في أعماق روحي المظلمة، تلك التي لا تطالها شمس الأمل أو نور البشر، لم يكن لي رفيق سوى بريق الجنون، الذي كان يلمع بحدة غريبة في عينيّ الباردتين، كجوهر متجمد لا يعرف الدفء، ولا يلين أمام أي عاطفة بشرية. لم يكن هذا جنونًا فوضويًا يفقدني السيطرة، بل كان نظامًا فكريًا معقدًا، شيدته ببراعة عقل عبقري يتجاوز حدود الفهم البشري العادي. كل فكرة، كل تحليل، كانت تنبع من هذا الوعي المشوه الذي يرى العالم بأسره عبر مرآة مشروخة، لا تعكس سوى السخرية المطلقة والازدراء العميق لكل ما هو بشري. كانت الأبواب الفولاذية الثقيلة لمصحة المجانين قد لفظت جسدي النحيل للتو إلى الهواء الطلق، تلك الجدران الباردة والبيضاء التي احتضنتني لسنوات طوال، شاهدة على محاولاتهم البائسة لترويضي. لكنهم فشلوا فشلاً ذريعًا، عجزوا تمامًا عن احتواء أو ترويض عقلي المتفوق، الذي كان يدور في فلكه الخاص من المنطق المنحرف، بعيدًا عن أي معيار عقلي طبيعي. لقد صُنف رسميًا على أنني "أجن شخص في العالم"، لكن هذا التصنيف لم يأتِ إلا بعد اعتراف ضمني بذكائي الخارق، بمدى تعقيد بنيتي الفكرية؛ تناقض وجودي لم يفهمه أو يهتم به أحد سواي، ولا أرى حاجة لإيضاحه "للأرانب" التي تحيط بي.
لم يعرف قلبي معنى الثقة أبدًا، ولا تسللت هذه المشاعر الضعيفة إلى روحي الجامدة التي نبضت بالبرود طيلة حياتي. لم أثق بلمسة أم حانية، تلك اليد التي تدعي الحب والرعاية، ولا بوعد إله في السماء، الذي لا يعدو كونه خرافة يخلقها الضعفاء لأنفسهم، ولا حتى بكلمة صديق قد يدعي الوفاء، فكلهم أقنعة خلفها مصالح دنيئة. بالنسبة إليّ، كان البشر مجرد كائنات تافهة، لا تزيد قيمتها عن قيمة الأرانب التي تتكاثر في الحقول بلا هدف أو غاية، لا تدرك وجودها الحقيقي، ولا تعي مصيرها المحتوم. حياتي بأكملها كانت سلسلة متواصلة من الاستغلال النقي والبارد، كل علاقة أقيمها، كل تفاعل بسيط، كل كلمة أتبادلها، كانت مجرد وسيلة دنيئة لتحقيق غاياتي الخاصة. لم أشعر قط بذرة ندم واحدة على أفعالي، ولم تتسلل إليّ أي من المشاعر البشرية الضعيفة التي قد تعكر صفو خططي المحكمة، بل كنت أرى هذه المشاعر كعائق يحد من قدرة البشر على تحقيق أقصى إمكانياتهم الاستغلالية. الجشع كان وقودي الأبدي الذي يحركني بلا كلل، والسيطرة المطلقة على كل شيء وكل من حولي كانت هدفي الأسمى، نقطة النهاية التي سعيت إليها بكل ما أوتيت من قوة عقلية، متجاهلاً أي قيم أخلاقية قد يضعها المجتمع.
