الافتتاحية: متشبه بالنساء.

لا اذكر منذ متى فقدت القدرة على الابتسام, لكن على الارجح منذ زمن طويل.

كان يزور منزلنا بين الحين والاخر العديد من الاشخاص.

المنزل لم يكن ظاهرا للكل ولم يكن معروفا كثيرا. كان كوخ في غابة, واسع فيه العديد من الغرف, لكن مهترئ تتخلخله رائحة الخشب الرطب. في ايام المطر تنتشر القدور فيه لتجمع مياه المطر المتسلله وفي الربيع يملئه الزبائن. كان كوخ قديم جميع أسرته تصُر في جميع الاوقات, لكن تصر بصوت اعلا بعد منتصف الليل.

الزبائن يزدحمون في بعض الليالي, ووالدتي قبل ذلك الوقت بقليل اعتادت على اخذي الى غرفتي وتركي وحيدا هناك.

في يوم ما عندما كان عمري اربع عشرة سنة, كنت قد سرقت سيجارة من والدتي, وخرجت من الباب الخلفي.

جلست على عتبة الباب, انظر الى السيجارة بعينين متأملتين, في ظهرها الغابة تبدو ضبابية.

الغابة حول باحة المنزل الخلفية كانت مظلمة في الليل, لا يبرز منها ما يُرى, فقط ما يُسمع.

اصوات الضفادع والصراصير, واصوات الاسرة في المنزل, وآهات عماتي ووالدتي والزبائن, جميعها واضحة في سكون الليل.

"لست في غرفتك هذه المرة؟" قال صوت مألوف.

نظرت للجانب فوجدت (مارك) واقف بجانب العتبة, يتكئ على جدار المنزل وسيجارته تتجمر... لم اشعر يوم بحضور (مارك), لكنه كان دوما يظهر.

"اردت ان اجرب السجائر," قُلت بينما اراقب سيجارته. "والدتي مولعة بهم. في البداية كانت تكفيها عدة سجائر في اليوم, لكن منذ فترة وهي تدخن علبتين يوميا."

"همم," تمتم مارك. ثم اقترب بهدوء وبأصبعين امسك سجارتي وسحبها من يدي.

"لمَ؟" سئلت وجهي متشنج بعض الشيئ, مستغربا لكن لا اصرخ كي لا يسمعني من في الدار. من المفترض ان اكون نائما في مثل هذا الوقت.

"دخن هذه, انها افضل," قال مارك مقدما لي احدى سيجاراته.

اخذت السيجارة واشعلها لي مارك, وعدت للجلوس اراقب الغابة المظلمة.

"مارأيك بالحياة سيندي؟" سئل مارد.

"لم تسئلني هذا السؤال في كل مرة؟"

"كي اراقب وضعك."

"لم تراقبه؟" سئلت.

"مالذي تعنيه سيندي. انت فتى جميل ووالدتك هي العاهرة المفضلة لدي. انا اعُدك كولدي, من يعلم ربما انت ولدي حقا."

"انا لست ابن احد," اجبته, عيناي سارحة في ظلام الغابة. "انا ابن الظلام."

نعم, هذا الظلام الذي امامي... الغابة التي تبتلع بظلامها كل شيئ, كانت امنيتي ان أُبتلع منها. في ظلامها لن يعرف عني احد, وان لم اتكلم, لن يسمعني احد. لن اعتبر ابن لأحد, ولا زبون لأحد...

انا ابن الظلام.

"اذا, كيف هي الحياة؟" اعاد مارك سؤاله, وكلانا سحب نفس من سيجارته.

"بائسه, اريدها ان تنتهي."

"ماذا بشأن المدرسة؟"

"تغير كل شيئ منذ ان اجتاحت اشاعة انني ابن عاهرة," اخذت نفسا اخر من السيجارة. "الان لا احد يحترمني, التنمر يلاحقني. ان رفضت ضحكهم علي أٌضرب, وان عُدت مضروبا تتجاهلني والدتي فأشعر ببؤس اكبر."

"ليس لديك احد في هذا العالم سيندي." قهقه مارك.

اشعر بعينيه تميلان للنظر نحوي حتى دون ان التفت اليه.

بالفعل, ليس لي احد. انا وحيد هنا, ليس لي سواي والظلام. الظلام الذي ان مُت فيه يوما ما... فلن يجدني احد.

