🔥 لاتنسو التفاعل و التعليق ليصلكم المزيد 🪷

الفصل الرابع

لم تكن الحروب لتبدأ بالوحوش دائمًا،

بل أحيانًا برسالةٍ لم تُكتب، لكنها وصلت واستقرت في الصدور.

في تلك الليلة، عادت «ميرلين» إلى بيتها،

وهي تدرك يقينًا أن الباب سيُفتح قبل أن تلمسه أناملها.

وهذا ما حدث.

لم يكن والدها رجلاً يصرخ، أو يوزع الضربات بعشوائية،

بل كان يتقن فن "المثالية".

أمام الجيران، يبدو متأنقًا، هادئًا، كأنه ملاك نزل إلى الأرض ليوزع السلام.

لكن خلف ذلك الوجه المبتسم،

كان يخفي شرًا لا يدركه إلا من سكن معه تحت سقفٍ واحد.

دخلت ميرلين، واستقبلتها نظراته الثابتة.

قال بهدوءٍ حذر، تحسبًا لأي أذن قد تسمعه:

«سمعتُ أنكِ صرتِ تُقرّرين من يستحق العيش».

ثم جاءت الضربة.

لم تكن قسوة عشوائية،

بل ضربة محسوبة في موضعٍ لا يترك أثرًا،

عنفٌ مدروس صُمم ليُنكَر أمام الجميع.

سقطت ميرلين، لكنها لم تصرخ.

كانت تعلم أن صمتها يستفزه بقدر ما يرضيه.

بينما كان يساعدها على الوقوف تظاهرًا بالحرص، قال جملته المعتادة:

«أنا أفعل هذا لأجلكِ».

كانت تلك الكلمات أشد وطأةً من الضربة نفسها.

رفعت عينيها إليه ببرود قاتل،

وقالت بلهجةٍ لاذعة:

«وأنت.. أما زلت تختار من يستحق المعاناة؟»

لم ينبس بكلمة.

انسحبت إلى غرفتها، أغلقت الباب،

وظل عقلها في حالة استنفار تام؛

لا خوف، لا دموع،

فقط برود صلب كالجدار.

في صباح اليوم التالي، لم يكن استدعاؤها لمكتب القائد العسكري لا للتحقيق،

بل للمراقبة.

كانت الخريطة الحدودية مفروشة أمامهم،

تملؤها فراغات سوداء وعلامات حمراء.

قال القائد باقتضاب:

«الوحوش تغيّر سلوكها».

ردت ميرلين ببرود لئيم:

«الوحوش لا تتغير من تلقاء نفسها.. من يعلّمها هو الخطر الحقيقي».

خلفها، كان آدم يقف بظله الضخم وبنيته القوية،

رفيق طفولتها الذي لم تفلح سنوات برودها في إبعاده.

ابتسم بخفة محاولًا تخفيف حدة الموقف:

«على الأقل.. لن نشعر بالملل».

لم تلتفت إليه،

بل رمقته بنظرة جليدية:

«ابتعد عن الكلام.. أنت لا تعرف ما يكفي لتعيش هنا».

ظل آدم على حاله،

ذكيًا بما يكفي ليفهم أن خلف هذا البرود جراحًا لا تندمل،

ومرحًا بما يكفي ليحاول إدخال الضوء إلى عالمها المظلم

رغم صدها المهين.

أُرسلت ميرلين مع وحدة استطلاع صغيرة،

ليس لأنها الأقوى، بل لأنها الأكثر إثارة للأسئلة المزعجة.

اقترب منها آدم في الطريق وقال بصوت خافت:

«أعرف أنكِ لا تريدينني هنا».

أجابته بلؤم خالص:

«وجودك عبء».

ضحك كأن كلماتها لم تلمسه سوى القشور:

«لكن عبء حي.. أفضل بكثير من عبء ميت».

في الغابة، كان الصمت مريبًا.

لم يهاجمهم شيء،

لكنهم وجدوا جثث وحوش مقتولة بأسلوبٍ غير طبيعي؛

شقوق نظيفة وتوزيع مدروس،

كأن هناك من يدربها على فن الموت.

أدركت ميرلين أن اللعبة قد بدأت فعلاً،

لكنها لم تُظهر أي ارتباك،

وظلت في صمتها اللئيم،

كأنها تضع حدودًا شائكة بينها وبين الجميع.

وقع الهجوم عند الغروب،

كمين منسق يجمع بين وحوش تتقدم وقناصة يغطون الخلف.

صاح أحد الجنود بذعر:

«إنهم ليسوا متحالفين.. إنهم منسقون!»

لم تتدخل ميرلين فورًا،

راقبت المشهد بهدوء قاتل،

بينما كان آدم يغطي ظهرها دون أن تطلب.

عندما صرخ بها: «انحني!»،

لم تشكره، ولم تنظر إليه حتى.

فهمت ميرلين الإيقاع؛

كانت هناك صافرات منخفضة تقود تلك الوحوش.

صرخت ببرود حاد:

«اقطعوا الصوت، لا الدم!»

ضربت الأرض بقوتها،

لا لتقتل، بل لتخلق فوضى تكسر ذلك التنسيق.

انهار النظام، وهاجمت الوحوش كل من حولها،

و نجت الوحدة بصعوبة.

في طريق العودة، حاول آدم كعادته أن يكسر عزلتها:

«ما زلتِ حية.. تقدّم ممتاز».

ردت بصدٍّ لاذع:

«ابتعد.. لا أحتاج أحدًا».

ورغم كل هذا اللؤم، ظل آدم بجانبها،

يحميها ويحاول انتزاع ابتسامة منها،

لكنها كانت تقابل كل دفءٍ منه ببرود يزداد قسوة.

في المنزل، عاد المشهد المسرحي؛

والدها يربت على أكتاف الجيران، مثالًا للكمال الإنساني.

لا أحد يرى العنف النفسي أو القيود التي يضعها في طعامها، كل شيء مدفون خلف القناع.

وفي غرفتها، جلست ميرلين ترسم..

لم ترسم وجوهاً، بل شبكةً معقدة من الخطوط.

أدركت في تلك اللحظة أن نجاتها لن تكون بمجرد القوة،

بل بتحولها من مجرد "هدف" إلى "لاعب" بارع لا يمكن لأحد أن يتوقع خطواته القادمة.

2026/02/14 · 4 مشاهدة · 613 كلمة
Sa rah
نادي الروايات - 2026