🔥لاتنسو التفاعل و التعليق 🪷
الفصل التاني
بعد خروج "ميرلين" من بيت العلاج،
سارت بخطوات متثاقلة، تشق عتمة الأيام وتمضي نحو المجهول… تركت كل شيءٍ متعب خلفها، تركت الخيبات والانكسارات، ومضت تنظر إلى الأفق البعيد كأنها تنتظر أملًا يكسر وحشة دربها ويضع حدًا لطول انتظارها.
كان الطريق صعبًا جدًا، وكان الحمل ثقيلًا جدًا، لتردد بداخلها… ربما القادم أفضل!
فما إن تفتح باب البيت ليقابلها صراخٌ اعتادت عليه، حتى ترفع عينيها، فإذا بها تتلقى ضربة على رأسها، لتجد أنه قد تم رميها بطبق طعام.
لتكمل طريقها نحو غرفتها بصمت، تحت صرخات لا تتوقف من والدها…
(والدها "مراد" يبلغ من العمر 58 سنة، طويل، بعيون رمادية حالكة، بقلبٍ لا يعرف الرحمة).
أجل، حربها التي تخوضها يوميًا دون أن يلاحظ أحد.
يُقال إن جروح الحرب يمكن علاجها، لكن ماذا عن جراحٍ لا تُرى؟
لتخلد إلى النوم، لتتناسى آلام حروبها وجوعها.
ليشرق النهار مع بزوغ الفجر، فتستيقظ "ميرلين" كأي يومٍ لها،
فتتجهز لحضور أكاديميتها والالتحاق بصفوفها، بينما الجوع ينهشها من الداخل.
تنطلق في طريقها بخطوات سريعة لا تُسمع، وكأنها تسابق الرياح كشبح.
وما إن تصل إلى الأكاديمية، حتى ترى عيونًا تحدّق بها من كل مكان…
فتلف وشاحها على وجهها، لعلها تخفي نفسها.
لم تهتم بسبب النظرات، فهي معتادة على نظرات الغضب والحقد والاحتقار.
وبعد دقائق، تصل إلى فصلها،
فتجلس في مكانها المعتاد وتدرس باجتهاد.
لم يكن أثرها ملحوظًا في المدرسة، كانت تتصف بالغرابة.
وما إن حل وقت الغداء، حتى تأكل بنهم، وتحاول تخزين ما أمكن للعشاء.
بعد انتهاء وقت الغداء، ذهبت إلى فصل المبارزة لإكمال التدريب،
لكن صفوها قُوطع حين حاصرتها الإدارة ليتم نقلها إلى المحكمة.
بقيت تراقب بصمت، لم تقل شيئًا، فقط طلبت أمرًا واحدًا: فحص الجثة ومكان الجريمة.
وبعد نظرٍ طويل، وافقوا تحت شرط مراقبتهم.
لم تتكلم "ميرلين" حتى طُلب منها الكلام رسميًا.
وعندما وقفت أمام المحكمة ومجلس المدرسة، لم تطلب محاميًا، بل ساعة الجدار.
طلبت أن تُعاد إلى مكانها، وأشارت أولًا إلى الجثة.
قال الطبيب إن الوفاة حدثت قرابة الظهيرة، لكنها طلبت منه أن يشرح لماذا كانت الأطراف أبرد من الجذع، ولماذا لم يظهر التيبّس العضلي بشكل متساوٍ.
هذه ملاحظة أن الجسد الذي يُنقل بعد فقدان الوعي يبرد بطريقة غير طبيعية.
وبذلك ثبت أن الأستاذ لم يمت وهو جالس خلف مكتبه.
ثم انتقلت إلى الأرضية.
تحت الكرسي، خدوش نصف دائرية متكررة، لا تنتج عن سقوط، بل عن تثبيت جسد أثقل من جسد فتاة.
سجّل الطبيب هذا رسميًا.
