اندفع الرجال الثلاثة هارعين في ظلام الأزقة، يجرون أذيال الهزيمة بعد تدخل المرأة الفضية المفاجئ. خلفهم، بقيت الساحة الصغيرة شبه المهجورة، يلفها صمتٌ لم يعُد يشع بالتوتر، بل بالترقب. كانت الفتاة ذات الشعر الذهبي، "فيلت"، تتنفس بصعوبة، وشارتها الأرجوانية البراقة لا تزال في قبضتها. وقفت المرأة الفضية، "إيميليا"، بهدوء لافت، عيناها الأرجوانيتان تحدقان في سوبارو، ثم في فيلت، وكأنها تحاول فك شفرة المشهد الغريب الذي وُجدت فيه للتو. أما سوبارو، فقد حافظ على بروده المطلق، لم تتحرك عضلة في وجهه، كانت عيناه الباردتان تحللان كل تفصيل، كل نظرة، كل إيماءة في هذا المشهد الجديد.

"لا تشكريني، ولا تتوقعي أي مساعدة إضافية مجانية،" فكر سوبارو بسخرية، بينما كانت عيناه تستقران على الشارة الأرجوانية في يد فيلت. كانت هذه القطعة اللامعة هي مركز اهتمامه، الأداة التي يمكن أن تفتح له أبوابًا جديدة في هذا العالم. "هؤلاء الأرانب لديهم مشاكلهم الخاصة. مهمتي هي فقط استغلال هذه المشاكل لخدمة مصالحي العليا." لم يكن يرى في إيميليا منقذة، بل مجرد قوة عشوائية ظهرت في الوقت المناسب، يمكن، بل يجب، أن تتحول إلى ورقة رابحة في يده.

اقتربت إيميليا من فيلت بخطوات هادئة، وبدأ بينهما حوار بلغة لم يفهمها سوبارو تمامًا بعد، لكنه التقط بعض الكلمات المتكررة: "شارة"، "أمان"، "سرقة". كانت فيلت تبدو متوترة، تنظر إلى الشارة ثم إلى إيميليا، بينما كانت عينا إيميليا تحملان مزيجًا من القلق والجدية. "يبدو أن الشارة مهمة حقًا لهذه الأرانب،" استنتج سوبارو، "وإذا كانت ذات قيمة بالنسبة لهما، فهذا يعني أنها ذات قيمة أكبر لي. السيطرة على مصدر قلقهم هو أقصر طريق للسيطرة عليهم."

التفتت إيميليا نحو سوبارو، نظرتها الأرجوانية تستكشفه، وكأنها تحاول قراءة ما يدور في هذا العقل البارد الذي لا تعرف عنه شيئًا. ثم بدأت تتكلم، كلماتها كانت سلسة، لكنها لا تزال غامضة بالنسبة له. أشار سوبارو إلى نفسه، ثم إلى إيميليا، ثم إلى فيلت، في إيماءة استفهامية بسيطة. كانت إيميليا ذكية بما يكفي لتلتقط المعنى: "من أنتم؟". أجابت بكلمات، ثم أشارت إلى صدرها، ثم إلى فيلت. "اسمها إيميليا، وهذه فيلت. هذه هي المعلومات الأساسية،" سجل سوبارو.

في تلك اللحظة بالذات، بينما كان يحلل تعابير وجه إيميليا التي بدت حنونة بشكل غريب، تسللت إليه ومضة مفاجئة من الماضي، كصدمة كهربائية اخترقت دفاعاته العقلية. لم تكن مجرد ذكرى، بل كابوسًا حيا يطغى على الواقع، يعيد إليه صورًا مؤلمة لا يستطيع نسيانها، محفورة في أعماق روحه، لا تستطيع حتى سنوات الجنون محوها. كان صدى لصراخ قديم، لألم لم يختفِ قط، يذكره بالحقيقة المرة لوجوده، وكيف تشكلت هذه الكراهية المطلقة للبشر.

كانت البداية، في تلك الأزمنة الغابرة، مختلفة تمامًا. يتذكر سوبارو، بصعوبة، صورًا باهتة لطفل صغير بملامح بريئة، يضحك بصفاء. كانت عيناه تملؤهما البراءة التي لم يعرفها أحد فيما بعد، وحركاته كانت مليئة بالوداعة التي سرعان ما تحولت إلى قسوة لا ترحم. كان والداه يظهران أمام العالم كنموذج للعائلة المثالية، وجهان يرتسم عليهما الحب والاهتمام، يحرصان على إظهار صورة متكاملة تُحسد على تناغمها وسعادتها الزائفة.

