تراجعتُ بخطوة إلى الخلف، وقد تجمد الدم في عروقي للحظة، حين رأيت ذلك النادل يحمل عشرات الكؤوس الزجاجية المكدسة فوق بعضها بشكل مرعب، وكأن سقوطها مسألة ثوانٍ فقط.
كانت يده ترتجف، وقدمه اختلت للحظة… واتجه جسده نحوي مباشرة.
لكن…
في الرواية الأصلية… لم يُذكر أبدًا أن فلورينا ستتعرض لحادث كهذا.
إذن… لماذا؟
رفعت عيني بسرعة نحو الأمام، لألتقي بنظرتين أعرفهما جيدًا…
ابتسامتان سامّتان تخفيان نوايا أكثر قذارة من الوحل نفسه.
كلوي سانت.
وجودين ميلاني.
أفعَتان ترتديان الحرير والمجوهرات.
في اللحظة التي أدركت فيها ما يحدث، شعرت بذراع قوية تلتف حول خصري فجأة، لتسحبني بعيدًا قبل أن تسقط الكؤوس فوقي بثوانٍ.
ارتطم الزجاج بالأرض بصوت مدوٍ، وتناثر النبيذ الأحمر كأنه دماء سالت فوق الرخام الأبيض.
شهقات ارتفعت في القاعة.
أما أنا… فوجدت نفسي داخل أحضان أخي الأكبر.
توسعت عيناي بدهشة.
أخي…؟
هو… أنقذني؟
رفعت بصري نحوه، فوجدت ملامحه متصلبة بشكل مخيف، وكأنه على وشك قتل أحدهم.
"فلورينا… هل أنتِ بخير؟"
صوته كان منخفضًا، لكنه يحمل قلقًا حقيقيًا.
غريب…
في ذكريات فلورينا الأصلية، لم يكن يهتم بها أصلًا، بل كان يفضل الابتعاد عنها دائمًا بسبب تصرفاتها المجنونة والمتكبرة.
إذن لماذا… بدا خائفًا هكذا؟
ابتلعت ريقي بهدوء، ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة.
"أجل يا أخي… أنا بخير."
وما إن انتهت كلماتي حتى اندفع الدوق الأكبر نحونا بسرعة، حتى إن عباءته السوداء تحركت بعنف خلفه.
كان وجهه شاحبًا بشكل واضح.
"فلورينا!"
وصل أخيرًا وأمسك كتفي بسرعة وكأنه يتأكد أنني لم أُصب بأذى.
"هل تأذيتِ؟"
هززت رأسي بهدوء، بينما أتنهد بعمق.
"لا شيء خطير."
مدّ يده نحوي بأناقة، فوضعت يدي في يده ليُساعدني على الوقوف بشكل مستقيم.
لكن…
وفجأة—
سقط النادل على ركبتيه بعنف أمامي.
كان يرتجف بشكل واضح، حتى إن صوته خرج متقطعًا.
"أنا… أنا آسف يا سمو الأميرة… أرجوكِ سامحيني…!"
خفض رأسه أكثر وكأنه ينتظر حكم الإعدام.
حينها فقط…
فهمت كل شيء.
هاتان الأفعَتان دفعتا هذا الخادم عمدًا ليرتكب الحادث أمام الجميع.
لقد كانتا تنتظران رؤية “فلورينا الأصلية”.
فلورينا المتعجرفة التي كانت ستصفع النادل، وربما تأمر بمعاقبته أمام الحضور.
ثم سيبدأ النبلاء بالهمس:
"يا لها من أميرة متوحشة."
"كما هو متوقع من ابنة العامة."
"إنها لا تستحق مكانتها."
لكن…
للأسف الشديد لهما.
أنا لست فلورينا الأصلية.
انحنيت قليلًا حتى أصبح مستوى نظري مساويًا لذلك النادل المرتجف.
تجمدت القاعة بالكامل.
حتى الموسيقى توقفت للحظة.
ثم سألت بهدوء:
"هل تأذيت أيها النادل؟"
اتسعت عينا الرجل بصدمة.
وكذلك الجميع.
أخرجت منديلي الحريري وأعطيته له بابتسامة هادئة.
"لا تقلق… جميعنا نرتكب الأخطاء."
نظرت إلى الزجاج المتكسر حولنا ثم أكملت بصوت ناعم:
"حتى أكثر الناس مثالية… تخطئ أحيانًا."
ساد الصمت.
صمت ثقيل لدرجة أنني استطعت سماع أنفاس الواقفين حولي.
ثم انحنى النادل بسرعة حتى كاد جبينه يلامس الأرض.
"شكرًا لكِ يا سمو الأميرة سيلار…!"
وبدأت الهمسات تنتشر بين النبلاء.
"هل… هذه حقًا الأميرة سيلار؟"
"لقد تغيرت كثيرًا…"
"ربما أصبحت عاقلة أخيرًا."
"سمعت أن حفل بلوغها اقترب."
"هذا يدعو للراحة حقًا."
ابتسمت داخليًا بهدوء.
أما كلوي وجودين…
فقد اختفت الابتسامة من وجهيهما تمامًا.
رائع.
يبدو أن خطتهما انقلبت عليهما.
رفعت نظري نحوهما للحظة قصيرة، فرأيتهما ترتجفان بصمت.
هما تعلمان جيدًا.
فلورينا الأصلية كانت دمية سهلة الاستفزاز.
أما أنا؟
أنا امرأة عملت كجاسوسة لصالح أخطر منظمة اغتيال في عالمي السابق.
امرأة نجت من الخيانة والدماء والمطاردات.
وفوق ذلك…
أنا لاعبة كاراتيه محترفة.
التلاعب بي داخل حفلة نبلاء؟
كم يبدو الأمر مضحكًا.
تنهدت بخفة بينما أعدل قفازي الأبيض الملطخ بالنبيذ.
بصراحة…
منذ أن انتقلت إلى هذا العالم، وأنا مشغولة بمحاولة النجاة وتغيير مصيري.
لم أجد وقتًا للاستمتاع أبدًا.
لكن الآن؟
أخيرًا بدأت اللعبة.
وأنا… أحب الألعاب الخطيرة جدًا.
عدت بنظري نحو الأفعَتين.
كلوي سانت، ابنة الماركيز.
وجودين ميلاني، ابنة الكونت.
في الرواية الأصلية كانتا تدّعيان صداقة فلورينا، بينما تخفيان كرهًا عميقًا لها لأنها صعدت إلى مكانة أعلى منهما رغم أصولها المتواضعة.
كم هو مثير للشفقة.
لكن لا بأس…
سأجعلهما تندمان على استفزازي داخل هذه الحفلة.
وبينما كانت القاعة تعود تدريجيًا إلى ضجيجها المعتاد، رفعت بصري نحو الجهة المقابلة…
وهناك…
كان يقف ولي العهد.
بعيدًا عن الحشود.
هادئًا كعادته.
عيناه الذهبيتان كانتا مثبتتين علي منذ البداية، وكأنه شاهد كل شيء دون أن يفوته تفصيل واحد.
حتى بعد انتهاء الحادث… لم يبعد نظره عني.
ابتسمت ببطء.
ابتسامة صغيرة… لكنها حملت الكثير من المعاني.
لأنني بالفعل…
حضّرت له هدية عيد ميلاد لن ينساها أبدًا.
ههه…