في وقت ما اشعر بوعي غريب, وكأنني كنت نائم منذ مدة طويلة, ثم استيقظت الى نوم اخف. الظلام بات اقل ظلمه, والاحاسيس اندفعت الي بالتدريج.

اول شيئ شعرت به هو لزوجة على جسدي ودفئ.

ثم ضيق ودوار.

ماخطب هذا المكان الغريب؟

علي الخروج.

بدأت احرك جسدي, ثم سمعت صراخ غريبا. لم يكن بجانبي بالضبط, وكأنه صوت جاء من الغرفة المجاورة.

"ألت- آيييي," حاولت امرأة قول شيئ لم افهمه, ثم صرخت...

"ألتون! بسرعه! روري يريد الخروج!"

مهلا, ماهذه اللغة؟ لم افهم منها شيئ.

"ماذا! كنت هادئة قبل قليل," ثم دخل صوت اخر لرجل. ايضا بلغة لم افهمها لكن الفكرة وصلت نوعا ما.

يبدو انه زبون لأحدى العاهرات.

"لا اعرف التون! بسرعه نادي العمة شنيزي!"

"حسنا!" رد الرجل بتردد وخوف!

ثم سمعت صوت باب يصر ثم يصفع الحائط بقوة, ويزول صوت الرجل من المكان.

فقط صوت الامرأة تتأوه...

"روري لا تستعجل ارجوك, والدتك رقيقة وستتمزق," قالت المرأة, آهاتها متعبة وكأن كانت تجري لساعات...

الزبائن يصبحون مزعجين احيانا. اذكر انني في بعض الليالي لم استطع ان انام حتى الفجر. خاصة ان انكسر السريري في الغرفة التي كانت تعلو غرفتي. عمتي سالتي كانت, إن انكسر السرير, تضع الفراش على الارض وتكمل عملها.

يُفتح الباب بقوة ويصفع على الحائط, ويصرخ الرجل: "هل تأخرت!"

"مابك التون!" تصرخ المرأة بتأوه. "تحمل العمة شينزي وكأنها اميرة."

"اهذا وقت غيرتك!" يصرخ الرجل. "انظري لبطنك تنقبض كأنها ثياب منشورة على حبل."

"آننننن," ونت الامرأة.

ثم اقتربت خطوات مسرعه.

"شيرلي," قال صوت امرأة جديد بينما يقهقه. "مبارك شيرلي مبارك, دعينا نخرج الطفل معا."

"عمة شينزي, لا اظن انني قادرة, هذا رجل بكل تأكيد, رجل اسوء من التون."

ثم تضحك الامرأة وانا لا افهم اي شيئ.

اتسائل منذ متى بدأنا نستقبل الاجانب في دارنا؟ صيتنا يتسع بالفعل.

لا يهم, علي الخروج, بدأت اشعر بالقلق من هذا الجو الغريب.

"آآآه شينزي آآآآآآآه اقتليني واخرجيه!"

"يدي ستتمزق لا تعضيهة هكذا!" الرجل يصرخ

"ادفعي بقوة اكثر!" صرخت الاصوات.

ثم شعرت بقوة تسحبني للخلف, وخلال عدة لحضات شعرت ببرد يلمس رأس.

رعشت بالكامل.

"آآآآآآه" تصرخ العاهرة وصوتها يصبح اقرب.

مابكم! هل تتضاجعون بجانبي!

تبا للعاهرات.

العاهرة تنفخ, وانا اندفع, والامرأة الثانية تصرخ بحماس, والبرد يملئ جسدي شيئ فشيء. وكأن احد يسحب عني البطانية بالتدريج.

وفي غضون دقائق, يبدأ البرد بالهدوء.

والعاهرة تهدأ كذلك.

وانا اشعر بنعاس غريب و اعاود النوم.

... ... ...

ربما كانت المرة الاولى التي لاحظت فيها ما اريد عندما كنت في الثامنة.

"مارلي, ابنتك لطيفة," قال احد زبائن والدتي.

