريقٌ أرجواني باهت. شعره الأسود الطويل ينسدل على وجهه، لكن عيناه.. عيناه كانت تحمل سكون القبور وحكمة من رأى الجانب الآخر من الوجود.
"مصطفى؟" صرخ أحمد بصوتٍ لم يسمعه أحد غيره، وشعر بدموعه تقترب من السقوط. "لقد فعلها.. المجنون عاد!"
جنون "الدمّام": لمحة من الجحيم
لم يتحرك مصطفى للهجوم. ظل واقفاً يبتسم بـ "رقة" مخيفة لمقاتلٍ من الرتبة C حاول طعنه من الخلف.
"لماذا العجلة يا أخي؟" همس مصطفى بصوتٍ رخيم وناعم، ثم بلمحة بصر لا تدركها العين، أمسك يد المقاتل.
هنا، اهتز الهواء. عينه اليمنى اشتعلت بلون أرجواني سائل، وخرج صوتٌ مزدوج من حنجرته؛ صوت مصطفى الهادئ، وصوت الدمّام الوحشي.
"الدم.. يحتاج لمجرى.."
بضربة كف واحدة، وبدون سحب سيفه، اخترقت أصابع مصطفى درع المقاتل الفولاذي وكأنها تمر في الماء. لم يقتله فوراً، بل نزع قطعة من "الترقوة" ببرودٍ جراحي وهو يضحك ضحكة خفيفة، هادئة، ثم ألقى بالرجل بعيداً كأنه خرقة بالية.
انطلق خمسة مقاتلين نحوه دفعة واحدة.
مصطفى لم يتخذ وضعية دفاع. بدأ يتمايل كأنه يرقص "تانجو" مع الموت. بضربات خاطفة ومختلة، كان يكسر المفاصل، يفقأ الأعين، ويمزق الأوتار، كل ذلك وهو يرتل كلمات غير مفهومة عن "جمال الفناء".
في لحظة واحدة، أمسك برأس مقاتل وحطمه في الأرض لدرجة أن الحلبة الخرسانية انشقت لعمق مترين. وقف مصطفى وسط الدماء المتناثرة على وجهه، ونظر نحو مقصورة النخبة.. نحو إيثان وأحمد.
ابتسم مصطفى ابتسامة "طيبة" للغاية، مسح الدم عن شفتيه، وقال بصوتٍ سمعه كل من في المقصورة بفضل "رنين الروح":
"أعتذر عن الفوضى.. لكن الدمّام كان جائعاً قليلاً."
ساد الصمت الاستاد. المقاتلون الباقون تراجعوا للخلف برعب.
إيثان نهض من مقعده لأول مرة، ورمحه "ناب الشمس" بدأ يتوهج بعنف استجابةً للظلام الذي ينبعث من مصطفى.
ذو الفقار قبض على مسند كرسيه حتى حطمه: "هذا الشخص.. رتبة F؟! مستحيل! طاقته ملوثة برائحة ملوك الوحوش!"
أما أحمد، فكان يرتجف. لم يكن خائفاً من قوة مصطفى، بل كان مرعوباً مما حدث لروح صديقه. "مصطفى.. ما الذي عاد معك من هناك؟"
وقف مصطفى وحيداً في مركز الحلبة، وحوله دائرة من الجثث والأشلاء، بينما كان الدمّام يضحك داخل رأسه ب جنون:
"أرأيت يا شريكي؟ لقد توقفوا عن الضحك.. والآن.. سيبدأ البكاء."