. روح الغراب

أتظنني أهتم لك…

أنا أقرب لأنفاسك حتى…

لِمَ التوتر…

إن لم تتحمّل جحيم الألم فلا تقلب الصفحات…

فروح الغراب روحٌ تجول حولك في كل مكان…

تنظر لك…..

«لم أكن حيًّا ولا ميتًا… كنتُ الشيء الذي يحدث عندما ينسى الوجود أن يُنهيك.»

في تلك القرية التي لا تزورها الشمس إلا مجاملة، عاشت فتاة تُدعى "ميرلين" بعمر 17 سنة، نحيفة الجسد، متناسقة الأطراف، جميلة بلمسة صينية وعيون بنية داكنة حادة وعربية، وشعر حريري مموج يصل لخصرها، تغطيه بوشاح أسود كظلمة الليل، وصوتها الرقيق كهمسة نسيم عابر.

كانت قليلة الكلام، لم تكن تُرى إلا في الأطراف… على حافة الطرقات، على حافة الكلام، وعلى حافة الحياة.

كانت تمشي كأنها اعتذرت عن الوجود، وكأن الأرض تتألم كلما لامست قدماها ترابها. وسط نيران حقدٍ مشتعل بقلبها، برودٌ يخيم على ملامحها، كان السرور لم يزرها يومًا.

الناس يقولون إنها فقدت عقلها في ليلة ممطرة…

لكن لا أحد سأل نفسه: ماذا لو كان العقل هو الشيء الوحيد الذي لم تفقده؟

كانت تهمس إلى الطين، وتكتب على الجدران أسماءً لم يولدوا بعد، وتُحدث ظلها كما لو أنه الوحيد الذي لم يخنها. كانت صديقة للطبيعة والحيوان، أما البشر فكانوا كابوسًا لها.

في الليلة التي ماتت فيها، لم تمت وحدها، لم يمت جسد بل أعمق.

كان في الهواء شيء يحتضر.

صمتُها، مثقلًا بالشِعر الذي لم يُكتب، انسكب بين النوافذ المغلقة، وجلس في حضن الليل كطفلٍ مكسور لا يُجيد البكاء.

يقولون إن من مات لا يعود…

لكن هناك من لا يغادر أصلًا.

هكذا كان ضجيج عقلها يغمرها، فرغم هدوء مظهرها الذي يشبه منتصف الليل، فقد كانت تحمل بداخلها جروح زمان، ويا ليتها كانت فعلًا ومضت، بل بقي حاضرًا يؤسرها بصمت تحت إهانات وآلام لا تُحصى، تحت تساؤلاتها:

أهذا مصيري المحتوم أم أن للقدر رؤية أخرى؟

بينما تخطو "ميرلين" بسوادها الذي يشبه حدادًا طويلًا على الأرض الباردة،

كل خطوة تحكي قصة حزنٍ دفين لا يقطعه سوى أنين قلبها.

عندما وقفت على أرض المعركة، لم تكن تنظر إلى وحوشٍ غمرت قلوب المحاربين المستجدين بالرعب فحسب، فقد كانت مستجدة هي الأخرى، بل كانت تبحث في تلك الأراضي الشاسعة عن شيء فُقد منها.

الرياح تداعب طرف ثوبها الأسود، وكأنها هي الوحيدة التي تملك الشجاعة لتواجه هذا الاتساع والوحوش بقلبٍ مكسور.

حانت لحظة الحسم ليعلو صوت القائد، لينطلق الفرسان لمجابهة تلك الوحوش. كانت مجموعة بأعداد وأنواع ضخمة من غيلان ووحوش، منظرها يدب الرعب في النفوس. تقدمت ميرلين لتلوّح بسيفها بكل أناقة وثبات، كأنه ليس قتالها الأول الحقيقي. لتسقط تارةً وحوشًا وغيلانًا، وتارةً أخرى تُصاب بضربات وإصابات.

كانت الأرض تعج بالجثث، والدماء تتطاير مع غبار الأرض من حركة المقاتلين. هرب البعض، ومات البعض، ومن تبقى سوى أعداد تُعد على الأصابع.