كانت كراهيتي للعالم عميقة الجذور، لا يحدها منطق تقليدي أو عاطفة، ولا يبررها سبب يمكن أن يفهمه البشر العاديون. كرهت عدالة زائفة لم ألمسها قط في حياتي، عدالة يتشدق بها الحمقى ويتبعونها كقطيع أعمى لا يرى إلا ما يملى عليه من مبادئ واهية. كرهت وجوه البشر التي تتنفس الهواء نفسه الذي أتنفسه، كأن وجودهم ذاته إهانة لكبريائي المتضخم، واعتداء على نقاء العدم الذي كنت أفضله. في ذلك اليوم المشؤوم، اليوم الذي أُطلق فيه سراحي من "القفص الزجاجي"، كما كنت أسمي المصحة التي سُجنت فيها روحي، لم يمضِ وقت طويل قبل أن تمتد يداي –اللتان طالما استخدمتهما للعزف على أوتار عقول الآخرين والتلاعب بمصائرهم كأنهم دمى– لتتلطخا بالدماء الطازجة. حاولت إنهاء حياة أحدهم بدم بارد، بابتسامة سخرية لاذعة ارتسمت على شفتي، كأني أنهي لعبة أطفال مملة لم أعد أجد فيها أي متعة أو تحدي.
لكن قوانين العالم القديم، وإن كانت حمقاء وعقيمة بنظري، تدخلت بشكل غير متوقع. أتت الشرطة في الوقت المناسب، أو غير المناسب بالنسبة لخططي. ومع هيجاني الخطير الذي لم يعرف حدًا، ورفضي القاطع للانصياع لأي سلطة أو أمر، لم يتردد رجال القانون في اتخاذ قرارهم الأخير. أُطلقت الرصاصات في صمت الليل الذي خيّم على المدينة، اخترقت جسدي النحيل بلا رحمة، كما تخترق الرماح ورقة يابسة سقطت من شجرة. سقط سوبارو على الأرض القذرة، محاطًا بوجوه البشر التي يكرهها، يراقبهم بعينيه اللامعتين وهما يتسعان ببطء، انعكست فيهما أضواء المدينة الخافتة. ابتسم للمرة الأخيرة، ابتسامة باردة وهادئة، بينما كان يرى ظلام الموت يبتلعه تدريجيًا، يطمس الوعي ويغيب الحواس. كان الأمر أقرب إلى راحة أبدية من عبث الحياة وضوضاء البشر المستمرة، أو هكذا اعتقد في تلك اللحظة الأخيرة، متوقعًا العدم، السلام الأبدي.
لكن الموت لم يكن سوى ستار، شاشة سوداء عملاقة رُفعت لتكشف عن مسرح جديد، أكثر غرابة وتشويهًا مما تخيلت أحلامي الأكثر جنونًا. فتح سوبارو عينيه ببطء شديد، ليشعر بغرابة محيطة لم يعهدها قط في تاريخ وجوده، كان جسده يتأقلم مع بيئة لم يختبرها من قبل. لم يكن هناك هدير محركات السيارات الصاخبة الذي كان يملأ شوارع عالمه القديم، ولا أبراج إسمنتية خانقة تخنق الأفق وتعكس ضوء الشمس القاسي بطريقة بائسة. بدلاً من ذلك، ملأ رئتيه هواء مختلف تمامًا، يحمل رائحة غريبة من العشب البري والأخشاب الرطبة، ممزوجة بعبق لا يعرفه من الزهور العطرية الفواحة. ضوء الشمس، الذي كان يبدو أكبر وأكثر إشراقًا من أي شمس رآها من قبل، اخترق عينيه بقسوة لكن دون أن يزعجه، بل زاد من فضوله البارد. كان عالماً آخر، جديد كلياً، ومثير للاهتمام بطريقة ملتوية لم تخطر بباله في أحلامه الأكثر جنونًا. لم يشعر بالدهشة أو الخوف أو حتى الاندهاش، بل بفضول ساخر لمصير هذا المكان الجديد. "أرانب جديدة، ولعبة جديدة، هذا كل ما في الأمر. يبدو أن القدر لم يمنحني الراحة التي كنت أبحث عنها في العدم المطلق." كانت هذه هي أولى أفكاره، ببرود لم يعرف البشر له مثيلاً، بينما كان يستعيد كامل وعيه، ويحلل كل تفصيل في محيطه.