بعد الإيماءة البسيطة التي أشار بها سوبارو، ارتفعت نظرة الشاب ببطء، عيناه الباهتتان تائهتان بين الأمل والخوف، تلتهمان وجه سوبارو الغريب الذي لم يحمل أي تعبير واضح. كانت كلمته الوحيدة "هيه" قد اخترقت حاجز الصمت، محدثة رجة خفيفة في العالم الخاص بالشاب المنعزل. لاحظ سوبارو كيف تشنجت عضلات رقبة الشاب قبل أن يريحها، وكيف انقبضت أصابعه الرقيقة حول الكأس الخشبي الذي يمسكه، إشارات جسدية دقيقة تدل على الارتباك والترقب. لم تكن هناك أي ضغينة، فقط استسلام لموقف غير متوقع.
"هل هذا الأرنب يمتلك بعض الذكاء ليقرأ ما أريد؟" فكر سوبارو ببرود، مراقبًا كل تفصيل. أشار الشاب مرة أخرى إلى الكأس، ثم إلى نفسه، ثم إلى سوبارو، وكأنه يسأل: "هل تريد أن أقدم لك؟" كانت إشارة بدائية، لكنها كافية. أومأ سوبارو برأسه ببطء، ابتسامة خفية لا تُرى رسمت على شفتيه. لم يكن يطلب صدقة، بل يزرع بذرة التبعية الأولى. كان يعلم أن البشر، حتى في أقصى حالات يأسهم، يتوقون إلى أي يد تمتد لهم، حتى لو كانت يدًا خادعة.
وضع الشاب الكأس أمامه، ثم أشار إلى مقعد فارغ مقابله. جلس سوبارو، حافظًا على هدوئه الذي يكاد يكون مخيفًا. كانت أذناه تستقبلان تدفق الأصوات من حوله، تلك اللغة الغريبة التي بدأت تتفكك ببطء في عقله كشفرة معقدة. كانت بعض الكلمات تتكرر: "مال"، "طعام"، "مرتزقة"، "خطير". بدأ يربط بينها وبين سياقاتها، مستفيدًا من عقله الذي يعمل كمعالج فائق السرعة، يحلل البيانات ويستنتج المعاني الضمنية، متجاوزًا الحاجة إلى القواعد النحوية أو اللفظية. كان هذا أسلوبه في "التعلم"؛ لا تقليد، بل تحليل.
مد سوبارو يده إلى الشاب، مشيرًا إلى الكأس، ثم إلى نفسه، ثم إلى الشاب، في إيماءة بسيطة تعني "ما اسمك؟". تردد الشاب للحظة، ثم نطق بكلمة، حاول سوبارو أن يلتقطها. "ريم..." قال الشاب بصوت خفيض. "ري... م". كرر سوبارو الكلمة داخليًا، يختزنها في ذاكرته كأول كلمة مفيدة. ثم أشار إلى نفسه، ونطق بكلمته الوحيدة القابلة للفهم، تلك الكلمة التي لا تحمل معنى في هذا العالم، لكنها كانت هويته في عالمه القديم: "سوبارو". لم يتغير تعبير الشاب، مما يعني أن الاسم لم يكن مألوفًا. جيد.
بدأ سوبارو يطرح أسئلة غير مباشرة، باستخدام الإيماءات والأصوات التي بدأ يستوعبها. أشار إلى العملات المعدنية في جيبه، ثم إلى البضائع في السوق. أشار الشاب، الذي عرف اسمه الآن، "ريم"، إلى عملة معينة، ونطق بكلمة غير مفهومة. "الوحدة الاقتصادية الأولى"، سجل سوبارو في عقله. ثم أشار إلى الطعام، وإلى المرتزقة. ريم، بتردد، أشار إلى فمه، ثم قام بإيماءة تدل على القوة. "طعام، قوة". كانت الروابط تتكون ببطء لكن بثبات. كان ريم، بضعفه وجهله، يتحول إلى قاموس حي لسوبارو.
"هذا العالم بدائي، لكنه يعمل بنفس منطق الضعف البشري"، فكر سوبارو بينما كان ريم يحاول، بجهد واضح، شرح بعض الأمور بلغة الإشارة والأصوات. "البشر يتحدون ليكونوا أقوى، ثم يتقاتلون على الموارد. لا جديد". لم يشعر سوبارو بالشفقة تجاه يأس ريم الذي بدأ يظهر في قسمات وجهه، بل رأى فيه فرصة: يأس ريم يعني أنه سيكون مطيعًا، ومصدرًا للمعلومات لا يمكن الاستغناء عنه في الوقت الحالي.
مع مرور الوقت، وبتكرار الأسئلة والإيماءات، بدأ سوبارو يجمع قطعًا أكبر من اللغز. فهم أن هذا المكان هو "سوق رومال"، مدينة تجارية كبيرة نسبيًا. هناك "فرسان" يحمون المدينة، و"تجار" يديرون المال، و"عوام" يعيشون على الفتات، و"مرتزقة" يبيعون عضلاتهم لمن يدفع. "نظام طبقي واضح، يسهل التلاعب به"، استنتج سوبارو. أدرك أن القوة في هذا العالم ليست فقط بالمال، بل أيضًا بالمكانة الاجتماعية والجسدية. لكن عقله كان يرى أن القوة الحقيقية تكمن في التحكم بمن يمتلكون هذه القوى.
رفع سوبارو نظره من ريم، ليمسح به أرجاء الحانة، ثم تجاوزها إلى السوق الخارجي. لقد حصل على معلومات كافية للمرحلة الأولى. "ريم" قد أدى غرضه. الآن، حان وقت استخدام هذه المعلومات للانتقال إلى المستوى التالي. الهدف الأول هو تأمين الموارد، ثم السلطة. وسيكون ريم، أو غيره من الأرانب، مجرد جسر يمر فوقه للوصول إلى غاياته.