"سيندي," قال مارد, ثم اخذ نفسا واكمل. "الحياة بائسه, الاحلام لا تتحقق, ونحن في الزاوية ننظر لأحلامنا يأخذها اخرون. ست وثلاثون سنة وانا احلم, والباقي آلام مفاصل ومشاكل في القلب واحيانا قضيبي لا يعمل فأضطر لأخذ بعض المنشطات لأنسى تلك السنين الفاشلة مع والدتك."

"مالذي تحاول قوله؟" ثم اوضحت. "مالذي تريد مني فعله بالاستماع لهذا؟"

"اقتل نفسك," قال مارك, ثم اشار برأس سيجارته المتجمر ناحية ظلام الغابة. "هناك, لن يبحث عنك احد... اقتل نفسك."

ظللت صامتا.

ليس كأنني لم افكر بهذا من قبل, فكرت به عدة مرات.

شكلي لم يكن شكلا لرجل. أُجبرت على تربية شعري, بشرتي صافية ووجنتاي اخذت تحسسها من والدتي, تحمران لأتفه الاسباب, كالمس او البرد او الحر. وان مررت يوما بزحام سيارات اثناء سيري, فدخانهم يثير احمرار جسدي لعدة ايام اخرى.

الثياب الوحيدة التي احصل عليها هي ثياب زهرية, حتى الان انا كنت ارتدي بجامة زهرية فيها العديد من رموز الحب, كالقلوب والموز.

لم الموز؟ تسائلت عدة مرات في السابق.

كل شيئ في حياتي مر عكس ما اريد, بل احيانا مر بألتفاف واراني اشد مما لم ارد ان اراه. وعندما انظر للناس تبتسم, لا اعرف كيف يستطيعون ذلك؟ لا اعرف كيف ارفع اطراف فمي في ابتسامه...

لا استطيع تصنعها حتى.

الحياة وانا بائسين. وقلبي اعتاد على الاعتصار والخفقان, وعيناي ملتا الدموع, ونظري مل البشر. حتى مارك بجانبي لم استطع ان اراه, منذ فترة وانا لا ارى سوى عيون الناس. اشكالهم ظلال غريبة لا يتضح منها شيئ, وافرق بعضهم عن الاخر بالصوت والعيون فقط.

"ان سمعت بموتك سأصلي لك, انت فتى جيد, لكن العالم ليس كذلك."

......

انتهى الموضوع

......

تمر الفصول وانا اقضي بعض يومي على عتبة الباب, بالعادة بعد ان اعود من المدرسة.

فيني صوت يضئل كل يوم يخبرني ان اتخرج واجد مكانا اخر اكون فيه حياة افضل, ولا اظن ان ذلك الصوت سيستمر حتى اتخرج.

في سن السادسة عشر اصل الى الصف الاخير من الثانوية ويصبح نمطي المدرسي كالاتي.

اصل الى المدرسة وارى كرسي تملئه النفايات, وانظفه. واتجاهل النظرات والتنمر.

عيناي التي لا تريان وجه اي احد يقللان من تعبي. واذناي التي تمرر التنمر كمر الضوء من الزجاج تهين علي الوقت. ولن يقف مع ابن عاهرة مدرس او مدير, الجميع يحتقرني. وانا لم اعد اهتم.

ان ضُربتُ لا ارد, وأن اغمي علي ينتابني شعور جيد يتمنى ان لا استيقظ.

... ... ...

في ليلة تعيسة, عدت الى المنزل في المساء, دخلت من الباب الخلفي, رأيت زبون يدخن في المطبخ, وعمتي تمص قضيبه.

"هاي سيندي, جميل ككل يوم," يقول الزبون. "ما رأيك؟" يضيف ويشير بيده الى قضيبه. "الليلة, قبل ان ارحل؟"

"لا شكرا," رددت.

"متأكد؟" قال الرجل حاكا ابهامه على سبابته ملمحا للمال.

بقيت صامتا للحضة, ثم رددت, "لا شكرا."

لم اعرف كيف بدا هذا الزبون, كل ما كنت اراه هو ظل اسود يمص قضيبه ظل اخر. عينيه كانتا زرق, بدوتا جميلتين, لكن فيهما ريب كثير وكأن الرجل خائف من ماضيه.

...

في الليل اقضي وقتي في غرفتي, مرآتي المحطمة في زاوية الغرفة هي نتيجة غضب هستيري حصل لمرة في حياتي, عندما كانت نفسي تخاطبني.

ومنذها انا لا انظر الى اي مرآة, في كل مرآة تخاطبني نفسي فيها وتذكرني بخطابي مع مارك قبل عدة سنوات.

تخبرني ان اقتل نفسي.