إلى أن يُسمع صوت يهز قلوب المحاربين، ليظهر وحش كبير، ظاهر عليه أنه أقوى من غيره. كان الورقة الرابحة لتلك الوحوش، لينطلق هائجًا نحو المقاتلين، يقتلهم ويأكل بعضهم ويمزق أطرافهم وهم أحياء.

إلى أن أتى دور "ميرلين"، لتجده واقفًا أمامها، ينطلق ليمزقها. في تلك اللحظة، كأن الزمن توقف عليها، لتطعن الوحش بصدره، فتتفاجأ به لم يمت، ليسدد عليها لكمة بمخالبه جعلتها ترتد للخلف بشدة، معاناةً من جروح بجانب بطنها الأيمن.

تنظر له بكل برود وألم وحقد، فتلوّح بيدها بغضب صامت، فإذا بالأرض أصبحت أكثر ضبابية، ليظهر السيف وكأنه يحترق لكنه لا يذوب، بل أصبح جزءًا من النار.

تبدأ "ميرلين" بالسير بخفة حول الوحش، وكل خطوة لها تترك خلفها أثر شعلة نار ملتهبة مع قطرات دمها الذي ينزف…

خطوة… خطوة… خطوة…

ليتحرك فجأة الوحش بكامل جسده الضخم عليها بسرعة ليمزق أطرافها، فجأة اختفت…

ليسود بعدها الصمت…

الدخان يغطي المنظر، ولهب النار يتأجج.

ليظهر بعدها صوت خطوات…

ماذا حصل؟

لتخرج "ميرلين" والدم يغطيها، وهي تحمل رأس الوحش الذي بالكاد يُرى شكله بسبب تعفنه من النار وهو يتفحم.

لتكشف لنا هبوب الرياح منظرًا تقشعر له الأبدان: وحش بدون رأس، وشق عمودي عميق من أعلى الرقبة لأسفل البطن، ومن عمق الشق كانت تتدلى أحشاء وبعض أعضاء الوحش.

ليعلو صياح عدم تصديق، ليليها بعدها سقوط "ميرلين" على الأرض مغمى عليها بسبب النزيف والتعب من استعمال طاقتها.

ليتم نقلها لقسم العلاج مع الجرحى الباقين.

فترى من المقاتلين من فقد أحد أطرافه، ومن يئن من الألم والرعب، ومن لا يزال بين حياة وموت. ورائحة الدماء والمطهر تغمر المكان.

لتأتي إليها فتاة تُدعى "نجلاء" بمثل سنها تقريبًا، لتضع لها العلاج وتتأكد من صحتها.

فتقول "ميرلين" بتعب وبرود:

«ماذا حصل بأمر الحرب؟»

لتخبرها نجلاء:

«لقد انتهى كل شيء، أبعدنا الوحوش عن مملكتنا اليوم… شكرًا لكِ».

تنظر بعدها "ميرلين" بتعجب وتقول:

«على ماذا تشكرين؟»

لتجيبها "نجلاء":

«لولا شجاعتكِ وتصديكِ للوحش لكان أخي المستجد لقي حتفه كما حصل مع البقية».

لتجيبها "ميرلين":

«أتظنينني أنقذت أخاك؟ سيقضي يا فتاة.

أنا أنقذت نفسي فقط، لأني لا أرضى أن أموت على يد وحش بشع ضعيف كهذا، فهو لا يستحق شرف قتلي…

أما أخوكِ، فنجاته أو موته لا تعنيني، فأمثاله من الجبناء عبء بالحرب فقط».

لتنهض بعدها "ميرلين" وهي ممسكة بجرحها، متجاهلة نظرات الفتاة المبتسمة رغم ردها القاسي، وصراخها لها بالراحة حتى لا تفتح جروحها وتنزف مجددًا.

أكملت سيرها لترتدي عباءتها السوداء وتعود للمنزل لوحدها، لتلاقي حربًا ليست كالحرب التي خاضتها ضد الوحوش، حربًا خسرتها قبل أن تستل سيفها… لعلها تفوز.

فما هي تلك الحرب التي قصدتها؟

وماذا ينتظرها في البيت؟

2026/02/09 · 4 مشاهدة · 811 كلمة
Sa rah
نادي الروايات - 2026