كان سوبارو يجلس في زاوية الحانة المظلمة، جسده النحيل يختبئ في الظلال كظل آخر، لكن عينيه الباردتين كانتا تضيئان بتركيز غير بشري، تمسحان كل وجه، كل إيماءة، كل حركة شفاه. كان يعلم أن حاجز اللغة هو سيف ذو حدين؛ فهو يحميه من الكشف المبكر، ولكنه يعيقه عن التلاعب المباشر. لهذا، بدأ بتفكيك هذا اللغز الصوتي بعقله الحاد. لم يكن يحاول "تعلم" اللغة بالمعنى التقليدي للأرانب، بل كان يسعى لفهم آلياتها، إيقاعها، تردداتها، وكأنها شفرة يجب فكها. كان يركز على الكلمات التي تُكرر، على تعابير الوجوه المصاحبة لأصوات معينة، محاولاً ربط الإشارات البصرية والسمعية ببعضها البعض، ليبني قاموسه الخاص القائم على الاستنتاج البارد لا الفهم الحقيقي.
"أصوات حادة هنا، ثم خافتة هناك. تعابير غضب مصاحبة لزمجرة معينة، وضحكات تُتبع بأصوات مختلفة تمامًا. هذا القطيع لديه لغة معقدة بشكل يثير الشفقة،" فكر سوبارو بسخرية لاذعة. كان يراقب المرتزقة وهم يشربون ويتبادلون الأحاديث، ملاحظًا كيف تتغير نبراتهم مع كل كأس، وكيف تصبح حركات أيديهم أكثر جرأة. كان يرى فيهم كائنات بسيطة، تتحرك وفق دوافع بدائية يسهل التنبؤ بها، مما يقلل من تعقيد مهمته بشكل مضحك. كان هذا العالم، بأسره، مجرد آلة يمكن فك رموزها، وكل كائن حي فيه كان جزءًا من هذه الآلة.
كان سوبارو يعرف أنه بحاجة إلى "أرنب" يتحدث، مفتاح حي يفتح له أبواب هذا العالم. عيناه استقرتا على شخصية نحيلة، تجلس وحيدة في زاوية أخرى، بعيدة عن صخب المرتزقة. كان شابًا يرتدي ملابس رثة، ينظر إلى الأرض باستمرار، ويتجنب الاتصال البصري. كان يرتشف مشروبًا رخيصًا ببطء، وتعبير اليأس يرسم خطوطًا واضحة على وجهه الشاحب. "ضعيف، يائس، منعزل،" حلل سوبارو ببرود. "أفضل أنواع الأرانب للاستغلال. يمكن التلاعب به بسهولة."
بدأ سوبارو بتحريك جسده ببطء نحو هدفه، خطوة بعد خطوة، وكأنه مفترس يتسلل نحو فريسة لا تشعر بوجوده بعد. لم يكن يملك مالًا كثيرًا في جيبه، لكنه كان يمتلك شيئًا أثمن بكثير: عقلاً لا يرحم، وقدرة فائقة على الملاحظة والتحليل. وصل إلى طاولة الشاب، وظل واقفًا لثوانٍ معدودة، يدرس رد فعله الخفي. لم يرفع الشاب رأسه، مما أكد لسوبارو أنه غارق في همومه. هذه فرصة.
"هيه،" نطق سوبارو بصوت خفيض، الكلمة الأولى التي يتفوه بها في هذا العالم الجديد. كانت كلمة عالمية، تحمل معاني متعددة. رفع الشاب رأسه ببطء، عيناه باهتتان تلتقيان بعيني سوبارو الباردتين. لم يكن هناك خوف مباشر، بل ارتباك وتساؤل. "أهذا أرنب يستطيع التواصل؟" تساءل سوبارو داخليًا، مراقبًا أدق تفاصيل رد فعله: اتساع حدقة العين قليلاً، شد الشفاه، محاولة فهم الصوت الغريب.
أشار سوبارو بيده إلى شراب الشاب، ثم إلى حلقه، في إيماءة بدائية تشير إلى العطش أو الرغبة في الشرب. كان يختبر حدوده. لم يكن يطلب الشفقة، بل يزرع بذرة تساؤل، ليجبر الطرف الآخر على الاستجابة. تردد الشاب لحظة، ثم أومأ برأسه ببطء، إشارة فهم وإن كانت غير كاملة. كان هذا كافيًا. لقد وجد "حجر رشيد" الخاص به، المفتاح الأول لفك رموز هذا العالم الغريب. لم يكن الأمر يتعلق بالصداقة أو المساعدة، بل بالاستغلال النقي والبارد.
في تلك اللحظة، شعر سوبارو بمتعة خفيفة تتسلل إلى عقله. لم تكن متعة بشرية، بل إشباع لحاجته للسيطرة والتلاعب. هذا العالم الجديد، بكل غرائبه ومخلوقاته، لم يكن سوى امتداد لمسرحيته القديمة. "الأرانب" موجودة، واللعبة قد بدأت للتو. سيبدأ هذا الشاب في الكشف عن أسرار هذا العالم، وسوبارو سيستخلص كل معلومة منه، ثم يرميه متى انتهت صلاحيته.