كانت عينا سوبارو تمران على المشهد الجديد أمامه دون أن ترمش لهما جفن واحد، وكأنه يشاهد عرضًا مسرحيًا هزيليًا أُعد خصيصًا لتسلية عقله المريض والمنحرف. كل تفصيلة، من الألوان الباهتة للأقمشة إلى الأصوات الحادة للباعة، كانت تُسجل في ذهنه بوضوح مذهل. لم يكن هناك أي أثر للمنطق المألوف الذي حكم عالمه القديم؛ فالمخلوقات التي تجوب الشوارع كانت غريبة الأطوار بشكل يثير السخرية في عقله المدرب: آذان مدببة تبرز من رؤوس بعضهم، وأجساد صغيرة تشبه الأقزام تمشي بخطوات سريعة وغير متوقعة، وبشر يرتدون ملابس عتيقة مصنوعة من أقمشة خشنة لم يرها قط في حياته السابقة. كلهم كانوا يتحركون في فوضى منظمة داخل سوق يعج بالضجيج والأصوات غير المألوفة، كرائحة البهارات والتوابل الغريبة التي تختلط بروائح البشر والحيوانات، لتخلق مزيجًا فريدًا من الروائح التي سجلها دماغه بدقة. لم يفهم الكلمات التي يتبادلونها، تلك اللغات الغريبة التي لم تخترق أذنيه قط بمعناها، لكنه فهم الإيقاع العام للحياة هنا، إيقاع الجشع والخوف والأمل الزائف الذي يحركهم، كأنهم دمى تحركها خيوط لا يراها أحد سواها، أو أرانب تجري في متاهة لا نهاية لها.
"أرانب أخرى، بأشكال مختلفة فحسب، لا شيء جوهري تغير في طبيعة وجودهم البائسة"، تمتم في سريرته، بينما كان يرى في عيونه المنعكسة على واجهة أحد المحلات الخشبية ابتسامة خفيفة لم تصل إلى عينيه الباردتين اللتين ظلتا تتفحصان المشهد بدقة متناهية. كانت هذه مجرد مرحلة جديدة في رحلته اللامتناهية لاستغلال البشر، رحلة لن تتوقف ما دام هناك من يمكن التلاعب به أو استغلاله. لم يكن لديه وقت للتساؤلات الساذجة التي قد تشغل عقل إنسان عادي، مثل "لماذا أنا هنا؟" أو "من جلبني إلى هذا المكان الغريب؟". بالنسبة له، كانت هذه ترفًا لا يملكه عقله البراغماتي الذي يركز فقط على النتائج. الأهم كان "كيف" سيستغل هذا المكان الجديد لصالحه المطلق، و"من" سيبدأ به أولاً في سلسلة ضحاياه الجدد. كانت هذه هي الأسئلة الوحيدة التي تهم، والأساس الذي سيبني عليه وجوده الجديد.
بخطوات محسوبة بدقة، واثقة، لا تحمل أي تردد، بدأ سوبارو يقطع طريقه عبر الحشود الكثيفة والمتنوعة التي تملأ السوق. لم يكن يبحث عن طعام يسد به جوعه المفاجئ الذي لم يشعر به بعد، أو عن مأوى يحميه من أي خطر محتمل قد يلوح في الأفق المجهول. كانت عيناه، كعدستين مكبرتين شديدتي الدقة، تمسحان الوجوه التي تمر أمامه، كل تجعيدة في الجباه، كل انقباضة في عضلات الوجه، كل بريق في العيون، كان قيد التحليل الفوري. كان يبحث عن الخوف الخفي الذي يتربص في النظرات العابرة، عن الطمع الظاهر في حركات الأيدي التي تتهافت على البضائع، عن الضعف البشري الكامن الذي يمكن أن يتحول إلى مفتاح يفتح له أبواب السيطرة المطلقة على هذا العالم الجديد. كل شخص قابله، كل تفصيل لاحظه، كان يمثل معلومة محتملة، قطعة جديدة في أحجيته المعقدة التي كان يبنيها في عقله بلا كلل أو ملل، كصانع ساعات يجمع أجزاء آلية معقدة.
لمحه بلمح البصر الأسلحة البدائية التي يرتديها بعض الرجال الأقوياء، سيوف عريضة ذات مقابض خشنة وأقواس خشبية بدائية معلقّة على ظهورهم، دليلاً قاطعًا على أن القوة الخام، العضلات والعنف، لا تزال هي العملة السائدة في هذا العالم البدائي، تمامًا كما كان في عالمه القديم قبل أن تستبدل العضلات بالمال والسلطة الخفية. لاحظ الأمهات اللاتي يشددن على أيدي أطفالهن بوجوه قلقة، دليلاً على ضعف العاطفة الذي يمكن استغلاله بلا رحمة، فالأطفال هم نقطة ضعف أي أرنب. وبينما كان يواصل سيره ببطء متعمد، متجنبًا الاصطدام بالآخرين، سقطت تفاحة من عربة أحد الباعة المزدحمة، وتدحرجت لبضعة أمتار لتتوقف عند قدميه. كانت هذه اللحظة العابرة، البسيطة في نظر الآخرين، بمثابة تجربة صغيرة ومحكمة لسوبارو، فرصة لاختبار فرضياته. التقطها ببطء، ناظرًا إلى البائع بنظرة فارغة تمامًا من أي مشاعر، لا تعكس سوى تقييم هادئ لرد الفعل الذي سيصدر عنه: هل سيتوتر، هل سيتساءل، هل سيظهر خوفه من شخص غريب يلتقط ممتلكاته؟ ثم ألقاها إليه بلا اكتراث، لا لشكر أو مجاملة، بل كاختبار بسيط لمبدأ أساسي في تعامله مع البشر: كيف سيتفاعل هذا "الأرنب" مع فعل خارج عن المألوف، فعل يبدو غير مبرر؟
أدرك على الفور، وبسرعة مذهلة، أن اللطف غير المتوقع، وإن كان زائفًا ومنعدم القيمة بالنسبة له، يمكن أن يكون سلاحًا قويًا في ترسانته النفسية الملتوية. فالأرانب، كما كان يسميهم، غالبًا ما تخاف من المجهول، وتثق بالمجاملات الزائفة التي لا تحمل أي صدق، وتضعف أمام من يظهر لها عكس ما تتوقع منه، مما يجعلهم عرضة للتلاعب. هذه كانت خطوته الأولى في فهم ديناميكيات هذا القفص الجديد الذي سقط فيه، وفهم سيكولوجية ساكنيه. لم تكن القوانين الأساسية للعالم قد تغيرت جوهريًا؛ فالإنسان، بضعفه وجشعه ورغبته البدائية في البقاء، يظل هو نفسه، بغض النظر عن الأبعاد أو العوالم التي ينتقل إليها. بدأ عقله يرسم خيوط خطة طويلة الأمد، خطة لن تنتهي إلا بمحو كل "أرنب" يقف في طريقه نحو القوة المطلقة. كان مستعدًا لاستغلال كل من حوله، كل روح بشرية أو غير بشرية يلقاها، حتى الساحرات الغامضات اللاتي قد يعمل معهن مستقبلًا، في سبيل تحقيق أهدافه الخبيثة والسادية. كل شيء كان مجرد أداة في يديه، وكل شخص مجرد وسيلة لتحقيق غاياته الخاصة.