وصل سوبارو إلى المبنى القديم المتهالك، الذي كان يعرف الآن أنه مسرح صراعه الأول وموته الأخير. لم يكن المبنى يثير فيه أي رعب، بل فضولًا باردًا، كعالم يدرس مختبرًا مليئًا بالمتغيرات. كانت رائحة العفن والدماء الجافة لا تزال تملأ الهواء، لكنه تجاهلها، فرائحة الدم لم تعد تثير فيه شيئًا سوى تذكير بقدرته الفريدة. "كل هذا مجرد اختبار جديد،" تمتم في عقله، وعيناه تمسحان المنطقة المحيطة، تبحثان عن تفاصيل ربما فاتته في اللوب السابق.

لم يدخل سوبارو المبنى مباشرة. بدلاً من ذلك، اختار موقعًا استراتيجيًا في زقاق مجاور، يمنحه رؤية واضحة للباب الرئيسي، مع توفر غطاء مناسب في الظلال. "المراقبة أولاً،" فكر ببرود. "دع الأرانب الكبيرة تتحرك، ثم أتدخل في اللحظة المناسبة. هذه المرة، لن أكون مجرد متغير عشوائي. سأكون القوة الخفية التي توجه مسار اللعبة." كانت لديه كل المعلومات عن هؤلاء "الأرانب" التي ستظهر.

لم ينتظر طويلاً حتى ظهرت إيميليا وفيلت في الأفق، تتجهان نحو المبنى بخطوات حذرة. كانت إيميليا تظهر عليها علامات القلق، بينما كانت فيلت تسرع خطواتها، الشارة اللامعة لا تزال في يدها. "كما هو متوقع،" تمتم سوبارو. "كل شيء يسير وفق السيناريو الأول، حتى الآن." كانت هذه المعرفة المسبقة تمنحه شعورًا غريبًا بالسيادة، كأنه إله صغير يراقب مخلوقاته.

دخلا المبنى. وبعد لحظات قليلة، تصاعدت أصوات خافتة من الداخل، ثم صوت صرخات قصيرة، تبعها صوت ارتطام قوي. "لقد بدأت،" فكر سوبارو، عيناه تضيئان بلهيب بارد. "حان وقت الظهور." لم يكن لديه أي خطة طارئة إذا فشل في الحصول على الشارة؛ فالموت لم يعد يمثل له تهديدًا، بل مجرد نقطة إعادة تعيين، فرصة للتعلم من الأخطاء.

اندفع سوبارو نحو الباب، لكن هذه المرة، كان أكثر حذرًا، وأكثر جرأة في الوقت نفسه. دخل إلى المبنى، ليرى المشهد يتكشف أمامه تمامًا كما حدث في المرة السابقة. "الفارسة السوداء" كانت تهاجم إيميليا وفيلت، بسكينها اللامع يرقص في يدها. كانت إيميليا تدافع عن نفسها بسحرها الجليدي، بينما كانت فيلت تحاول الهرب.

"أين يمكنني أن أحدث أكبر فرق؟" تساءل سوبارو في عقله، بينما كانت عيناه تتنقلان بسرعة بين الأهداف. لم يكن يريد مجرد إلهاء بسيط هذه المرة. "الفارسة السوداء" كانت أسرع وأكثر فتكًا مما سمحت له ذاكرته أن يتذكر. كانت تحتاج إلى شيء أكثر تأثيرًا. كان عليه أن يجرب شيئًا لم يفعله من قبل. شيء قد يكون خطيرًا، لكنه سيكشف عن المزيد من المعلومات.

بدلاً من رمي قطعة حطام، اندفع سوبارو نحو الجانب الأيمن من ساحة القتال، نحو عمود حجري ضخم، وضرب عليه بقبضته بقوة، محدثًا صوتًا مدويًا في الفراغ الصامت للمبنى. لم يكن الهدف إرباك "الفارسة السوداء"، بل إثارة انتباهها، جذبها نحوه مباشرة، ليرى كيف تتفاعل مع تهديد مباشر وغير متوقع.

استدارت "الفارسة السوداء" بسرعة مذهلة، عيناها الحمراوان تضيئان بلمعة شريرة، وابتسامة باردة ارتسمت على شفتيها. كانت سكينها تتجه نحوه بسرعة الضوء، تهدف إلى قلبه مباشرة. "أسرع... مما تذكرت،" تومض الفكرة الأخيرة في ذهن سوبارو. كان هذا اختبارًا، لقد دفع الحدود، وحصل على البيانات.

شعر بوخز بارد، ثم حرقة حارقة تخترق صدره. لم يكن هناك وقت للصدمة هذه المرة، فقط إحساس بالاكتمال. أدرك أن هذا كان جزءًا من التجربة. جسده انهار، وعيناه فقدتا بريقهما، بينما كانت "الفارسة السوداء" تسحب سكينها من صدره، لتتابع طريقها نحو إيميليا وفيلت، وكأن شيئًا لم يحدث. كانت آخر صورة رآها هي سكين "الفارسة السوداء" اللامع، بينما كانت الحياة تتسرب منه

2025/07/28 · 59 مشاهدة · 512 كلمة
نادي الروايات - 2026