كان يجلس على طاولة الطعام في المطبخ بينما يدخن. كان رجلا ضخم البنية بني الشعر. كان طويلا شامخا, وحتى والدتي مارلي كانت تنظر اليه بنظرة مختلفة عن باقي الزبائن.

"انه فتى, اسمه سيندي," قالت والدتي.

"اذا لماذا يرتدي بجامة زهرية, وشعره طويل؟" سئل الرجل. "ولم اسمه سيندي؟"

"بالفعل..." قالت والدتي بينما تنظر للاسفل, عينيها متعبات نوعا ما. "لم يكن لي خيار اخر, تلك كانت شروط العمة الكبيرة لكي يبقى سيندي حيا."

"هممم," نظر الرجل ناحيتي, عينيه نصف مفتوحة ووجه جامد. "هو ليس خطأك مارلي, بل خطأ الطفل الصغير."

ثم ابتسم واضاف: "يافتى, انت هزيل البنية, ولا تملك اي نسب او نفوذ او مال. انت افقر الناس, انت الاسوء. ولكي تعيش عليك ان تمتلك شيئ."

"مارك!" صاحت والدتي. "مالذي تحاول قوله؟"

ثم يقهقه مارك...

"لا تقلقي مارلي, سيندي يملك شيئ لا يملكه اي احد اخر."

"حقا؟ ماهو؟"

"انه سر."

كذب...

لم املك اي شيئ, تلك كانت فقط كلمات معسولة ليمتع بها والدتي. مارك كان مهووسا بها.

مارك اراني الحقيقة في الثامنة من عمري... انا احتجت القوة...

احتجت ان امتلك شيئ لا يمتلكه اي احد اخر.

لكنني في النهاية لم امتلكه ومُت بطريقة غبية ومعيبة.

لم استطع حتى ان ادفع ذراع ذلك الرجل الذي حاول طعن والدتي, على الرغم من انه كان مطعونا وتعبا. كل ما استطعت فعله ان اكون حاجزا بشريا ليحميها...

انا ضعيف.

انا بائس.

... ... ...

اطفئ عالم الاحلام صوت امرأة... واستيقظت.

"روري... بللت ثيابك مجددا؟ يالك من شقي," قالت, صوتها ناعم وحنون ومألوف لي.

على الرغم من انني لم افهم اللغة التي تحدثتها الا انني فهمت انها لم تنوي علي شرا. ولسبب ما وجودها بالقرب مني اشعرني بالطمأنينة.

اهتزت عيني عدة مرات قبل ان افتحهما.

وعندما فتحتهما ضربني ضوء مشع.

مؤلم مؤلم!

اغمضت عيني.

"ايقظتك؟ حسنا كنت اخطط لذلك اصلا هي هي."

الضحكة في نهاية كلامها كانت ظريفة نوعا ما.

حاولت فتح عيني مرة اخرى, ضرب الضوء لكن اقل من قبل.

اغمضت عيني ثم فتحتهم عدة مرات اخرى حتى بدأت الالوان تأخذ مواضعها الصحيحة وبدأت ارى كل شيئ بوضوح.

امامي, تقف امرأة بثياب وشعر غريب. امرأة بدت وكأنها في العشرينات من عمرها, شعرها اخضر ملفوف على ضفيرة واحدة ممدودة امام كتفها.

بشرتها كانت بيضاء صحية لا شحوب فيها. عيونها كانتا خضراء فيهن لمعة شغف. ولسبب ما هذه المرأة كانت على يدها قطعة قماشية مبتلة.

"انهينا تغير ملابسك."

"ماذا تريدين؟" سئلت, لكن في المقابل ماسمعته كان: "آوه آآ أو."

!!

اهذا صوتي؟

يستحيل!

حاولت ان اتكلم مرة اخرى فظهرت اصوات مشابهة.

مالذي كان يحدث؟

فكرت بينما احاول حك رأسي... وهنا كانت المصيبة, كنت مقيدا!

مقيد بقطعة قماشية بالية. وامامي امرأة تبتسم ابتسامة غريبة ومنحرفة, بعينين مقززتين تلمعان بشغف...

