كانت عينا سوبارو تحدقان في مجموعة المرتزقة الصاخبة المتجمعة حول حانة ريفية، تفاصيلهم المحفورة في ذهنه بحدة غريبة، وكأنهم عينات حية تحت مجهر معقد. لم يكن يرى فقط أجسامًا ضخمة وأسلحة متأرجحة، بل شبكة من الديناميكيات البدائية التي تحكمهم. قائدٌ جلف ذو ندبة تمتد على وجهه، يضحك بصوت أجش يرتد في أروقة السوق، يتبعه عدد من الأتباع ذوي النظرات البليدة. كانت هذه القوة الخام، العضلات التي لا تختلف كثيرًا عن الآلات، لكنها تمتلك قدرة على التدمير، وهو ما يجعلها أداة لا يمكن إغفالها في أي نظام بيئي يعتمد على البقاء للأقوى.
عقله بدأ فوراً بتحليل سلوكهم: طريقة جلوسهم، كيفية تبادلهم للنكات الخالية من أي ذكاء، قبضاتهم القوية التي تضرب الطاولات الخشبية بقوة، وملامح وجوههم التي تبرز جشعًا بسيطًا للذهب وشهوة للطعام والشراب. "القوة، دائمًا القوة"، ردد في داخله بسخرية باردة، "لا تختلف القوانين الأساسية بين عوالمهم البائسة. نفس الغريزة الحيوانية، نفس الدوافع البدائية، فقط في بيئة مختلفة قليلاً". كان يدرك تمامًا أن هؤلاء، على الرغم من عضلاتهم، كانوا مجرد "أرانب" من نوع آخر، أسهل في الترويض من أرانب المال في عالمه السابق، لأنهم كانوا يحكمون بغرائزهم المباشرة.
أحس سوبارو بوجود ثقلٍ خفيف في جيبه الداخلي، لمسة باردة لمواد لم يتعرف عليها بعد. كانت عملات هذا العالم، قطع معدنية غريبة الملمس والوزن، التقطها خلال سيره في السوق. نظر إليها ببرود، هذه "الأشياء" كانت تحدد القيمة هنا، هذا هو ما يسمح بالبقاء، بالسيطئة. سيسعى لجمع ما يكفي من هذه "الأوراق" أو "المعادن" لتمويل خططه، حتى لو اضطر لسرقتها من جيوب الحمقى أو انتزاعها بالقوة من الضعفاء. لم يكن هناك فرق بين المال القديم والجديد؛ كلاهما أداة للسيطرة.
دلف ببطء إلى داخل الحانة، غير عابئ بالنظرات الفضولية أو المتوجسة التي رمقه بها بعض رواد المكان. اختار زاوية مظلمة، تسمح له بمراقبة الجميع دون أن يلاحظه أحد بشكل مبالغ فيه. رائحة العرق والبيرة الرخيصة تملأ المكان، تختلط بعبق غريب يشبه رائحة التربة الرطبة، تلك الرائحة التي باتت مألوفة لهذا العالم. كان المكان ضيقًا، جدرانه خشبية متآكلة، والإضاءة خافتة تعتمد على مصابيح زيتية تطلق ألسنة دخان متراقصة. كان هذا هو مركز القوة الأول الذي يتعرف عليه؛ مكان تجمع "الأرانب" الأكثر فتكًا في هذا القطيع.
صوت الجلبة يرتفع وينخفض، أصوات لغات لم يفهمها. لكنه لم يحتج إلى فهم الكلمات؛ كان يقرأ لغة الجسد. النظرات المتبادلة بين المرتزقة، الإيماءات، الضحكات التي ترتفع فجأة ثم تخفت، كل هذا كان يروي قصة واضحة عن التسلسل الهرمي بينهم، عن نقاط ضعفهم المشتركة وعن ولاءاتهم الهشة. أحدهم، الأكثر بدانة، كان يتبجح بانتصارات زائفة. آخر، كان صامتًا يراقب الجميع بنظرة حادة. كل منهم كان خيطًا يمكن سحبه، ليحل النسيج بالكامل. كان سوبارو يعرف كيف يلعب لعبة تفكيك الثقة.
كان التحدي الأول هو اللغة. هذا الحاجز الصوتي الذي يمنعه من التلاعب المباشر. "لكن اللغة مجرد وسيلة، وليست الغاية"، فكر سوبارو وهو يراقب المرتزقة. "الحاجة هي اللغة العالمية. الخوف هو اللغة العالمية. الجشع هو اللغة العالمية." سيبدأ بالبحث عن أضعف حلقة، شخص يائس أو طامع، يمكن أن يكون بمثابة "حجر رشيد" له، يفتح له أبواب التواصل. أو ربما لا يحتاج للتواصل أصلاً، فالفعل هو أبلغ من أي كلمة في عالم كهذا.
الليل بدأ يسدل ستائره الثقيلة على السوق، والبرد بدأ يتسلل إلى داخل الحانة. لكن عقل سوبارو كان يعمل بحدة غير عادية، يشتعل ببرود قارس. لقد وجد مسرحه الجديد، وها هو يبدأ في تحديد الأدوار. الأرانب كثيرة، وكلها تنتظر مصيرها. لم يشعر بالإرهاق، بل بنشوة خفيفة، نشوة التحدي الجديد، فرصة لإعادة كتابة قواعد اللعبة بأسلوبه الخاص، والتحكم بمصير "الأرانب" جميعًا.