🔥لاتنسو التفاعل و التعليق ليصلكم المزيد 🪷
الفصل الثالث
في قلبِ عتمةٍ تصرخُ بالنهايات، كنتُ أشقُّ طريقي معلنةً ميلاد البداية..
خطوةً تلو خطوة، زحفتُ نحو الأمام بثباتٍ لا ينكسر، أنثرُ زهورًا بيضاء على رمادِ ماضٍ محفور في الذاكرة.
والآن، وبعد مرارة الوداع الأليم، فلتشهد الأكاديمية ميلادي العظيم؛
فمن سكون الرماد، تُصهر الأرواح وتُخلق الأسياد.
هكذا كانت «ميرلين» تُرتل في أعماق قلبها مع إشراقة صباحٍ جديد،
وبينما كانت تلملم شتات روحها استعدادًا للمدرسة، هزَّ أركان الهدوء خبرٌ زعزع الطمأنينة الزائفة في الأروقة.
لم تُستدعَ «ميرلين» للتحقيق، بل هي التي ذهبت، مدفوعةً بحدسٍ يلسع وعيها.
لم يكن الدافع جسدًا بارداً فارق الحياة، بل تلك "الكلمة" الأخيرة التي سكنت أذن الطالب قبل أن يسلم الروح.
لم يدرك أحدٌ سرَّ تلك النبرة التي غادر بها الأستاذ، لكن «ميرلين» عرفت رنينها جيدًا؛
كانت النبرة ذاتها التي تُغلق بها الأبواب في وجه طفولتها ببيتها القديم.
وُجد الطالب في غرفة التخزين الخلفية، ذلك الركن المنسي الذي لا يُستخدم ولا يُقفل، كأنه استعارة لمكانة صاحب الجثة في هذا العالم.
قالوا: "انهار فجأة"، وزعم الطبيب أنها "أزمة قلبية"، وادعت الإدارة أنه "ضغط تدريبي".
لكن عين «ميرلين» التي اعتادت قراءة الشقوق في الجدران، لاحظت غياب دفتره الشخصي.
تسللت إلى غرفته، وهناك وجدت الدفتر، لكن الصفحات الأخيرة انتُزعت بعناية فائقة،
لم يكن تمزيق غضبٍ عارم، بل كان "إزالةً" متعمدة لآثار وجود.
تحسست الورق، فقرأت ما لم يُكتب عبر آثار القلم الضاغط:
«لو أنني فقط…»
لم تكن صرخة استغاثة، بل كانت مرافعة أخيرة، كان يكتب دفاعًا عن حقه في التنفس.
بدأت «ميرلين» نبش الحقيقة من زاويةٍ لم تخطر ببالهم:
الكلمة لا الفعل.
سألت أستاذ السلوك، فقال ببرودٍ يضاهي صقيع الشتاء:
«لم أوبّخه، فقط منحته الحقيقة.»
وعندما طلبت إعادة تمثيل الحوار، سألته بمرارة:
«ما الحقيقة؟»
أجابها بوجهٍ صخري:
«أن بعض الناس خُلقوا ليكونوا عبئًا.. وأن محاولتهم إثبات العكس هي محض أذى للجميع.»
تجمّد الزمن في تلك اللحظة.
لم يكن قولًا عابرًا، بل كان حكماً بالإعدام الوجودي.
في تلك الثانية، لم ترَ «ميرلين» الطالب الراحل، بل رأت طفلةً في العاشرة من عمرها،
تغلق باب غرفتها على نفسها بعد جملةٍ تشبه هذه تمامًا، جملة كانت تنهش روحها كل ليلة.
لم يكن الدليل مادّيًا، بل كان في "التلاشي".
الطالب لم يعد يشتكي، لم يعد يطلب طعامًا، اختفى من السجلات غير الرسمية كأنه غبار يزعج النظام.
وفي ملفات "التقييم النفسي"، وجدت ميرلين الجملة القاتلة بخط الأستاذ:
«يُفضَّل عدم الاعتماد عليه.»
علّقت ميرلين بحدة:
«هذه جملة تُكتب للمعدات، لا للبشر.»
حين اعترضوا قائلين: «لكن.. لم يُجبره أحد على الموت»، رفعت ميرلين رأسها ببطء،
وفي عينيها بريقٌ منكسر:
«ولا أنا أُجبرت.. ومع ذلك، كنتُ أموت كل ليلة.»
صرخت في وجه صمتهم:
«هذه ليست وفاة فرد، إنها "طريقة" مُمنهجة لإسقاط كل من لا يناسب الصورة المثالية التي ترسمونها.
إن لم أوقف هذا الآن، فستتكرر المأساة.»
وعندما رفضوا إيقاف الأستاذ، تحشرج صوتها بنبرةٍ مرعبة:
«إذن، ستُكتب الجريمة القادمة باسمي.. لأنكم عرفتم الحقيقة وسكتم.»
أُعيد فحص الجثة، وهذه المرة لم يبحثوا عن سموم كيميائية،
بل بحثوا عن آثار "كبح التنفس" الطويل.. ليس بالأيدي، بل بالكلمات التي تخنق الرئتين.
سُجّلت الوفاة رسميًا كـ "انهيار عصبي قاتل نتيجة ضغط نفسي مُمنهج".
لم يُسجن الأستاذ، لكنه طُرد. خرج وهو يضحك بمرارة قائلاً: «الكلمات لا تقتل.»
رمقته ميرلين بنظرةٍ اخترقت كبرياءه:
«لا.. لكنها تقنعك أنك تستحق الموت.»
في طريق عودتها، لم تجد ميرلين السكينة.
القضية أُغلقت في الأكاديمية، لكن المصدر الحقيقي للوجع كان ينتظرها خلف بابٍ تعرف صريره جيدًا.
أدركت أنها لا تحارب نظامًا تعليمياً فحسب، بل تتدرّب على المواجهة الكبرى التي تقترب.. حيث لا محاكم، ولا ملفات، ولا شهود.
فقط هي.. وأبوها.. وكلماتٌ لم تُكتب بعد.
توقفت للحظة، شعرت بوطأة التعب، لكنها علمت أن عليها المضيّ سبع خطواتٍ أخرى لترى حتفها كاملاً.. وتحتفل به.
كان شتاء روحها في برزخٍ عالٍ، يناجي الربيع وينبذه في آنٍ واحد.
أين الوجد؟ أفينا أم بيننا؟
زمنٌ أضحى سرمداً، وأفقٌ لا ينتهي، يجذب بصيرةً عمياء استفاقت لتوّها من سباتٍ طويل اختارته بكامل إرادتها.
أدركت ميرلين أخيرًا أن بعض الجرائم لا تُغلق أبدًا.. بل تنتقل فقط إلى بدايةِ نهايةٍ مختلفة.