لكن تلك الأيام، كانت مجرد ستار واهٍ. بعد عام واحد فقط من ولادته، بدأ قناع الكمال يتصدع ببطء. تغيرت معاملتهما له تدريجيًا، من الاهتمام المفرط إلى الإهمال التام، كأنه لم يكن موجودًا قط في هذا العالم. كان طفلًا لا يفهم شيئًا، يضحك في وجههما ببرود كلما رآهما، محاولًا جذب اهتمام لم يأتِ أبدًا، وهو الأمر الذي لم يدركه في براءته المطلقة.

في أحد الأيام المشؤومة، عاد والداه إلى المنزل من العمل، منهكين، يجران أذيال الخيبة والضغوط التي كانت تنهك أرواحهما. رأى سوبارو الصغير وجهيهما، وأتى إليهما يضحك بابتسامته البريئة، ثم تشبث بساق أحدهما، يبحث عن لمسة حنان، عن كلمة دافئة. كانت عيناهما فارغتين من أي مشاعر، لكن غضبًا متوحشًا بدأ ينمو فيهما، كالنار تحت الرماد، ليتملكهما فجأة.

أبعداه بقوة عن ساقيهما، وكأنهما يدفعان شيئًا مقززًا، لم يفهم سوبارو ماذا يفعلان له. ضحك لهما مجددًا، بابتسامته البلهاء، بينما كانت تلك السخرية تشتعل في عينيهما. اقترب والداه منه ببطء، وفي لحظة تحولت الأم إلى وحش كاسر، مسكت به بقوة وانهالت عليه بالصفعات واللكمات المتتالية. لم يتأخر الأب عن الانضمام، تتحول أيديهما إلى أدوات تعذيب، يضربان بلا رحمة.

انفجر سوبارو في بكاء هستيري، صرخاته تملأ المنزل الصامت، لكنها كانت بالنسبة لهما مجرد موسيقى، أداة لتنفيس غضبهما المكبوت، أو كيس ملاكمة بشري يفرغان فيه إحباطاتهما. لم يكن لديهما نية قتله، فكانا أذكى من ذلك؛ كانا يدركان أن موت طفل سيثير الشبهات ويدمر صورتهما المثالية أمام الناس. لذا، كان التعذيب المستمر هو خيارهما، ليبقى حيًا لكن روحه تموت ببطء.

مع مرور السنوات، جرب والداه كل أنواع التعذيب عليه؛ من النفسي الذي يمزق الروح إلى الجسدي الذي يحطم الجسد، وكل ما كان يحبه سوبارو الصغير، استغلوه ضده. حتى قط الشارع الأسود الذي كان يرعاه في الخفاء، يطعمه ويلعب معه بعد عودته من المدرسة، اكتشفاه ذات يوم. وفي لحظة قاسية لا تُنسى، قتلاه أمامه في المنزل، بينما كان سوبارو يشاهده، تتجمد الدموع في عينيه.

مرت سنة، سنتان، ثلاث، أربع، خمس، ست، سبع، ثمان، تسع، عشر سنوات، إحدى عشرة، اثنتا عشرة، ثلاث عشرة، أربع عشرة، خمس عشرة سنة من التعذيب المستمر، كجحيم لا ينتهي. حتى أتى ذلك اليوم، الذي لا يزال محفورًا في ذاكرة سوبارو كوشم أبدي. عاد والد سوبارو من العمل، منهكًا، يجر خطاه الثقيلة إلى المنزل. قال بصوت خافت: "لقد عدت." ولم يسمع إجابة من زوجته كالمعتاد، لكنه لم يستغرب ذلك. وفجأة، رأى بابًا ينفتح ببطء، ليخرج سوبارو، لكن وجهه كان ملطخًا بسائل أحمر قاني، لم يكن دمه.

ومضت الصورة، عادت عينا سوبارو إلى المشهد الحالي. كان لا يزال يقف أمام إيميليا وفيلت، لكن العالم بدا أكثر برودة، وأكثر عبثية. "كل البشر هم نفس الشيء،" فكر سوبارو، "مجرد أرانب بوجوه مختلفة. هذه الفتاة تبدو بريئة، لكنها مجرد أداة أخرى." كانت الذكرى قد عززت قناعته، وأجمدت أي شرارة عاطفية قد تتسلل إليه. الآن، كان لديه هدف واضح: الحصول على الشارة، واستغلال إيميليا لصالحه.

2025/07/25 · 46 مشاهدة · 900 كلمة
نادي الروايات - 2026