بعد ذلك، رفعت ورقة تصحيح كانت مغموسة بالحبر، وطلبت تركها في الهواء.
بعد ساعة، تغيّر لون الحبر.
شرحت بهدوء أن هذا لا يحدث إلا إذا خُلط بمركّب كيميائي يُستخدم في مختبر العلوم لحفظ العينات—مختبر لا يُسمح للطالبات بدخوله، ومفتاحه لا يحمله سوى نائب الناظر.
الدليل الرابع كان إجرائيًا.
قدمت سجل فتح الأقفال، وأشارت إلى أن مختبر العلوم فُتح في وقتٍ لم يكن فيه أي درس عملي، وأن ساعة الجدار في قاعة الجغرافيا أُعيد ضبطها يدويًا في التوقيت نفسه.
وهذا يعني أن شخصًا واحدًا فقط تحكم في الزمن والمكان معًا.
ثم جاء الدليل القاطع الذي أنهى الجدل: كوب الشاي.
لم يكن على حافته أي أثر لارتجاف أو مقاومة، ما ينفي التسميم المباشر أثناء شربها معه.
السم أُضيف إلى المحبرة، لا إلى الكوب، وهو سم بطيء لا يعمل إلا مع حرارة اليد والحركة—أي بعد مغادرتها القاعة.
أخيرًا، وضعت "ميرلين" دفاتر الحساب أمام المجلس، وفتحت صفحة لم تُمسّ.
سألت سؤالًا واحدًا:
«من وقّع هنا؟»
الاسم كان واحدًا.
المعلم اكتشف اختلاسًا طويل الأمد، وحرّر إشعارًا رسميًا في صباح اليوم نفسه.
القاتل لم يقتل بدافع غضب، بل خوفًا من الورق.
عندما انتهت، لم يُطلب منها الدفاع عن نفسها.
لم يكن هناك ما يُدافع عنه.
وجودها في القاعة صار تفصيلًا غير مؤثر زمنيًا، والجريمة أُعيد بناؤها دقيقة بدقيقة دون فجوة واحدة.
الصدمة لم تكن في سقوط نائب الناظر،
بل في أن فتاة صامتة، في عصر لا يثق بصمت النساء، أعادت ترتيب الحقيقة حتى لم يبقَ للكذب مكان يقف فيه.
لم تُصفّق القاعة حين أُعلن القرار.
لم يكن في الإدانة ما يدعو للارتياح.
خرج "السيد بلاكويل" من القاعة دون أن يلتفت، كأن سقوطه الإداري كان أهون عليه من انكشافه الأخلاقي.
أما "ميرلين"، فبقيت جالسة لحظة أطول مما ينبغي، تنظر إلى الخريطة التي لم تُنزَل بعد، حيث كانت الحدود مرسومة كما لو أن العالم لا يزال منضبطًا.
أدركت حينها أن العدالة لا تعيد الأشياء إلى أماكنها، بل تترك فراغًا أنظف فقط.
في الممر، مرّت الطالبات بجانبها بصمتٍ مختلف؛ ليس خوفًا ولا إعجابًا، بل حذرًا من عقلٍ رأى ما لم يروه.
لم تشعر بالانتصار، بل بثقل المعرفة:
أن الإنسان لا يحتاج إلى شرٍّ ظاهر ليقتل،
يكفيه دفتر حسابات ووقتٌ مناسب.
في تلك الليلة، وللمرة الأولى منذ الحادثة، فتحت إليانور نافذتها، لا ليدخل الهواء، بل لتتأكد أن الصمت الذي أنقذها لم يعد قفصًا.
كانت بريئة، نعم…
لكن البراءة التي عادت لم تكن كما خرجت—
كانت أهدأ، وأقسى، وأصدق.
فماذا ينتظرها في المستقبل؟
هل ستتحسن أوضاعها؟
أم أن المعاناة رفيقٌ يلازمها؟