هي! مالذي ستفعلينه مادة يداك هكذا!

امتدت الذراعان حولي وقبل ان الاحظ كنت محمولا في الهواء.

"الفتى الاجمل على الاطلاق, ريوبارد." قالت الامرأة.

تبا, كم اشعر بالذل. حتى وان كنت هزيل وزني كان اربعون كيلوغراما, كيف لأمرأة ان تحملني بهذه السهولة!

سحبت الامرأة احدى ذراعيها من اسفلي وبقيت تحملني بذراع واحدة, ثم وضعت تلك اليد على فتحة قميصها البني, وسحبت قميصها للاسفل ليقفز احد ثدييها خارجا!

عاهرة! يا الهي انها عاهرة!

"ابعدي ثديك الكبير عني!" حاولت ان اصرخ الا ان ماظهر كان اشبه بنوح طفل رضيع.

"روري," قالت المرأة ببتسامة متموجة. "حان وقت الطعام."

وبينما تسحبني المرأة ناحية ثديها, يبدأ بنتيابي شعور مرعب بالجوع.

تبا! العاهرات.

... ... ...

روتين ممل

... ... ...

انام, استيقظ, ارضع.

انام, استيقظ, ارضع.

انام, استيقظ, ارضع.

اه... بللت نفسي...

انام, استيقظ, ارضع.

انام, استيقظ, ارضع.

احح... بللت نفسي مرة اخرى.

... ... ...

ومرت الايام.

وربما رضعت من ثدي شيرلي ستون وجبة الى الان. وان احتسبت ان كل ثلاث وجبات مثلت يوما كاملا فقد مر عشرون يوم. وخلالها لاحضت انني قد ولُدتُ من جديد, في جسد جديد و في مكان غريب حقا.

تمر علي الامرأة ذات الشعر الاخضر, شيرلي, على الاقل ثمان مرات في اليوم, وبين هذه المرات اراها تسترق النظر من الباب نصف المفتوح وكأنها تتأكد انني نائم او لا.

مما التقطته ان اسمها شيرلي, وهي والدتي. وهي والدة حقيقية تحمل في قلبها حنان وحب كبير, شيئان لم ارهما بوضوح في حياتي السابقة, لهذا انا مستغرب الى الان.

"انظر من جاء؟" عرفت ان التون قد دخل من صرير باب الغرفة, فكما قلت مسبقا انه نصف مفتوح ولم يحتج الى ان يفتح بالكامل, لكن التون اعتاد على فتح وضربه بالحائط.

هذا الرجل يدخل بندفاع ويزورني مرتين او ثلاث مرات في اليوم.

والان بدا اسعد من باقي الايام بقليل.

"مالذي يفعله ريوبارد الظريف هنا؟" قال التون محاولا اضحاكي.

هذا الاحمق, اين من الممكن ان يذهب رضيع لا يستطيع حتى الزحف؟ بالتأكيد انا هنا.

انا لم اكره التون, على الارجح هو كان والدي. رجل طويل واسع الاكتاف, مفتول العضلات وناشف الدهون. بدا مثالا واضحا على الرجل الذي اريد ان اكونه. وانا سعيد انه والدي, على الارجح لأنني عندما اكبر سأكون اشبه به.

نعم سأكون رجلا مثيرا بجسد مخيف كهذا. كم طوله؟ مئة وتسعون سنتمترا ربما.

هي هي هي... رائع.

نعم, انا لم اكره التون, الا انني لم احب رؤيته كثيرا ايضا, لم اكن اضحك له عندما كان يداعب شفتاي, لأنني اردته ان يتركني ويحضر شيرلي الي.

"قل اغااا," يقول التون مخرجا لسانه من فمه ووفاركا سبابته خلال شفتاي.

لن اقول اغااا. مُت في حسرتك هههه...

نعم, لم يكن شعور سيئ ان لا اعطيه ما يريد.

