6 - لحظة انكشاف اهيا ضعف ام قوة

الفصل السادس

لم تكن ميرلين تحب الصباحات الصاخبة.

الضجيج يكشف الناس، والناس يكشفون الأسرار.

لم تكن ميرلين تتأخر عبثًا.

نصف الدقيقة التي دخلت بعدها قاعة التدريب لم تكن خطأ، بل اختيارًا محسوبًا؛ تأخيرٌ كافٍ لتسجيل الوجود، وغير كافٍ لخلق انتباهٍ دائم.

جلست في موقعٍ لا يُحسب مركزًا ولا هامشًا، حيث يمكن رؤية الجميع دون أن تُرى. منذ الفصل الأول، تعلمت قاعدة واحدة:

من يُراقَب، يُستَخدم.

«أنتِ تفعلين ذلك مرةً أخرى.»

جاء صوت آدم من خلفها، لا يحمل لومًا، بل معرفة مزعجة.

لم تلتفت.

قالت وهي تشد رباط قفازها:

«الجلوس؟»

«الاختباء.»

تقدم خطوة.

«منذ الأكاديمية… منذ الوحوش… منذ الرسائل… أنتِ دائمًا خارج الصورة.»

رفعت عينيها ببطء.

نظرتها لم تكن دفاعية، بل تقييمًا باردًا.

«الصورة هي أول ما يُستهدف.»

قالت بهدوء.

«وأنا لا أُحب أن أكون إطارًا.»

قبل أن يرد، اقتحم المشهد صوتٌ جديد، حيوي على نحوٍ غير منسجم مع المكان.

«أنتِ ميرلين، أليس كذلك؟»

كانت ماريا.

كانت فتاة بشَعرٍ بني فوضوي وابتسامة لا تعرف الحذر.

وقفت بثقة غير مبررة أمام منطقة الصمت التي تصنعها ميرلين عادة.

ابتسامة صريحة، وفضول لا يحترم المسافات.

«ماريا.»

مدّت يدها.

«أحب التعرف على الأشخاص الذين يتصرفون وكأنهم يعرفون شيئًا لا نعرفه.»

لم تنظر ميرلين إلى اليد.

ولا إلى الابتسامة.

«غالبًا… لأنهم يفعلون.»

«خطأ شائع. الغموض ليس دعوة.»

قالت، ثم صرفت بصرها.

تجمدت اللحظة.

لكن ماريا لم تنسحب.

«حسنًا.»

قالت بخفة.

«سأعتبرها البداية.»

ابتسم آدم، وكأنه وجد ثغرة صغيرة في الجدار.

«لا تيأسي. هي هكذا مع الجميع.»

ميرلين رمقته ببرود.

«لا تفسر صمتي على أنه إذن.»

«ولا صمتي على أنه انسحاب.»

«لم أعيّنك متحدثًا رسميًا باسمي.»

ردت بهدوء.

ابتسم آدم، كأنه يتلقى الضربات منذ زمن طويل ولم تعد تؤلمه.

«وأنا لم أطلب الإذن.»

في قاعة التخطيط، كانت الخريطة الجديدة مختلفة.

لا وحوش مرسومة.

بل مسارات… وانقطاعات.

وقفت ميرلين في الخلف.

كما في كل مرة.

تركتهم يتحدثون أولًا.

ذلك يكشف من يحلل، ومن يكرر، ومن يخفي جهله خلف الصوت العالي.

«الهجمات الأخيرة غير منطقية.»

قال أحد الضباط.

«الوحوش تتراجع في ذروة التفوق.»

تحركت ميرلين خطوة واحدة فقط.

«لأنها لا تُقاتل.»

قالت.

«هي تختبر.»

سكون.

أشارت إلى ثلاث نقاط متباعدة:

«كل تراجع ترك فراغًا محسوبًا.

كل خسارة علّمتهم زمن استجابتنا.

وهذه—»

توقفت.

«هذه ليست معارك… بل تدريبات علينا.»

اقترب آدم، صوته منخفض:

«ومن المدرّس؟»

لم تجبه.

لكن عينيها لمعتا لجزء من الثانية.

في المهمة التالية، بدا الترتيب عشوائيًا.

لكنه لم يكن كذلك.

قسّمت الفريق بغير منطق ظاهر.

وضعت الأضعف حيث يُفترض أن يكون الخطر.

والأقوى حيث لا يحدث شيء… بعد.

ماريا همست أثناء التحرك:

«هذا يخالف كل ما تعلمناه.»

«بالضبط.»

أجابت ميرلين دون أن تلتفت.

«وذلك سبب نجاحه.»

«وإن فشل؟»

توقفت ميرلين.

نظرت إليها أخيرًا.

«عندها سنعرف من يراقب.»

جاء الهجوم متأخرًا.

ثم لم يأتِ.

توتر غير مريح.

صمت أثقل من الاشتباك.

رفعت ميرلين يدها.

إشارة واحدة.

انسحبت المجموعة الأمامية، كما لو ارتكبت خطأً.

تحرك العدو فورًا.

كما توقعت.

لم يكن الفخ دمويًا.

كان فخ إيقاع.

قُطعت ميرلين الإشارات بضربة طاقة منها.

تغيرت الزوايا.

انقلب التقدم إلى تشتت.

الوحوش فقدت التنسيق…

وهذا أخطر عليها من الهزيمة.

همس آدم:

«كنتِ تنتظرينهم أن يتحركوا أولًا.»

قالت...

«كنتُ أريد التأكد ممن يقودهم.»

«ومن لا يزال يتعلم.»

في العودة، كان الصمت مختلفًا.

ليس توترًا… بل إدراكًا.

ماريا اقتربت منها عند البوابة:

«لن أتظاهر أنني فهمتكِ… لكنني أعرف شيئًا واحدًا.»

لم ترد ميرلين.

«أنتِ لا تهربين.»

تابعت ماريا.

«أنتِ تختارين متى تُرى.»

توقفت ميرلين لحظة.

لا لترد… بل لتسجّل الملاحظة.

آدم قال بهدوء:

«وإلى متى؟»

نظرت إليه.

نظرة لا تحمل صراعًا… بل قرارًا.

«إلى أن يخطئوا.»

ثم مضت.

في غرفتها، أخرجت خريطة أخرى.

ليست التي يعرفها الجميع.

خريطة لخطوات لم تُنفّذ بعد.

لأسماء لم تظهر.

ولرسالة لم تُقرأ علنًا.

كتبت سطرًا واحدًا فقط:

إن كانوا يعتقدون أنني أختبئ…

فهم لم يروا اللاعب بعد.

وأغلقت الدرج.

في الخارج، كانت الخيوط تُشد من جديد.

لكن هذه المرة…

لم تكن وحدها من يراها.

يتبع......

2026/02/22 · 4 مشاهدة · 607 كلمة
Sa rah
نادي الروايات - 2026