اقضي الليل انظر من نافذتي الى الغابة, الظلام فيها خلاب يجرني كل ليلة معه, وعلى الظلام ارسم احلامي.

ارسم احيانا رجلا اطول مني, ببنية ضخمة كثيفه العضلات, شعره قصير, ملامحه رجولية. وقوي, قوي للغاية لا شيئ يستطيع منعه من فعل مايريد.

واتمنى ان اكون ذلك الرجل.

ثم رمشت مستعيدا وعيي.

"مالذي تتمناه؟" خاطبت الفراغ, وتذكرت عرض الرجل ذو العيون الزرق لي. "مالذي تتمناه وانت هكذا؟ قبل قليل, ترددت عندما رأيت الرجل يعرض عليك المال..."

المال, نقطة ضعف كبيرة. احتاجه اكثر من اي شيئ اخر في الوقت الحالي.

مالذي سأفعله ان هربت؟ لم يستطع غيري ان يهرب. ولكن, ان امتلكت المال قد استطيع ان اشتري شيئ ما... قد استطيع ان اشتري الحرية.

او اشتري سلاح يعطيني اياها.

او اكون حياة مختلفه في هربي.

في دولة ما غريبة, لن يعرفني فيها احد, ولن يعرف اي احد عن ماضيي.

الموت في هذا المكان كان سهلا, والجثث ترمى ولا احد يلاحظ. لن يسئل احد عن عاهرة او ذويها.

"كم انت غبي... كم انت غبي... كم انت غبي..."

قُلت بهمهمة, وكأني احاول ان اخاطب نفسي. والاسوء, ان هذا الامر قد حصل من قبل, ان استمررت بالهمهمة, سأرد على نفسي, سأناقشها واغضب عليها, واصفع نفسي عدة مرات, سأدخل في نقاش عقيم, بيني وبين نفسي ولا احد منا سيحله.

اردت ان ارد على نفسي هذه المرة, لكن ان رددت سيبدأ الامر من جديد, سأبدأ بالصراخ وافقد السيطرة على كل شيئ. ان اشتعلت تلك النيران الغريبة مرة اخرى فييّ, فلن استطيع ان اطفيها.

علي ان اخمدها قبل ان تشتعل...

نعم... علي ان اخمدها, بالحلم.

تمددت على سريري واغمضت عيني.

وجلست بين احلامي اتصفح ما اريد. في احدى احلامي كانت والدتي اجمل من الان, لم تمتلك هالات سوداء, ولم تكن تدخن سيجاراتها الغريبة. وكنت انا طفلا صغيرا.

كانت تضحك كلما رأتني, وكانت تأخذ بيدي ونسير. في طريق نَير نسير, دون توقف...

حتى نختفي خلال النور.

واستيقظ.

جسدي يملئه العرق, نفسي متصاعد بينما اقفز من الفراش, انظر الى النافذة بينما الهث. كلما استيقظت من احلامي واتذكر الواقع يبدو الواقع ككابوس اكبر, ولا استطيع ان اتوقف عن اللهث لعدة دقائق.

العطش يقتلني.

انظر الى باب غرفتي, على الارجح ان هناك شخص يضاجع في المطبخ الان, لكنني لم اشعر في حياتي بعطش كالذي كنت اشعر فيه بهذه اللحضات.

وكأن نداء كان يناديني الى المطبخ.

فتحت باب غرفتي بهدوء. ابواب المنزل كانت تصر لكن باب غرفتي, ربما لقلة استخدامه, كان اقل صريرا من الاخريات.

ثم نزلت السلالم درجة درجة.

صوت آهات غريبة يأتي من باب المطبخ الذي يصبح اوضح مع كل درجة انزلها.

ثم ارى عيون زرقاء جميلة في المطبخ, تقف امام رجل بعيون فضية.

"اعطني المزيد," تقول المرأة و يدها على كتف يدها الاخرى تحك بقوة. "مرت سبع ساعات دون اي سيجارة, لا استطيع, كل شيئ يحكني, صداعي مخيف وانا لا ارى جيدا. بدأت انسى من هي انا."

تلك كانت والدتي.

وامامي, خطفت يد الرجل بصفعة على خدها, صوت الصفعة هز المطبخ, وأوقع امي ارضا, لكن على الارجح, في وقت كهذا منشغل فيه الجميع, انا فقط من سمعها.

"اصمتي!"قال الرجل, "كم مرة اخبرتك, اصبحت ابهض."

