𓆩⚜𓆪 𝓛𝓪𝓺𝓪𝓭 𝓩𝓪𝓷𝓪𝓷𝓽 𝓐𝓷𝓷𝓲 𝓗𝓪𝓺𝓺𝓪𝓷 𝓠𝓪𝓭 𝓜𝓾𝓽 ༺
كان مكتب الدوق دافئًا على غير عادته، تتراقص ألسنة النار داخل المدفأة، بينما تراكمت أكوام المستندات فوق مكتبه الكبير.
جلس الدوق أسلاير يوقع الأوراق بصمت، وتعابيره باردة كالعادة، إلا أن الإرهاق كان واضحًا في عينيه.
طرق أحد الخدم الباب.
"سموك... الآنسة فلورينا ترغب في مقابلتك."
رفع الدوق حاجبًا باستغراب.
"لتدخل."
انفتح الباب ببطء.
دخلت فلورينا وهي تدفع عربة صغيرة مزينة بإبريق شاي ساخن وقطع من كعكة البرتقال الطازجة.
ابتسمت ابتسامة مشرقة.
"كيف حالك يا أبي؟"
رفع بصره إليها للحظة، ثم عاد إلى مستنداته.
"أنا بخير... كيف أصبحت يدك المكسورة؟"
رفعت يدها الملفوفة بالضمادات ولوحت بها بخفة.
"إنها بخير الآن."
ساد الصمت للحظات...
صمت بارد جعل الغرفة تبدو أكثر هدوءًا.
اقتربت من الطاولة.
"أحضرت لك كعكة البرتقال المفضلة لديك... مع الشاي. هل تشربه معي؟"
نظر إليها طويلًا، ثم نهض دون كلمة واتجه نحو الأريكة الموجودة في المكتب.
اتسعت ابتسامتها.
وضعت الكعكة وأكواب الشاي على الطاولة الصغيرة، ثم جلست أمامه.
أمسكت الإبريق وبدأت تصب الشاي برفق...
وفجأة...
تجمد الدوق في مكانه.
اتسعت عيناه دون إرادة.
هذه الحركة...
طريقة رفعها للإبريق...
هدوء يديها...
حتى الابتسامة الصغيرة على شفتيها...
كلها...
كانت تشبه زوجته الراحلة.
للحظة...
بدت أمامه وكأنها هي.
ارتجفت أنامله حول الفنجان.
لكن بعد ثوانٍ أعاد ارتداء قناعه البارد كأنه لم يحدث شيء.
رفعت فلورينا رأسها ونظرت إليه.
ثم قالت بصوت خافت:
"أبي..."
رفع عينيه إليها.
"أنا... آسفة."
توقف عن شرب الشاي فجأة.
ونظر إليها بذهول.
"فلورينا... هل أنتِ مريضة؟"
وقف فورًا.
"هل أستدعي الطبيب؟"
هزت رأسها بسرعة.
"لا... أنا بخير."
خفضت عينيها قليلًا.
"لكنني أظن أنني سببت لك الكثير من المتاعب... بسبب اختطافي... وما حدث في السوق..."
ظل الدوق يحدق بها للحظات.
ثم تنهد بهدوء.
"فلورينا..."
"أنتِ لم تفعلي شيئًا خاطئًا."
رفعت رأسها إليه.
أكمل بابتسامة خفيفة لم تظهر منذ زمن.
"بل كنت فخورًا بك."
اتسعت عيناها.
"لقد كشفتِ المحتال أمام الجميع، وأنقذتِ الكثير من الناس من خداعه."
"لقد تصرفتِ بشجاعة."
"أحسنتِ يا فلورينا."
شعرت بشيء دافئ يملأ قلبها.
في حياتها السابقة...
لم تسمع كلمات مدح كهذه إلا من أخيها...
الأخ الذي رحل إلى الأبد.
أما الآن...
فوالدها...
يمدحها.
دون أن تشعر...
ابتسمت ابتسامة صادقة، وامتلأت عيناها بالفرح.
لكن الجو تبدل فجأة.
عاد وجه الدوق باردًا.
"مع ذلك..."
"سمعت أنكِ حبيبة الدوق الأكبر."
ساد صمت ثقيل.
"هل هذا صحيح؟"
تصبب العرق من جبينها.
"لا... ليس كما يبدو."
