عادت الحياة إلى سوبارو بلمسة قاسية من الواقع. لم يكن هناك صمت، ولا هدوء. فقط جلبة السوق الصاخبة، وأصوات الناس المتداخلة، وروائح الطعام المتطايرة. هذا الإحساس بالعودة، بعد الموت المتعمد، لم يعد غريبًا عليه. لقد بات جزءًا من روتينه. كان هناك فقط شعورٌ عميقٌ بالإنهاك، وإدراكٌ بارد لحقيقة أنه قد مات مرة أخرى.
تذكر آخر ما رآه: عيون إيميليا الذهولتين، قبل أن يختفي كل شيء في ظلام الوعي. كان هذا الموت مختلفًا. لم يكن نتيجة خطأ في حساباته، بل كان خطوة مقصودة. لقد أثبتت التجارب السابقة أن محاولة التواصل أو التفاعل مع البشر يخلق عوامل غير متوقعة. هذه المرة، لن يراهن على أي شيء غير مؤكد. سيتصرف بمفرده، بشكل مباشر.
تغيرت خطة سوبارو هذه المرة بشكل جذري. لن ينتظر وقوع الأحداث، ولن يحاول إقناع أحد. الشارة هي الهدف الأسمى. ومن يملكها الآن هي فيلت. لذا، يجب أن يكون أول تصرف له هو الاستيلاء عليها. لقد كان يرى هذا الفعل كخطوة منطقية، لا تحمل أي معنى أخلاقي؛ الشارة مجرد مفتاح، وعليه أن يمتلكه. هذه المرة، سيفعل ذلك بأسلوب يعرفه جيدًا، أسلوب لم يمارسه منذ زمن طويل، لكنه لم ينسه قط.
بدأ سوبارو مسيره في شوارع السوق، يمر بين الناس الذين كانوا يمارسون حياتهم اليومية. كان يبحث عن شخصية معينة. كان يتذكر أنها كانت ترتدي ملابس خفيفة، وتتحرك بسرعة فائقة، وعيناها كانتا تلمعان بلمعة طائشة. كانت لديه خطة بسيطة: استغلال لحظة ضعفها، وانتزاع الشارة.
بعد بحث قصير ومكثف، وجد سوبارو فيلت. كانت تتجول في أحد الممرات الضيقة، تتفحص البضائع المعروضة، بينما كانت تقضم قطعة من الخبز. بدت عليها علامات الحذر والقلق، لكنها كانت مشتتة. كانت تحتفظ بـالشارة في يدها، تخفيها عن الأنظار.
هذه هي اللحظة المناسبة، أدرك سوبارو. تقدم نحوها ببطء، لم يكن يريد أن يفاجئها ويدفعها للهروب. كانت نظراته باردة، لكنها لم تكن تحمل عداءً. كانت مجرد نظرة شخص لديه هدف. وبينما كانت فيلت تنشغل للحظة بقطعة من القماش، انزلق سوبارو بين الحشود، وتحرك بسلاسة لم تلحظها أي عين. كانت يده خفيفة، دقيقة، وساحرة في حركتها.
انتزع الشارة من يدها بخفة لا تضاهى، كانت حركته سريعة ومباغتة، لكنها كانت أيضًا ناعمة. لم تشعر فيلت بأي شيء. لم تلاحظ حتى أن شيئًا قد لمس يدها. استمرت في قضم خبزها، غير مدركة أن الشيء الأثمن لديها قد ذهب. ابتعد سوبارو خطوتين، ثم انزلق في زقاق جانبي، مستغلاً خبرته السابقة في العيش بالشوارع. لقد كان يعرف كيف يختفي في الأماكن المزدحمة، كيف يندمج مع الظلال، وكيف يتجنب الأعين المتربصة.
فقط بعد مرور لحظات، عندما أرادت فيلت أن تتفقد الشارة، شعرت بفراغ في يدها. توقفت عن الحركة، ورفعت يدها، لتجدها فارغة. نظرت حولها في ذهول، تبحث عن أي شخص قد يكون قد سرقها، لكن سوبارو كان قد اختفى بالفعل. كانت الشارة في جيب سوبارو