يعبس التون مظهرا وجهه المعتاد, وجه بارد بعيون سوداء نصف مفتوحه. ولأقول الصراحة, التون كان مثير الشكل للغاية, شعره اسود يلمع بتموج, وانفه مستقيم كقلم, تعابيره حادة وواضحة. وشكله... شكل الرجل كان باهضا.

ان كنت سأبيعهم على اساس الشكل, فسأقدر شيرلي بالفضة, وسأقدر التون بالذهب.

وهذا ليس اقلالا من شأن شيرلي البتة, لكن التون فقط اعطى الهالة المكلفة بوضوح.

يمسكني التون بكلتا يديه وينظر الي بعينين نصف مفتوحة.

مهما حاولت, لن اعطيك الابتسامة التي تريدها, ارحل واحضر لي شيرلي.

فكرت مع ذاتي.

سمعت ضحكتي الخبيثة تزهو في مؤخرة رأسي لكنها هي الاخرى لم اظهرها.

بعد ان حملني التون بيد واحدة اسفل مؤخرتي وسندني الى صدره, اخذت نظرة افضل على المكان.

من شكل السقف المثلثي, فعلى الاغلب انني سكنت العلية, ومن اثاثها فهي بدت كمخزن المنزل. مليئة بالجلود المرمية هنا وهناك. وفيها خزانه ببابين احدهما مفتوح الى النصف, وفي زاويتين يوجد شبكتي عنكبوت. وعلى الرغم من انني اذكر ان شيرلي نظفت الجدران وازالت الشباك قبل فترة, الا انه على مايبدو ان العنكبوت كان مصرا ليجعل من عليتي منزله.

العلية كانت مكان قديم جدا, والخشب المهترئ جعل المكان يبدو وكأنه منزل قرية في العصور الوسطى.

"فضولك يعجبني," قال التون, خده يحك خدي.

"آه آوه."

"اتقول لي ان اريك القرية؟"

لا كنت اقول لك اصمت, لكن اقتراحك ليس سيئ, ارني اياها.

اشرت ناحية نافذة العلية, زجاجها المكسر ان لمسته سأجرح بالتأكيد, الا ان التون قبل ان يمدني ناحية فوهة النافذة, وضع ساعده فوق الزجاج, ربما, و فقط ربما, كي لا يجرحني الزجاج.

لن اكذب, المشهد كان غريبا. تحريك التون لذراعه بنية الحماية, كان امر لم اره من قبل.

نظرت نحو وجه التون فرأيته ينظر الي مبتسما. ابتسامته خفيفة لا تظهر حتى اسنانه, لكن عينيه يملئها التأمل.

ثم نظرت الى ساعده مرة اخرى.

اظن انني كنت قاسيا معه.

سأبتسم له.

"آآآه كنت اعرف! كنت اعرف انك ستبتسم لي في النهاية, لكن كررها عندما تكون شيرلي معي, لا اريد ان اخسر رهاننا."

اكانو يتراهنون علي؟ يال الانانية.

قررت ان انسى الموضوع وانظر الى النافذة, وحالما رأيت القرية اتسعت عيني, قشعر جسدي بالكامل, ولو كان لي شعر لوقف.

المظهر المهول امامي كان شيئ لم اره ابدا.

منازل القرية امتدت للكثير من السطور. وبين كل سطر وسطر عدة اشجار ممتدة شكل خط, والاشجار امتلكت الوان غريبة. بعضها امتلك جذوع بيضاء كرأس الفجل, وبعضها جذوع بنية اعتيادية, وبعضها جذوع خضراء. وكذلك الاوراق تنوعت.

وخلف القرية امتدت غابة طويلة لم استطع ان ارى نهايتها لكن رأيت عدة جبال في الافق.

هذا العالم...

لم يكن الارض.

وهذه القرية لم تكن قرية في عالمي السابق...

لا هواتف في المكان, ولا عربات...

الان فهمت...

هذا رائع...

جسد جديد.

عائلة جديدة.

والاروع, عالم جديد.

2026/02/21 · 1 مشاهدة · 1648 كلمة
نادي الروايات - 2026