ثم بدأت تشرح كل ما حدث منذ لقائهما، وكيف ساعدها الدوق الأكبر، وكيف كان ليون فلانتاين يلاحقها، وأن فكرة تمثيل دور الحبيبين كانت مجرد وسيلة للهروب من الإشاعات والمعجبين.
ظل الدوق يستمع دون أن يقاطعها.
حتى انتهت.
عندها...
ابتسم ابتسامة صغيرة.
"إذن... هكذا كانت الحقيقة."
تنفست فلورينا الصعداء.
ثم أخرجت ظرفًا قديمًا احتفظت به بعناية.
كانت أصابعها ترتجف وهي تمده إليه.
"أبي..."
"هناك رسالة..."
"من شخص كان عزيزًا عليك."
نظر إلى الظرف.
وبمجرد أن رأى خط الكتابة...
تجمد.
ارتعشت يداه.
ذلك الخط...
كان يحفظه عن ظهر قلب.
ببطء شديد...
فتح الرسالة.
وبدأ يقرأ.
ــــــــــــــــــــــ
إلى زوجي الحبيب... كارنون.
إن كنت تقرأ هذه الرسالة...
فهذا يعني أنني لم أعد بجانبك.
أعتذر...
لأنني سأتركك وحيدًا قبل أن أفي بوعدي بأن نموت معًا.
كنت دائمًا أخشى هذا اليوم.
لا لأنني أخاف الموت...
بل لأنني أخاف أن أراك تتألم بسببي.
لقد أخبرني الأطباء بالحقيقة منذ أشهر.
قالوا إن جسدي يضعف يومًا بعد يوم.
وقالوا أيضًا...
إن طفلتنا الصغيرة لن ترى هذا العالم.
حين سمعت ذلك...
بكيت كثيرًا.
ليس خوفًا على نفسي...
بل لأنني كنت أحلم أن أراك تحمل صغيرنا بين ذراعيك.
كنت أتخيل ابتسامته...
وصوته...
وهو ينادينا.
لكن يبدو أن الله اختار له مكانًا أجمل من هذا العالم.
كارنون...
هل تتذكر أول ربيع التقينا فيه؟
حين قلت لي إن أزهار الحدائق تشبهني.
ضحكت منك يومها...
وقلت إن الأزهار تذبل سريعًا.
أما أنا...
فسأبقى معك دائمًا.
يا ليتني كنت محقة.
الآن...
وأنا أنظر من نافذتي...
أرى الزهور تتفتح من جديد.
جميلة...
ورقيقة...
لكنني أعلم...
أن الشتاء سيأتي.
وسوف تذبل جميعها.
ولأول مرة...
أدركت أنني أشبهها حقًا.
ازدهرت قليلًا...
ثم حان وقت ذبولي.
لكن لا تحزن.
فالربيع لا يموت عندما تذبل زهرة.
بل يعود مرة أخرى...
بزهور جديدة.
لذلك...
أرجوك...
عندما ترحل زهرتك الأولى...
لا تغلق قلبك.
ولا تعش وحيدًا.
ابتسم مجددًا.
عش.
واضحك.
واعتنِ بابننا ثيون .
حتى لو كرهتك...
حتى لو تمردت عليك...
فهي قطعة مني.
وأعلم...
أنك ستكون أفضل أب في العالم.
كارنون...
شكرًا...
لأنك جعلت حياتي أجمل من كل أحلامي.
ولو خُيّرت ألف مرة...
لاخترتك زوجًا في كل مرة.
أحبك...
أكثر مما تستطيع هذه الكلمات وصفه.
زوجتك...
إلى الأبد.
ــــــــــــــــــــــ
انتهى الدوق من قراءة الرسالة.
ساد الصمت.
لم يسمع في الغرفة سوى صوت احتراق الحطب.
كانت يده ترتجف.
وسقطت دمعة فوق الورقة.
دمعة...
لم يرها أحد منذ سنوات.
رفع رأسه ببطء.
ونظر إلى فلورينا.
ثم لأول مرة...
ابتسم لها...
ابتسامة صغيرة، لكنها كانت صادقة.
أما فلورينا...
فاكتفت بالابتسام.
وأدركت...
أن الجدار الذي بناه والدها حول قلبه...
قد بدأ أخيرًا يتشقق.
نهاية الفصل...