"ل-ل-لكن, لا استطيع!" صوت والدتي يتكسر, يدها على خدها المحمر, وعيناها تذرفان الدموع. "انها باهضة جدا, السجارة باتت بسعر ثلاث علب, يستحيل علي ان اجمع اموال تكفي. ارجوك, سيجارة واحدة."

يسود الصمت لعدة لحضات, والدتي تعصر خدها وعينيها تذرفان بقوة.

"ارجوك, ارجوك." تقول وتبكي.

"ارجوك," تقول بصوت ابهت.

الرجل يقهقه, ويسحب سيجارة من جيبه, ويشعلها ثم يرمي القداحة على الارض.

ويمد السيجارة لوالدتي.

وانا اراقبهما بصمت.

قبل ان الاحظ كنت اراقبهم من باب المطبخ, كلاهما سكير لا يلاحظان حتى وجودي.

الرجل سحب السيجارة قبل ان تصل يد والدتي اليها وجر منها نفس عميق.

"اعملي اكثر, ايتها العاهرة."

والدتي ويدها الممدودة ناحية السيجارة- ربما بعد ان اكتشفت انها لن تستطيع الحصول عليها بعد الان- ترتجف بالكامل. عينيها تفقدان ماتبقى من بريقهم, وتقف بينما تحك اسنانها على بعضهم البعض وكأن الشتاء قد حل والبرد يلسعها.

والدتي, على الرغم من افتقارها للأنسانية, بدت في تلك اللحضة وكأنها نست مايسمى بالبشر.

لم تعد تتكلم لغتنا.

"قرر ككككك, قققاااا," تمتمت ويديها تحكان شعرها وتخلع الخصل عن الجذور.

نظرت والدتي حولها بسرعه, ثم توقفت عندما رأت طاولة الطعام... وخلال لحضات ودون تردد, تسحب والدتي سكين من على الطاولة, وتقفز على الرجل.

وقبل ان يستطيع الرجل التفادي تنغرس السكين في بطنه ثم تُسحب.

"عااا!" يصرخ الرجل, وتقع من يده السيجارة. "ايتها العاهرة!"

الصوت يصل الى جميع انحاء الكوخ ويبدأ صوت صرير كل ابواب الكوخ تعلو.

الكل يخرج.

ووالدتي تترك السكين تقع وتمسك السيجارة من على الارض بكلتا يديها, وكأن السيجارة كانت مدفئة في شتاء بارد, وكأنها مصباح مشع في ليل دامس, وكأنها ضوء في نهاية نفق خانق... وكأنها السعادة.

ابتسمت والدتي, ابتسامه عريضة, وكأنها -واخيرا- قد وجدت الملاذ.

وتسحب نفسها بعمق.

الرجل, يصرخ ويأخذ السكين عن الارض, ووالدتي لا تهتم لأندفاع الرجل, وكأنها حصلت اخيرا على السلام.

السلام الذي لم تحصل عليه يوما...

منذ اولى ذكرياتي, لم تكن والدتي تبتسم, والهالات اسفل عينيها كانت تزداد يوما بعد يوم, حتى لم اعد ارى وجهها.

والدتي لم تكن مختلفة عني... كلانا كنا بائسين, وانا ربما تفهمت ذلك.

تفهمت, وربما, لهذا اندفعت؟ لهذا انطلقت محاولا حمايتها؟

وبين لحضات اندفاعي المتباطئة, صدى صوت في رأسي.

لم قد دخلت المطبخ؟

لم حاولت ان ادفع الرجل الطويل السميك, وانا اعرف كل المعرفة انني هزيل لن استطيع.

لم...

لم حاولت ان احمي والدتي؟

ولم...

ولم هذا الجسد الفاشل لم يستطع ان يقاوم؟

قبل ان استطيع كبح الرجل لثوان, تنغرس السكين في رقبتي...واقع صارخا على الارض. هزيلا مرتجف, جسدي يتصارع على الارض وكأنه سمكة اخرجت من الماء.

وكل ما اراه هي دمائي تتناثر, وصراخ يعلو من باب المطبخ لعدة ظلال بشرية, ووالدتي تسحب نفس اخر من سيجارتها, وبؤبؤيها يدوران بنشوة... ولا تنظر الي.

وكأنها نست كل شيئ...

هذا جيد...

واخيرا...

انتهى كل شيئ.

الجميع يصرخ حولي وانا لا اصرخ.

والصراخ يخفت...

والنور ينطفئ...

واشد الظلام ظلام يلفني... وانا اشعر للمرة الاولى... بالسلام.

2026/02/21 · 6 مشاهدة · 1893 كلمة
نادي الروايات - 2026